ليبيا تعول على السياحة رغم تحديات الانقسام والاثار
تراهن السلطات في غرب ليبيا على تعافي القطاع السياحي، معتمدة على تحسن تدريجي في الأوضاع الأمنية وتطور في البنية التحتية، إلا أن هذا الرهان يواجه تحديات بسبب الانقسام السياسي والمؤسسي، إضافة إلى شكاوى بشأن وضع المواقع الأثرية والمتاحف التاريخية.
وأبدى نصر الدين الفزاني، وزير السياحة في حكومة الوحدة المؤقتة، تفاؤله بانتعاشة سياحية في البلاد، مبينا أن هناك تحسنا أمنيا منذ عام 2021، وتطويرا للطرق والجسور وتوسعا في المطارات، فضلا عن نمو الفنادق والمنتجعات والمرافق الترفيهية في عدد من المدن الليبية، مما أسهم في تنشيط الحركة السياحية.
لكن متابعين للشأن الليبي يرون أن هذا التفاؤل يواجه تحديات متراكمة، أبرزها الانقسام المؤسسي بين حكومتين ووزارتين للسياحة، إحداهما في غرب البلاد برئاسة الفزاني، والأخرى في شرقها برئاسة علي قلمة.
وترى عضوة المؤتمر الوطني السابق نادية الراشد أن الحديث عن انتعاش القطاع السياحي في ليبيا يقتصر على مؤشرات تعاف جزئي ومحلي، وليس ازدهارا سياحيا مستقرا وشاملا على مستوى البلاد، معتبرة أن أي تحسن يظل هشا في ظل الأوضاع الراهنة.
وقالت الراشد إن غياب استراتيجية حكومية موحدة ومتكاملة في دولة تعاني الانقسام السياسي والمؤسسي يجعل من الصعب تحقيق نهضة سياحية حقيقية ومستدامة، مشيرة إلى أن تعدد السلطات يعرقل التخطيط طويل المدى، ويضعف ثقة المستثمرين والسياح، فضلا عن تأثيره السلبي على حماية المواقع الأثرية وتطوير الخدمات والبنية السياحية.
وأفاد الوزير الليبي بأن ليبيا استقبلت خلال الربع الأول من العام الحالي سياحا من أكثر من 52 جنسية، وقال إن معدلات نمو الفنادق والمطاعم والمنتجعات تراوحت بين 50 و52 بالمائة مقارنة بالعام الماضي، مؤكدا أن ليبيا تمتلك مقومات متنوعة تشمل السياحة الشاطئية والثقافية والصحراوية، فضلا عن شريط ساحلي يمتد لأكثر من 1900 كيلومتر على البحر المتوسط.
إلا أن الأرقام الحكومية تشير أيضا إلى أن عدد السياح الوافدين إلى ليبيا من مختلف دول العالم بلغ 1257 سائحا، بارتفاع نسبته 60 بالمائة مقارنة بالفترة ذاتها من عام 2024، حسب مركز التوثيق والمعلومات السياحي الحكومي.
ويتقاطع الطموح الليبي بإنعاش القطاع السياحي مع شكاوى بشأن أوضاع مواقع أثرية في شرق البلاد وغربها، تتعلق بضعف الحماية ونقص التجهيزات، رغم ما تمثله من قيمة تاريخية عالمية، علما بأن حكومة الوحدة افتتحت في ديسمبر الماضي متحفا وطنيا جديدا في العاصمة طرابلس.
وتعد مدينتا شحات وغدامس من أبرز المدن الأثرية في ليبيا والعالم العربي، لما تضمانه من إرث حضاري يمتد لآلاف السنين، فشحات، المعروفة تاريخيا باسم قورينا، كانت إحدى أهم مدن الحضارة الإغريقية والرومانية في شمال أفريقيا، وتضم معابد ومسارح ومواقع أثرية مدرجة على قائمة التراث العالمي التابعة لليونسكو.
إلا أن المطالب مستمرة منذ عقود بإقامة متحف يليق بآلاف القطع الأثرية النادرة في شحات، التي تعود إلى عصور تاريخية مختلفة، والمحفوظة داخل مبنى ومخازن بدائية تعود إلى الحقبة الإيطالية، وتفتقر إلى أبسط معايير الحماية، وفق ما أوضح عادل بوفجرة، مراقب آثار شحات.
وقال بوفجرة إن صالة العرض والمخازن التي تضم تلك الآثار تفتقر إلى أنظمة لمواجهة الحرائق أو الفيضانات، مما يجعل القطع الأثرية عرضة للتآكل بفعل الرطوبة والحشرات والتقلبات الجوية، مشيرا إلى أهمية توفير بوابات إلكترونية وأنظمة مراقبة حديثة لحماية هذه الآثار، خصوصا في ظل القيمة التاريخية الكبيرة للمقتنيات الموجودة بالموقع.
وأكد بوفجرة أن إنشاء متحف أثري حديث لم يعد مطلبا ثقافيا فحسب، بل ضرورة وجودية لحماية إرث تاريخي يمكن أن يسهم في دعم التنمية المستدامة وتنشيط السياحة الثقافية بالمنطقة، داعيا الدولة إلى تحمل مسؤولياتها الكاملة تجاه آثار شحات وصونها للأجيال المقبلة.
أما غدامس، الملقبة بلؤلؤة الصحراء، التي تشتهر بعمارتها الصحراوية التقليدية وواحاتها التاريخية، فما تزال تحاول التعافي من خروجها من قائمة التراث العالمي المعرض للخطر العام الماضي، وذلك بعد ستة أعوام من إدراجها، فيما تستمر الشكاوى من نقص البنية الأساسية، مقابل وعود حكومية بالتطوير.
وبين عبد السلام هيبة، رئيس جهاز تطوير غدامس، أن متحف غدامس الأثري المقام داخل قلعة قديمة يحتاج إلى إعادة تأهيل وتطوير للحفاظ على مقتنياته التاريخية، موضحا أن مشروع تطوير المتحف أدرج ضمن خطط الجهاز لعام 2026 في حال توفر التمويل اللازم، مشيرا إلى أن البدء في هذا المشروع أصبح ضرورة ملحة تخدم أيضا أهداف التنمية المستدامة في البلاد.
يذكر أن جذور المتحف تعود إلى عام 1928 إبان الوجود الإيطالي، بينما يرجع مبناه الحالي إلى العهد العثماني قبل إعادة تصميمه لاحقا على هيئة قلعة، ويضم نحو 365 قطعة أثرية، بينها أدوات من العصر الحجري ومخطوطات نادرة ومحنطات لحيوانات وطيور.
وفي بنغازي كذلك، تقول مراقبة الآثار إن المدينة تفتقر إلى متحف وطني حديث يحتضن موروثها التاريخي، معتبرة أن إنشاء صرح ثقافي متخصص أصبح ضرورة ملحة لحفظ القطع الأثرية وإتاحتها للباحثين والزوار.
وأقر وزير السياحة بحكومة الوحدة بوجود تراجع في مستوى التنسيق مع مصلحة الآثار منذ فصلها عن الوزارة عام 2013 وإلحاقها بمجلس الوزراء، موضحا أن وزارته لم تعد تملك صلاحيات مباشرة داخل المدن الأثرية، مما أدى إلى تعطل بعض ملفات تطوير المواقع التاريخية، في حين تقتصر مهامها على الترويج السياحي، بينما تتولى مصلحة الآثار أعمال الترميم والصيانة.
وترى نادية الراشد أن الحل الشامل يكمن في توحيد البلاد تحت حكومة واحدة ومؤسسات موحدة، وإطلاق إصلاح إداري شامل، معتبرة ذلك شرطا أساسيا لوضع استراتيجية تنمية مستدامة حقيقية، وأن الوضع القائم يعرقل التخطيط طويل المدى ويضعف فاعلية السياسات العامة.
وختمت بالتأكيد على أن توحيد القرار السيادي والمؤسساتي هو المدخل الضروري لإنقاذ القطاعات الحيوية، وفي مقدمتها السياحة والآثار، وتحويلها إلى رافعة اقتصادية وتنموية مستدامة.







