اقالة رئيس بي بي تثير ازمة قيادة في عملاق النفط
تمثل الاقالة المفاجئة والفورية لرئيس مجلس ادارة شركة "بي بي" البرت مانيفولد ذروة مشهد دراماتيكي يعيد تسليط الضوء على معضلة الاستقرار المؤسسي داخل احد اكبر عمالقة الطاقة في العالم. ففي توقيت حساس كانت تحاول فيه المجموعة النفطية التقاط انفاسها التشغيلية والارتداد من سنوات الاداء المالي المتعثر جاء قرار الاطاحة بمهندس هيكلتها القيادية الاخيرة ليفتح صفحة جديدة من "لعنة الادارة" التي احرقت اربعة قادة في غضون ثلاث سنوات مما يضع اليات الحوكمة وصناعة القرار داخل قاعة المجلس تحت مجهر المستثمرين والاسواق العالمية ويهدد بنسف الاستقرار الاداري الهش في ذروة طفرة طارئة لاسعار الطاقة.
تاتي هذه الخطوة المفاجئة التي فجرت ازمة قيادة جديدة داخل كواليس قطاع الطاقة العالمي بعد ان صوت مجلس ادارة عملاق النفط البريطاني بالاجماع على عزل مانيفولد جراء "مخاوف جسيمة وقوية" تتعلق بمعايير الحوكمة والاشراف والسلوك الشخصي لتمدد وتعمق وتيرة الاضطرابات العنيفة التي تعصف بالمجموعة مكرسة التعثر الاستراتيجي الذي طال امده.
في هذا السياق افصحت اماندا بلانك من كبار المديرين المستقلين في شركة "بي بي" عبر بيان رسمي عن كواليس القرار قائلة "لقد فوجئ مجلس الادارة واصيب بخيبة امل شديدة بعد علمه بوجود مشكلات تتعلق بالاشراف على الحوكمة والسلوك والتي نعتبرها غير مقبولة بتاتا لذا اتخذنا اجراءات حاسمة وقاطعة". وفور صدور هذا الموقف تلقت اسواق المال الصدمة بقوة حيث هوت اسهم شركة "بي بي" في بورصة لندن بنحو 9 في المائة فور الاعلان الاولي قبل ان تقلص خسائرها اللاحقة لتغلق متراجعة بنحو 4 في المائة بحلول منتصف النهار.
رغم ان البيانات الرسمية لم تفصح عن التفاصيل الدقيقة فان مصادر قريبة من الشركة كشفت لـ"بلومبرغ" و"رويترز" ان قرار الطرد جاء عقب تلقي مجلس الادارة شكاوى متعددة من "المبلغين عن المخالفات" رصدت سلوكا اداريا يوصف بـ "العدائي والعدواني الحاد" من قبل مانيفولد (63 عاما) تجاه الموظفين والزملاء فضلا عن اتهامات باساءة ادارة المعلومات الحساسة ومحاولة تجاوز صلاحيات المجلس الى جانب استخدامه حسابات واجهزة الكترونية شخصية لادارة اعمال الشركة الرسمية في خرق صريح لسياسات الامتثال المعتمدة.
في المقابل خرج مانيفولد عن صمته في بيان شديد اللهجة وزعته وكالة علاقات عامة نافيا الاتهامات جملة وتفصيلا ومؤكدا انه لم يتلق اي تحذير او تلميح مسبق. دافع مانيفولد عن خططه الرامية لخفض التكاليف وتبسيط المحفظة الاستثمارية قائلا "هل من الممكن ان اكون قد مارست ضغوطا قوية وتحديت اشخاصا بشكل مباشر بدافع اصراري على قيادة التغيير في التكاليف والاداء والميزانية العمومية؟ نعم هذا ممكن.. ولكن هناك فرق شاسع بين ادارة مؤسسة بحزم والصورة النمطية التي تروج لسلوكي حاليا".
تحدى مانيفولد كواليس الشركة متسائلا عن كيفية اتهامه بمحاولة الهيمنة والعمل كـ"رئيس تنفيذي فعلي" في حين انه لم يزر مقر الشركة في لندن سوى 13 يوما فقط منذ مطلع عام 2026. وفي محاولة لرد الاعتبار اشار الى تقشفه الشخصي قائلا "لم اكن مهتما بالطيران الخاص او تذاكر مباريات الشركات كنت اصنع قهوتي بنفسي واشتري غدائي من المقهى المحلي واجلس في مكتب صغير رافضا المكاتب الفاخرة للرؤساء السابقين". اختتم بيانه بالاعلان عن توكيل مكتب المحاماة الشهير "ميشكون دي ريا" لمقاضاة الشركة ومواجهة ما وصفه بـ"الاكاذيب التي يختبئ اصحابها خلف جدار السرية".
يكشف تحليل لـ"بلومبرغ" ان ما يحدث في "بي بي" ليس مجرد سوء حظ عابر بل هو انعكاس لازمة هيكلية عميقة في كيفية ادارة مجلس الادارة لدفة القيادة اذ عانت الشركة على مدار الـ 25 عاما الماضية من اضطرابات مزمنة ارتبطت جلها بالازمات بداية من استقالة جون براون عام 2007 مرورا بالاطاحة بتوني هيوارد عقب كارثة تسرب النفط في خليج المكسيك عام 2010 وصولا الى الحقبة الاستقرارية الوحيدة التي صنعها بوب ددلي وغادر بعدها بشروطه الخاصة.
الا ان هذا الاستقرار انهار تماما في غضون السنوات الثلاث الاخيرة فقط (بين 2023 و2026) وهي الفترة العاصفة التي شهدت المقصلة الادارية فيها الاطاحة باربعة من كبار قادة المجموعة قسرا في تتابع سريع اذ سقط برنارد لوني عام 2023 في فخ الاستقالة المفاجئة بسبب علاقاته الشخصية غير المفصح عنها ثم لحقه النرويجي هيلغي لوند الذي تنحى من رئاسة المجلس عام 2025 بضغط من المساهمين ليتبعه في مطلع عام 2026 ازاحة الرئيس التنفيذي موراي اوشينكلوس لفتح الطريق امام استقطاب ميغ اونيل وصولا الى قرار الاقالة الفورية والمدوية لالبرت مانيفولد اليوم بعد اشهر وجيزة من تعيينه.
رغم هذا التعاقب الاداري المتسارع الذي جعل الشركة تغير ستة قادة في اقل من ثلاث سنوات يرى الخبراء في "سيتي غروب" و"بلومبرغ" ان الجدوى الاستثمارية لشركة "بي بي" قد تنجو من هذه المقصلة بفضل عاملين لا علاقة للادارة الحالية بهما الاول هو صندوق التحوط الاميركي الشرس "ايليوت انفستمنت مانجمنت" (Elliott) الذي دخل بقوة على خط المساهمين وفرض استراتيجية صارمة تركز على ما يدر الاموال والتراجع عن الرهانات الخضراء غير المربحة التي تبناها لوني بين 2020 و2023 واتت على 86 في المائة من صافي ارباح الشركة السنوية في عام 2025.
اما العامل الثاني فهو البيئة الجيوسياسية المشتعلة اذ تسببت الحرب الاميركية الاسرائيلية على ايران في تحليق اسعار خام برنت لتلامس حاجز الـ 100 دولار للبرميل (بمتوسط 88 دولارا منذ مطلع 2026 مقارنة بـ 68 دولارا في 2025). ووفقا للحسابات الرقمية فان كل دولار زيادة في سعر البرميل يضخ نحو 340 مليون دولار اضافية في الارباح التشغيلية لـ "بي بي" مما يعني عائدا سنويا اضافيا غير متوقع بقيمة 6.8 مليار دولار. هذه الطفرة النفطية وتعاظم هوامش التكرير سيمكنان الشركة من تقليص ديونها الصافية البالغة 25.3 مليار دولار لتصل الى مستهدفاتها (بين 14 و18 مليار دولار) بحلول نهاية العام الحالي اي قبل عام كامل من الجدول الزمني المحدد سابقا.
بموجب هذه المقصلة المفاجئة اعلنت "بي بي" عن تعيين عضو مجلس الادارة ايان تايلر رئيسا مؤقتا لمجلس الادارة حتى اختيار بديل دائم مؤكدة ان الاستراتيجية التشغيلية لن تتغير.
في المقابل تخرج الرئيسة التنفيذية الجديدة ميغ اونيل (القادمة من "وودسايد انرجي" الاسترالية كاول امراة واول عنصر خارجي يقود الشركة عبر تاريخها) الرابح الاكبر والوحيد من هذه الازمة حيث تخلصت من هيمنة مانيفولد الذي عينها في مطلع ابريل (نيسان) الماضي وكان يتصرف كـ"رئيس تنفيذي فعلي". وباتت الان الحاكم المطلق للشركة بعد ان صوتت بنفسها لصالح قرار اقالته.
لكن "المراة الحديدية" تقف الان وحيدة في مواجهة عقارب الساعة وضغوط صناديق التحوط الشرسة حيث ابلغت اونيل المستثمرين سرا بانها ستعلن عن مراجعتها الاستراتيجية الشاملة في شهر سبتمبر (ايلول) او اكتوبر (تشرين الاول) المقبلين. وسيكون عليها اتخاذ قرارات مؤلمة وسريعة تشمل تسييل واعادة هيكلة الاصول التي لا تتوافق مع العودة للنفط - مثل بيع شركة "لايت سورس" للطاقة الشمسية و"اركيا" للغاز الحيوي - الى جانب اقرار تخفيضات حادة وواسعة في التكاليف تشمل تسريح مئات الموظفين في المقر الرئيسي بلندن وبيع اجزاء ضخمة من شبكة محطات الوقود التابعة لها حول العالم لجمع مليارات الدولارات واعادتها للمساهمين.
في نهاية المطاف فان لغة الارقام في اسواق المال لا تلتفت كثيرا للدراما الادارية وفجوة التقييم الحالية التي يتداول بها سهم "بي بي" بخصم يبلغ 5 في المائة مقارنة بمنافستها الكبرى "شل" قد تحول السهم الى فرصة جاذبة للمستثمرين لاعادة الشراء وبناء المراكز طالما ان طفرة اسعار النفط العالمية المغذاة بالمخاطر الجيوسياسية الراهنة تضمن استمرار التدفقات النقدية القوية والتوزيعات السخية للمساهمين.







