مخاوف في وول ستريت من فقاعة الذكاء الاصطناعي هل تتكرر فقاعة دوت كوم؟

{title}
راصد الإخباري -

تسيطر حالة من التوجس والترقب على اسواق المال العالمية، اذ تتدفق سيولة نارية غير مسبوقة نحو قطاع التكنولوجيا مدفوعة بهوس طفرة الذكاء الاصطناعي.

هذا الصعود الصاروخي الذي يبدو كانه لا يعرف التوقف، بات يثير مخاوف حقيقية لدى كبار المحللين والخبراء الذين بداوا يحذرون علنا من ان المشهد الحالي بات يحاكي الى حد التطابق اواخر تسعينات القرن الماضي، الحقبة الشهيرة التي سبقت انفجار فقاعة دوت كوم التي هزت الاقتصاد العالمي.

بين التفاؤل المفرط بتحقيق ارباح خيالية والتحذيرات المقبلة من الدببة المحنكين في وول ستريت، يطرح المستثمرون السؤال المليون: هل يضغط قطار الذكاء الاصطناعي على مكابحه قريبا؟ واذا فعل فما حجم الدمار الاقتصادي الذي سيخلفه وراءه؟

تكمن الازمة الحقيقية في السوق اليوم في مشكلة التركيز الشديد، اذ لا يعكس الارتفاع القياسي للمؤشرات عافية شاملة للاقتصاد، بل يرجع الفضل فيه الى حفنة صغيرة من الشركات العملاقة.

تشير البيانات الاحصائية الى ان مؤشر فيلادلفيا لاشباه الموصلات قفز بنسبة هائلة بلغت 70 في المئة في غضون شهرين فقط بين اذار ومنتصف ايار، في حين ارتفع مؤشر ناسداك المثقل باسهم التكنولوجيا بنحو 20 في المئة.

وفقا لتقرير صادر عن بنك يو بي اس، فان 5 شركات تكنولوجية كبرى فقط وهي انفيديا والفابت وامازون وبرودكوم وابل، كانت مسؤولة وحدها عن نصف مكاسب مؤشر ستاندرد اند بورز 500 باكمله في الاونة الاخيرة.

الاخطر من ذلك ان 10 شركات فقط باتت تستحوذ على 40 في المئة من الوزن النسبي لهذا المؤشر، وجميعها شركات قيادية في مجال الذكاء الاصطناعي باستثناء شركة بيركشاير هاثاواي المملوكة للملياردير وارن بافيت.

في الوقت الذي يسجل فيه مؤشر ستاندرد اند بورز 500 مستويات قياسية غير مسبوقة، فان 5 في المئة من الشركات المدرجة فيه تقبع عند ادنى مستوياتها خلال 52 اسبوعا، هذا التباين يعكس بوضوح ان الشركات التي لم تشارك في حفلة الذكاء الاصطناعي قد تركت تعاني في الظل.

هذه الطفرة احادية الجانب دفعت مسؤولي الصناديق الاستثمارية الى التعبير عن قلقهم بعبارات حادة، اشار ايمانويل كاو المحلل في بنك باركليز الى ان استمرار هذا الارتفاع الصاروخي للاسهم يصعب تبريره، خصوصا مع تجاهل السوق للمخاطر الجيوسياسية الراهنة مثل تداعيات الحرب الايرانية وارتفاع اسعار النفط.

من جانبه كان مارك هوتين رئيس تداول الاسهم العالمي في ليون ترست لادارة الاصول اكثر صراحة، ووصف ما يحدث لاسهم اشباه الموصلات بانه يشبه اجواء الكازينو، مؤكدا ان هذه التقييمات الحالية تفتقر الى العقلانية والاستدامة على المدى الطويل.

مع وصول الاسعار الى هذه المستويات الفلكية، عادت المقارنات التاريخية بفقاعة عام 2000 لتفرض نفسها بقوة.

في هذا السياق نشر بنك بي ان بي باريبا دراسة قارنت مسار مؤشر ستاندرد اند بورز 500 الحالي بمساره بدءا من عام 1996، وكشفت الرسوم البيانية عن تطابق مخيف في المنحنيات، كما لفتت الدراسة الانتباه الى تضخم مكررات الربحية فضلا عن المخاوف المرتبطة بحجم الديون الهائل المستخدم لبناء البنية التحتية للذكاء الاصطناعي، وهو ما يعيد الى الاذهان التوسع المالي القائم على الديون لشركات الاتصالات قبيل انهيار عام 2000.

وسط هذا الصخب برز صوت المستثمر الشهير مايكل بوري، الذي توقع بدقة متناهية انهيار سوق العقارات الاميركية والازمة المالية العالمية عام 2008 وصنع عنه الفيلم الشهير The Big Short، فقد وجه بوري عبر منصته في سبستاك رسائل تحذيرية شديدة اللهجة للمستثمرين داعيا اياهم الى رفض الجشع وتقليص مراكزهم المالية فورا.

كتب بوري: بالنسبة لاي اسهم تتحرك بشكل عمودي متسارع قوموا بتخفيض مراكزكم فيها بالكامل تقريبا، السوق لا ترتفع بسبب الوظائف او ثقة المستهلك، بل ترتفع لمجرد انها كانت ترتفع بالامس وبناء على اطروحة من حرفين (AI) يعتقد الجميع خطا انهم يفهمونها.

رغم سوداوية المشهد فان بوري يرى ان اللجوء الى استراتيجية البيع على المكشوف والمراهنة على هبوط اسهم التكنولوجيا في الوقت الحالي ينطوي على مخاطرة كبيرة ومكلفة، وقد يسبب الما ماليا كبيرا للمستثمرين بسبب الزخم الشرائي الحالي الذي قد يستمر لفترة اطول من المتوقع.

بدلا من ذلك نصح بوري باستراتيجية بديلة: الفكرة هي تسييل الاصول ورفع مستويات الكاش (النقد) والاستعداد لضخ هذه الاموال مجددا عندما تعود الاسعار الى مستويات منطقية وعقلانية.

تؤكد البيانات الفنية ان الخطر حقيقي، فقد كشفت مجموعة بسبوك الاستثمارية عن ان اسهم الرقائق تداولت مؤخرا باعلى من متوسط حركتها في 50 يوما بنسبة 33 في المئة، وهو مستوى لم يتكرر سوى 3 مرات تاريخيا: كانون الاول 1998 واذار 2000 وتشرين الثاني 2002، كما اطلق مؤشر اشباه الموصلات اشارة تحذير لم تتكرر الا في اعوام 1996 و2000 و2022 وفقا لجيف ديغراف الرئيس التنفيذي لشركة رينيسانس ماكرو.

لكن يظل السؤال الجوهري معلقا: في اي محطة قطار نقف الان؟ هل نحن في عام 1996 في بدايات الطفرة التكنولوجية التي استمرت سنوات اخرى من الصعود ام نحن في عام 2000 خلال ذروة الفقاعة التي تلاها الانهيار الكامل ام في عام 2022 اي تمهيد لتراجع تصحيحي مؤقت بحدود 30 في المئة؟

ينصح ديغراف المستثمرين بعدم التسرع في البيع لمجرد الخوف من الفقاعة، قائلا: القمم لا ترن جرسا عندما تصل الى حدها الاقصى والقرار الصائب هو الانتظار حتى يظهر التدهور الفعلي في المؤشرات والبيع في اثناء الهبوط وليس في اثناء الصعود.

تاريخ الاسواق المالية يثبت ان وول ستريت مغرمة دائما بالمبالغة في تسعير المستقبل، وتظهر دراسة تاريخية نشرت في مجلة Marketing Science شملت 51 ابتكارا رئيسيا بين عامي 1825 و2000 ان الفقاعات السعرية تشكلت في 37 ابتكارا منها اي بنسبة 73 في المئة.

تشمل القائمة كل ما اصبح اليوم جزءا لا يتجزا من حياتنا اليومية: السكك الحديدية والسيارات والطائرات والراديو والتلفزيون والميكروويف والهواتف الجوالة والانترنت وحتى اقلام الحبر الجاف!

تشير هذه القراءة التاريخية الى ان الاسواق تخطئ دائما في تقييم القيمة الحالية للتكنولوجيا الثورية في بداياتها نظرا لتعقد سلاسل القيمة المرتبطة بها، فالرقائق تصنع النماذج والنماذج تنتج برمجيات والبرمجيات تخلق الاتمتة والاتمتة تولد نماذج اعمال جديدة، وعندما يحاول المستثمرون تسعير هذه السلسلة باكملها دفعة واحدة تتحول التوقعات الى ما يشبه قصص الخيال العلمي.

مع ذلك هناك نقطة جوهرية تدعو للتفاؤل الحذر تفرق بين اليوم وعام 2000: شركات التكنولوجيا العملاقة اليوم التي تقود الطفرة مثل انفيديا ومايكروسوفت تمتلك ارباحا حقيقية وتدفقات نقدية ضخمة ومستويات ربحية قياسية بناء على نتائج الربع الحالي، اذ حققت 85 في المئة من شركات مؤشر ستاندرد اند بورز 500 ارباحا فاقت التوقعات على عكس شركات دوت كوم في التسعينات التي كانت مجرد افكار على ورق دون اي دخل حقيقي.

بين قناعة الاسواق بقدرة الذكاء الاصطناعي على اعادة صياغة الاقتصاد العالمي وتحذيرات الدببة من انتفاخ الفقاعة، يظل الفيصل الراهن هو مدى قدرة هذه الطفرة على الصمود امام التحديات الجيوسياسية المتصاعدة وضغوط التضخم، فبينما نجحت اسهم التكنولوجيا في عزل نفسها مؤقتا عن تداعيات اسواق النفط والتوترات الدولية فان طي هذه الصفحة دون تصحيح سعري عنيف سيتطلب توافقا نادرا بين نمو الارباح الحقيقية واستقرار البيئة الاقتصادية الكلية، وهو رهان تاريخي تترقب وول ستريت فصوله الاخيرة بكثير من الحذر.