مضائق العالم: شرايين التجارة تتحول اوراق ضغط وتنافس
ذكرت صحيفة فايننشال تايمز اليوم ان اضطراب الملاحة في مضيق هرمز يختبر قدرة الاقتصاد العالمي على تحمل اغلاق او تقييد طرق بحرية ضيقة تمر عبرها الطاقة والغذاء والسلع الصناعية.
وبينما تلفت ازمة هرمز الانظار الى ممر مائي يربط الخليج ببحر عمان، كشفت بيانات التجارة البحرية ان المشكلة اوسع من مضيق واحد، حيث تعتمد التجارة العالمية على شبكة من الممرات البحرية الضيقة من قناة السويس وباب المندب الى قناة بنما ومضيق ملقا ومضيق تايوان، واي تعطل في احدها يمكن ان يرفع تكاليف الشحن ويطيل زمن التسليم ويضغط على التضخم وسلاسل الامداد.
وبحسب فايننشال تايمز، فان ازمة مضيق هرمز لفتت الانظار الى نقاط الاختناق البحرية الاخرى في العالم، بعد ان اظهرت حرب ايران ان السيطرة على ممر ضيق يمكن ان تتحول الى ورقة ضغط اقتصادية وجيوسياسية واسعة.
ونقلت الصحيفة عن باحثين في جامعة اوكسفورد قولهم ان اضطرابات نقاط الاختناق البحرية كانت، حتى قبل ازمة هرمز، تؤثر سنويا في تجارة تقدر بنحو 190 مليار دولار وتسبب خسائر اقتصادية تقدر بنحو 14 مليار دولار.
تقول منظمة الامم المتحدة للتجارة والتنمية اونكتاد ان الشحن البحري ينقل اكثر من 80% من تجارة السلع العالمية، محذرة في تقريرها عن النقل البحري لعام 2025 من ان القطاع يدخل مرحلة نمو هش وتكاليف مرتفعة وعدم يقين متزايد.
واضافت اونكتاد ان اضطرابات مثل ازمة البحر الاحمر في عام 2024 رفعت اسعار الشحن، وان استمرار التوترات في عام 2025 زاد المخاوف من امتداد الصدمات الى مضيق هرمز، مشيرة الى ان ارتفاع تكاليف النقل يضغط اكثر على الدول الاقل نموا والدول الجزرية الصغيرة بسبب اعتمادها الكبير على الواردات وبعدها عن الاسواق الرئيسية.
واشارت صحيفة فايننشال تايمز الى ان ثمة ممرات يمكن الالتفاف حولها بكلفة اعلى وزمن اطول، كما حدث مع شركات شحن تجنبت قناة السويس ومضيق باب المندب واتجهت حول راس الرجاء الصالح، لكن ممرات اخرى لا توفر بديلا حقيقيا وفي مقدمتها مضيق هرمز.
ووفقا للصحيفة، تعتمد اثار اغلاق او تقييد اي ممر على حجم التجارة التي تمر عبره ونوعها ومدى اعتماد الدول عليه وما اذا كانت ثمة طرق بديلة.
يكشف حجم منتجات الطاقة المارة عبر هرمز حجم الرهان على المضيق، اذ تقول وكالة الطاقة الدولية ان نحو 20 مليون برميل يوميا من النفط الخام والمنتجات النفطية مرت عبر المضيق في عام 2025، بما يعادل نحو 25% من تجارة النفط المنقولة بحرا في العالم، وان حوالي 80% من هذه الكميات كانت متجهة الى اسيا.
وبحسب الوكالة فان 93% من صادرات قطر و96% من صادرات الامارات من الغاز الطبيعي المسال تمر من خلال المضيق، بما يمثل 19% من تجارة الغاز الطبيعي المسال العالمية.
واظهرت بيانات منظمة التجارة العالمية وايه اكس اس مارين ان اغلاق المضيق في 28 فبراير ادى خلال شهرين الى شبه توقف في صادرات النفط الخام والغاز الطبيعي المسال والشحنات المرتبطة بالاسمدة.
وتبين البيانات الصادرة في اول مايو الجاري ان تدفقات النفط الخام الخارجة عبر هرمز تراجعت 95%، والغاز الطبيعي المسال 99%، وشحنات الاسمدة 87%، بينما انخفضت شحنات المنتجات الزراعية المتجهة الى موانئ الخليج في ابريل 68% من حيث عدد الشحنات و50% من حيث الحجم.
في ازمات سابقة، لجأت شركات الشحن الى تحويل مساراتها بدلا من عبور مناطق الخطر، فبعد هجمات الحوثيين في البحر الاحمر منذ اواخر عام 2023، تجنبت شركات اوروبية كثيرة قناة السويس وباب المندب واتجهت حول راس الرجاء الصالح، ما اطال الرحلات ورفع التكاليف.
وتقول فايننشال تايمز ان شركات الشحن استطاعت التكيف جزئيا مع ازمة البحر الاحمر عبر اعادة ترتيب الجداول وتحويل السفن حول افريقيا رغم ارتفاع اسعار الشحن.
وينقل مسؤولون في القطاع ان وجود بديل، حتى لو كان طويلا ومكلفا، يخفف الاثر النهائي لان كلفة النقل ليست سوى جزء من سعر السلعة النهائي.
ونقلت وكالة اسوشيتد برس عن هيئة قناة السويس ان ايرادات القناة هبطت الى 3.991 مليارات دولار في عام 2024، مقابل 10.25 مليارات دولار في عام 2023، كما تراجع عدد السفن العابرة الى 13213 سفينة في عام 2024 مقارنة باكثر من 26 الف سفينة في عام 2023 بسبب اضطرابات البحر الاحمر.
تشمل المخاطر كذلك التغيرات المناخية، فقناة بنما تعرضت في عام 2023 لضغط حاد بسبب الجفاف ونقص الامطار في حوض القناة، مما دفع هيئة القناة الى خفض عدد الحجوزات تدريجيا حتى 18 حجزا يوميا اعتبارا من فبراير 2024، وفق اشعار رسمي اصدرته الهيئة لشركات ووكلاء الشحن.
وتكشف تجربتا السويس وبنما ان اضطراب الممرات البحرية لم يعد محصورا في الحروب، بل يمتد الى المناخ والجفاف والتامين والقرصنة والتنافس بين القوى الكبرى.
ترى فايننشال تايمز ان نقاط الاختناق البحرية صارت جزءا من صراع اوسع بين القوى الكبرى، فالممرات التي كانت تعامل لسنوات باعتبارها بنية تحتية محايدة للتجارة اصبحت ساحات للتنافس بين الولايات المتحدة والصين وروسيا وقوى اقليمية اخرى.
وتشير الصحيفة الى تهديدات الرئيس الامريكي دونالد ترمب المتكررة بشان قناة بنما، والى ان مثل هذه التحركات قد تدفع الصين الى اعادة النظر في بدائل قديمة منها مشروع قناة منافسة عبر نيكاراغوا، كما تربط بين اهتمام الصين بمبادرة الحزام والطريق ورغبتها في تقليل انكشافها على نقاط اختناق يمكن ان تغلق امام تجارتها او امداداتها في اوقات التوتر.
وبحسب فايننشال تايمز، يمتد هذا المنطق الى مضيق ملقا ومضيق تايوان وبحر الصين الجنوبي، حيث تمر كميات ضخمة من التجارة الاسيوية والعالمية، وتقول الصحيفة ان بعض السفن المرتبطة بما يعرف باسطول الظل الايراني بدات تتخذ طرقا غير معتادة الى اسيا منها المرور عبر مضيق لومبوك في اندونيسيا بدلا من الطريق الاقصر عبر ملقا في محاولة لتجنب الرصد والتدقيق.
وتضيف الصحيفة ان الاهتمام الصيني المتزايد بطريق بحر الشمال عبر القطب الشمالي لا يتعلق فقط بتقليص زمن الرحلات الى اوروبا بل ايضا بتقليل الاعتماد على ممرات مزدحمة ومعرضة للضغط، رغم ان هذا الطريق لا يزال بعيدا عن ان يصبح بديلا تجاريا كاملا.
وتقول اونكتاد ان الاضطرابات تزيد عمليات تغيير المسار وتفويت بعض الموانئ واطالة الرحلات، وهو ما يرفع الكلفة النهائية للتجارة ويضغط على الموانئ ويزيد الحاجة الى رقمنة الاجراءات وتحسين كفاءة البنية التحتية، كما حذرت من ان ارتفاع تكاليف النقل على نحو مستمر يصيب الدول الضعيفة اولا.
وتنقل فايننشال تايمز عن مسؤولين في قطاع الشحن ان الشركات باتت تفكر في المرونة اكثر من الكفاءة، فالنظام التجاري الذي بني لعقود على تقليص المخزون وخفض الكلفة عبر طرق ثابتة وسريعة يواجه اليوم واقعا مختلفا، حيث قد تصبح القدرة على تغيير المسار وضمان الامداد اهم من الحصول على ارخص طريق.







