ليبيا: إفراجات العيد وأبعاد سياسية لكسب الشارع
قضى عشرات السجناء الليبيين الذين افرج عنهم اخيرا عيد الاضحى بين اسرهم بعد سنوات من الاحتجاز. جاء ذلك عقب خطوات متزامنة في شرق وغرب البلاد للافراج عن دفعات من النزلاء قبيل العيد.
راى مراقبون ان التحرك ذو طابع انساني، لكنه يحمل في الوقت نفسه ابعادا سياسية تتصل بكسب تعاطف الشارع وتوجيه رسائل الى اطراف دولية.
بينما تحدث حقوقيون عن مخاوف لدى سلطات طرابلس وبنغازي من مذكرات اعتقال قد تصدرها المحكمة الجنائية الدولية ضد متهمين بارتكاب جرائم ضد الانسانية.
غادر المحتجزون الذين امضى بعضهم اكثر من عشر سنوات خلف القضبان السجون عقب قرار رئيس حكومة الوحدة المؤقتة في غرب ليبيا عبد الحميد الدبيبة بتنفيذ قرار المجلس الاعلى للقضاء القاضي بالعفو عما تبقى من العقوبة بحق عدد من النزلاء الليبيين. اضافة الى الافراج عن 254 سجينا من جنسيات عربية واجنبية وترحيلهم الى بلدانهم، وكانت سلطات الشرق قد سبقت هذه الخطوة بيوم واحد بالافراج عن اكثر من 250 سجينا.
اعاد هذا التزامن الى الواجهة اتهامات متبادلة بين السلطتين باستخدام الملفات الانسانية لتعزيز النفوذ وكسب الشعبية داخل مناطق السيطرة.
غير ان هذه الخطوات لم تنه الجدل حول دلالاتها في ظل استمرار الانقسام السياسي في البلاد بين حكومتين متنافستين، الاولى في غرب البلاد برئاسة الدبيبة وتتخذ من طرابلس مقرا لها، والثانية حكومة مكلفة من البرلمان في بنغازي برئاسة اسامة حماد، وتحظى بدعم القائد العام للجيش الوطني المشير خليفة حفتر وتدير المنطقة الشرقية واجزاء من الجنوب.
رغم الترحيب الشعبي المحدود بهذه الافراجات، فانها لم تنجح في تخفيف حالة الاستياء العام بعدما قضت قطاعات واسعة من الليبيين وقفة عيد الاضحى وما سبقه في طوابير طويلة امام المصارف ومحطات الوقود، بالتزامن مع موجة ارتفاع حادة في الاسعار افسدت اجواء العيد على كثير من الاسر.
بينما بين نائب رئيس حزب الامة الليبي احمد دوغة ان الهدف السياسي وراء هذه الافراجات يتمثل في سعي كل سلطة الى تقديم نفسها بوصفها الطرف الاقرب لمعاناة المواطنين والاكثر استشعارا لهمومهم. موضحا ان هذا النوع من الاستقطاب الموسمي فقد فاعليته وتآكلت مصداقيته منذ سنوات، مشيرا الى ان المستفيدين المباشرين من هذه الخطوات يظلون محصورين في اسر السجناء المفرج عنهم.
يقارن دوغة ذلك بمعاناة قطاعات واسعة من الليبيين الذين امضوا ساعات طويلة في طوابير امام المصارف ومحطات الوقود او تنقلوا بين اسواق الاضاحي بحثا عن خروف بسعر مناسب في ظل موجة غلاء غير مسبوقة دفعت بعض الاسر الى التخلي عن شراء الاضحية هذا العام.
عكست تعليقات متداولة على منصات التواصل حالة من الغضب الشعبي، اذ كتب احد المستخدمين متسائلا: ماذا عن الشعب المحبوس في طوابير الوقود والمصارف؟ ومن المسؤول عنه؟
وخلال الاشهر الماضية، عاش المواطن الليبي ضغوطا اقتصادية متزايدة مع تراجع الدينار وارتفاع معدلات التضخم، مما انعكس على اسعار السلع الاساسية في بلد يعتمد بدرجة كبيرة على الاستيراد، ويرى مراقبون ان هذه الازمة مرشحة للاستمرار في ظل استمرار الانسداد السياسي.
في قراءة اخرى لمشهد الافراجات المتزامنة عن السجناء في شرق ليبيا وغربها، ربط حقوقيون من بينهم الناشط الحقوقي طارق لملوم هذه التحركات بسياق سياسي وحقوقي دولي حساس يتمثل في بدء محاكمة خالد الهشيري احد المسؤولين السابقين في سجن معيتيقة امام المحكمة الجنائية الدولية بتهم تتعلق بانتهاكات ضد محتجزين.
قال لملوم ان اعلان المحكمة الجنائية الدولية عن مذكرات ملاحقة اضافية بحق مسؤولين ليبيين متهمين بانتهاكات داخل السجون اثار مخاوف لدى سلطات الشرق والغرب وربما دفعها نحو تسريع خطوات تهدف الى تبييض السجون وتحسين صورتها. مبرزا ان محاكمة الهشيري اعادت تسليط الضوء بقوة على اوضاع الاحتجاز في ليبيا مع تصاعد الدعوات المحلية والدولية لمحاسبة المتورطين في الانتهاكات.
انتقد لملوم تصوير الافراجات وكانها هبة او مكافاة من قادة الكيانات المسلحة، عادا ان انصاف المظلومين يجب ان يبقى في اطار قانوني لا ان يتحول الى عمل دعائي او خيري شبيه بتوزيع الزكاة والاضاحي. مشيرا الى ان الازمة لا تقتصر على السجون الرسمية، بل تمتد الى السجون السرية ومعسكرات الاحتجاز التي تديرها مجموعات مسلحة وقادة عسكريون بعيدا عن اي رقابة قانونية وسط تقارير حقوقية تتحدث عن انتهاكات جسيمة واحتجازات تعسفية داخلها.
وكان حقوقيون قد شككوا في تصريحات سابقة لوزيرة العدل نهاية عام 2023 بشان تجاوز عدد الموقوفين 20 الفا داخل المؤسسات التابعة للوزارة والتي يقدر عددها بنحو 30 مؤسسة اصلاحية.
رغم تداول صور للمفرج عنهم وهم يقضون العيد مع اسرهم للمرة الاولى منذ سنوات، شدد لملوم على ان الحكومتين لم تقتربا من معالجة الهم الرئيسي لمعظم الليبيين والمتمثل في غلاء المعيشة.
من منظور البعض فان هذا الملف يرتبط بسياق سياسي اوسع، اذ ربط المحلل السياسي الليبي حسام فنيش بين تحسين ملف السجناء وحقوق الانسان وبين المساعي الاممية والدولية الرامية الى تسوية الازمة السياسية الليبية.
اوضح فنيش ان القوى الفاعلة في شرق وغرب البلاد تسعى عبر هذه الافراجات الى توجيه رسائل ايجابية الى القوى الدولية المنخرطة في جهود تشكيل حكومة موحدة كما تطرح بعض المبادرات الدولية المتداولة.
انتهى الى ان استمرار التنافس بين سلطات الشرق والغرب يعزز الشكوك بشان قدرة اي حكومة موحدة مستقبلية على الصمود، كما يفاقم حالة الاستياء الشعبي في ظل استمرار توظيف الملفات الانسانية والسياسية لتعزيز النفوذ مقابل غياب حلول فعلية لازمات الاقتصاد والفساد وتردي الخدمات.







