وفاة الأمير الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني

{title}
راصد الإخباري -

أعلن الديوان الأميري القطري، صباح اليوم الأحد، وفاة الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني عن عمر ناهز الرابعة والسبعين عاماً، في نبأ مفاجئ ألمَّ بأرجاء الدولة الخليجية، حيث عم الحزن أوساط الشعب القطري والقيادة السياسية، فيما توقفت الحركة في كثير من المؤسسات الرسمية إيذاناً بمرحلة حداد وطني. وجاء في بيان صادر عن الديوان الأميري، تلته وكالة الأنباء الرسمية، أن "بقلوب مؤمنة بقضاء الله وقدره، ينعى الديوان الأميري فقيد الوطن الكبير المغفور له بإذن الله صاحب السمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، الذي وافته المنية في صباح اليوم"، دون أن يحدد البيان أسباب الوفاة أو تفاصيل المراسم الجنائزية، مكتفياً بالدعاء له بالرحمة والمغفرة، ومبتهلاً إلى المولى أن يسكنه فسيح جناته، ويلهم أسرته الكريمة والشعب القطري الصبر والسلوان.

ويُعد الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني شخصيةً محورية في تاريخ قطر الحديث، إذ يُنظر إليه باعتباره المهندس الحقيقي لنهضة البلاد، التي انطلقت مع توليه الحكم في عام 1995، واستمرت حتى تنازله لوليّ عهده في عام 2013، في خطوة نادرة على مستوى المنطقة أنهت عقوداً من التوارث التقليدي، ورسّخت مبدأ التداول السلمي للسلطة داخل الأسرة الحاكمة. وخلال تلك السنوات الثماني عشرة، قاد الشيخ حمد تحولاً جذرياً في مختلف المجالات، بدءاً من البنية التحتية وصولاً إلى التعليم والصحة، مروراً بالإعلام والسياسة الخارجية، ليحوّل قطر من إمارة صغيرة تعتمد على الغوص على اللؤلؤ والموارد النفطية المحدودة، إلى دولة فاعلة على الساحة الدولية، ومركز إقليمي للطاقة والاستثمار والوساطة الدبلوماسية.

وتشهد للإنجازات الداخلية التي تحققت في عهده وثيقتان أساسيتان: أولاهما إقرار الدستور الدائم للبلاد في عام 2004، الذي نظم علاقة السلطات وأرسى قواعد المشاركة الشعبية عبر المجلس البلدي ومجلس الشورى، وهو ما مثّل نقلة نوعية في البناء المؤسسي لدولة عربية خليجية. والثانية "رؤية قطر الوطنية 2030" التي أُطلقت في عام 2008، ووضعت خارطة طريق طموحة لتحويل الاقتصاد القائم على النفط والغاز إلى اقتصاد متنوع قائم على المعرفة والابتكار، مع التركيز على التنمية البشرية والاجتماعية والبيئية، إلى جانب البعد الاقتصادي، وهو المشروع الذي ظلّ يتابعه الأمير الوالد حتى بعد تنحيه، حريصاً على تحقيق أهدافه في المواعيد المحددة.

أما في مسيرته الشخصية، فولد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني عام 1952 في مدينة الدوحة، حيث تلقى مراحل تعليمه الأولى في مدارسها، قبل أن يغادر إلى المملكة المتحدة للالتحاق بكلية ساند هيرست العسكرية الشهيرة، التي خرّجت العديد من قادة الجيوش والعائلات الحاكمة، وتخرج منها في يوليو عام 1971، ليلتحق فوراً بالقوات المسلحة القطرية التي كانت حينها في طور التأسيس والنمو. ولم تمضِ سنوات قليلة حتى تولى مناصب قيادية حساسة، إذ بويِع ولياً للعهد وعُيِّن وزيراً للدفاع في عام 1977، وكان في الخامسة والعشرين من عمره، ثم ترأس المجلس الأعلى للتخطيط عام 1989، وهو الهيئة المكلفة برسم السياسات الاجتماعية والاقتصادية، مما أتاح له خبرة مباشرة بإدارة شؤون الدولة وتحديات التطوير.

وجاء قرار توليه الحكم في 27 يونيو عام 1995 في انقلاب غير دموي على والده الأمير خليفة بن حمد، ليشهد القطريون عهداً من الإصلاحات والانفتاح لم تشهد المنطقة مثيلاً له في تلك الفترة. ومن أبرز سمات حكمه إطلاق قناة الجزيرة الفضائية التي أحدثت ثورة في الإعلام العربي، وتبني سياسة خارجية مستقلة تنوعت بين الوساطات المعقدة في لبنان واليمن ودارفور، والاستثمارات الضخمة في أوروبا وآسيا وأميركا، إضافة إلى رعايته ملفات الرياضة والثقافة، وصولاً إلى الفوز باستضافة كأس العالم لكرة القدم 2022، وهو الحدث الذي توج جهوداً سنوات من التخطيط والبناء، وأخرجه إلى النور الأمير الحالي الشيخ تميم بن حمد الذي واصل المسيرة.

وفي عام 2013، فاجأ الشيخ حمد بن خليفة العالم بقرار تنحيه عن الحكم وتولي ولي عهده الشيخ تميم مقاليد الأمور، في خطوة اعتُبرت سابقة عربية من نوعها، مؤكداً أنها تأتي "لصالح المستقبل ولإفساح المجال للأجيال الشابة"، ومتفرغاً بعدها لدور الأمير الوالد، حيث ظلّ حاضناً ومرشداً للحكومة الجديدة، ومنخرطاً في العديد من المبادرات الإنسانية والخيرية، دون أن يبتعد عن المشهد الوطني، حريصاً على وحدة الصف ودعم مسيرة التنمية التي أرست دعائمها.

ومع إعلان وفاته، يتوقف القطريون أمام إرثٍ سياسي واقتصادي حافل، بينما تستعد الدولة لمراسم تشييع مهيبة ينتظر أن يحضرها كبار المسؤولين والشخصيات من مختلف دول المنطقة والعالم، تقديراً لدور الفقيد في ترسيخ مكانة قطر على الخريطة الدولية. ويبقى السؤال الذي يطرح نفسه في هذه اللحظة الحزينة حول مستقبل الرؤية التي تركها، لكن المؤكد أن مؤسسات الدولة ورجالها، وعلى رأسهم الأمير الحالي، سيمضون قدماً في تنفيذ مخططاتهم استكمالاً لما بدأه الوالد، وفاءً لروحه التي كانت دائما تردد أن "قطر تستحق الأفضل"، تاركاً خلفه بلداً تغيّر وجهه، وشعباً يكبره حباً واحتراماً، وميراثاً من الإنجازات سيظل عنواناً لعهده الطويل.