وارش يتسلم قيادة الفيدرالي وسط صراع استقلالية وأزمة هرمز

{title}
راصد الإخباري -

قبل تسلم الرئيس الجديد للاحتياطي الفيدرالي كيفين وارش رسميا يوم الاثنين القيادة التنفيذية لاهم بنك مركزي في العالم، قاد جناح التعيينات الترمبية داخل الاحتياطي الفيدرالي هجوما استباقيا لقطع الطريق على محاولات الرئيس السابق جيروم باول لتمديد نفوذه، حيث سجلت نائبة رئيس الفيدرالي للرقابة ميشيل بومان والمحافظ ستيفن ميران اعتراضا حادا ضد منحه ولاية مؤقتة مفتوحة لادارة البنك.

هذا الاصطدام المباشر يهدف صراحة الى تحجيم تركة باول وحماية الصلاحيات التنفيذية لرجل ترمب الجديد الذي يتسلم القيادة وسط حقل الغام اقتصادي وسياسي معقد، اذ تاتي هذه المواجهة الداخلية بالتزامن مع حرب ضارية في ايران اغلقت شريان الطاقة العالمي في مضيق هرمز لاكثر من شهرين، ومعدلات تضخم مستمرة في الارتفاع تلتهم اجور الاميركيين، مما يجعل طموحات البيت الابيض في خفض الفائدة سريعا محاصرة بين ضغوط الاسواق وبقايا جبهة باول المستمرة داخل مجلس المحافظين، وفي غضون ذلك، غادر ميران اروقة الفيدرالي تاركا خلفه ارثا حافلا بالجدل، ليمهد الطريق لوارش امام معضلة ايجاد توازن نقدي مستحيل، وسط معطيات تؤكد ان الرياح تاتي بما لا تشتهي سفن ترمب.

تكشف البيانات الاقتصادية الاخيرة الصادرة هذا الاسبوع عن عمق المازق الذي يواجه الادارة الاميركية الجديدة والقيادة المرتقبة للاحتياطي الفيدرالي، اذ تشير بيانات مبيعات التجزئة الى ان المستهلكين بداوا بالفعل في رفع الراية البيضاء والتراجع عن الانفاق، وبات المواطن الاميركي يركز على السلع الاساسية الصغيرة مقابل تاجيل شراء السلع الكبيرة مثل السيارات والاجهزة المنزلية، وهو ما وصفته شركتا ويرل بول وكيتشن ايد بانه تراجع يشبه ديناميكيات ازمة 2008 المالية.

السبب الرئيسي وراء هذا التراجع ليس سرا، بل هو اسعار الوقود والطاقة التي اشتعلت جراء حرب ايران، مما رفع تكاليف النقل في كل مكان واهتزت معه ثقة المستهلكين لتصل الى مستويات متدنية قياسية، حيث يؤكد 75 في المئة من الاميركيين ان هذه الحرب اضرت بوضعهم المالي مباشرة.

بالتزامن مع ذلك، باتت الاجور الحقيقية شبه ميتة، فللمرة الاولى منذ ثلاث سنوات، ترتفع الاسعار بمعدل 3.8 في المئة متجاوزة نمو الرواتب البالغ 3.6 في المئة، مما يعني ان التضخم بدا رسميا في التهام القدرة الشرائية للمواطنين.

على الرغم من ان ترمب حاول التقليل من اهمية بيانات التضخم الاخيرة واصفا اياها بانها قصيرة المدى وناتجة عن ازمة مضيق هرمز المؤقتة، فان الارقام التحليلية تكشف سياقا اكثر خطورة وعمقا، فالتضخم لم يعد محصورا في اسعار الطاقة والغذاء المتذبذبة، بل زحف بقوة نحو قطاع الخدمات مثل الايجارات والرعاية الصحية والتعليم، وهو ما يعرف اقتصاديا بالتضخم اللزج الذي يصعب خفضه بمجرد انتهاء الازمات الطارئة.

اظهر مؤشر اسعار المنتجين قفزة في الخدمات بالجملة بنسبة 1.2 في المئة، وهي الاعلى في اربع سنوات، مما يؤكد وجود اتجاه هيكلي اعمق يتجاوز ازمة النفط الحالية، ويجعل خطوة خفض الفائدة التي يطالب بها ترمب لتحفيز النمو امرا ينطوي على مخاطرة باشعال التضخم بشكل اكبر.

وسط هذه الاجواء المشحونة، يغادر المحافظ ستيفن ميران (42 عاما) منصبه في الاحتياطي الفيدرالي مسجلا اقصر فترة ولاية لمحافظ منذ 71 عاما (حيث تسلم منصبه في سبتمبر/ ايلول 2025).

ميران، الذي اثار جدلا واسعا بسبب تمسكه بمنصبه في مجلس المستشارين الاقتصاديين للبيت الابيض لعدة اشهر بالتزامن مع عمله في الاحتياطي الفيدرالي، يغادر برقم قياسي من المعارضة الدائمة، اذ عارض قرارات اللجنة في جميع الاجتماعات الستة التي حضرها، مطالبا بخفض اكبر واسرع لاسعار الفائدة تماشيا مع رؤية ترمب.

يرى المحللون ان ميران نجح في ارساء قواعد فكرية سيتبناها خلفه وارش بقوة، وترتكز على مبدئين اساسيين: اولهما اثر الغاء القيود التنظيمية لتعزيز جانب العرض وخفض التضخم تلقائيا بمقدار نصف نقطة مئوية، وثانيهما تجاوز الصدمات الجيوسياسية المؤقتة والتركيز فقط على معدل التضخم الهيكلي العام.

في خطوة تفكك جبهة باول التقليدية وتشن مواجهة مباشرة ضد تحركاته الاخيرة، اصدرت نائبة رئيس الاحتياطي الفيدرالي للرقابة ميشيل بومان بالاشتراك مع المحافظ المغادر ستيفن ميران بيانا توضيحيا مشتركا، اعلنا فيه صراحة حجب تصويتهما وعدم دعمهما لقرار تعيين باول رئيسا مؤقتا بصيغة مفتوحة زمنيا.

جاء البيان كاول هجوم قانوني ومؤسسي واضح من جناح التعيينات الترمبية داخل البنك لحماية الصلاحيات التنفيذية لوارش، ومنع فرض اي وصاية ممتدة عليه.

اوضح المسؤولان في بيانهما انهما لا يعترضان على مبدا التعيين المؤقت لباول كاجراء لتسيير الاعمال حتى يؤدي وارش اليمين الدستورية، غير انهما نبها بناء على مناقشات مكثفة مع المستشار القانوني للاحتياطي الفيدرالي الى ان البنك يمر حاليا بوضع فريد من نوعه ولا مثيل له في اي سابقة تاريخية، حيث تنتهي ولاية رئيس مجلس الادارة السابق قبل ان يؤدي الرئيس الجديد الذي نال بالفعل ثقة وتاكيد مجلس الشيوخ، اليمين الدستورية لمباشرة مهامه.

بناء على وجود مرشح معتمد ومؤكد سيقود البنك قريبا، شدد بومان وميران على ان انتخاب رئيس مؤقت يجب ان يقتصر بصرامة على فترة زمنية محددة وقصيرة لا تقل عن اسبوع، مع ابداء مرونة لدعم فترة تصل الى شهر كحد اقصى لاستيعاب اي تاخير اداري محتمل، واشارا الى انه في حال تعذر اداء الرئيس الجديد لليمين خلال هذا الاطار الزمني، يتعين اعادة اخضاع التعيين المؤقت للتجديد عبر تصويت جديد من قبل مجلس المحافظين، او من خلال اجراء رئاسي محتمل من البيت الابيض.

اختتم حليفا ترمب بيانهما المشترك بالتاكيد على عدم قناعتهما بمنح رئيس الفيدرالي المؤقت اطارا زمنيا مفتوحا وغير محدود، وهو السبب الجوهري الذي دفعهما رسميا لاعلان عدم تاييد هذا الاجراء وحجب صوتهما عنه، في اشارة واضحة الى بدء ملامح حقبة جديدة من الصراع لاعادة تشكيل هوية البنك المركزي.

لن تكون مهمة كيفين وارش في احداث تغيير جذري وسريع داخل الفيدرالي سهلة، فالمركزي الاميركي يدار بعقلية اللجنة المشتركة وليس كوكالة تنفيذية تخضع لقرار فردي، ولا يزال وارش يواجه معارضة داخلية من صقور التضخم بالمجلس.

ما يزيد المشهد تعقيدا هو قرار الاحتياطي الفيدرالي بتعيين باول رئيسا مؤقتا لتسيير الاعمال حتى اداء وارش اليمين الدستورية، مع اعلان باول احتفاظه بمقعده كمحافظ والذي يمتد حتى يناير 2028 حتى انتهاء التحقيقات المتعلقة بتجديدات مقر الفيدرالي، هذا الوجود المستمر لباول يمثل درعا لحماية استقلالية المؤسسة ضد التدخلات السياسية المباشرة، مما يعني ان وارش سيكون بحاجة ماسة لبناء تحالفات قوية لاقناع اعضاء اللجنة برؤيته الاقتصادية الجديدة، وسط تكهنات باحتمالية عودة ميران مجددا للمجلس في حال شغور اي مقعد مستقبلا.