قمة ترمب وشي: تقارب مؤقت وترقب في الاسواق

{title}
راصد الإخباري -

اختتم الرئيس الاميركي دونالد ترمب قمة بكين مع نظيره الصيني شي جينبينغ باعلان ما وصفه بـ«صفقات تجارية رائعة». الا ان رد فعل الاسواق والمستثمرين كشف سريعا عن ان الحصيلة الاقتصادية الفعلية للقمة جاءت اقل بكثير من التوقعات التي سبقتها. ونجح الجانبان سياسيا في تثبيت هدنة هشة بين اكبر اقتصادين في العالم دون معالجة الخلافات البنيوية العميقة بينهما.

القمة كانت تعد اختبارا حقيقيا لقدرة واشنطن وبكين على اعادة ضبط علاقتهما الاقتصادية بعد سنوات من الرسوم الجمركية والعقوبات والقيود التكنولوجية المتبادلة.

وبالنسبة لترمب حملت الزيارة اهمية داخلية استثنائية. اذ سعى الرئيس الاميركي الى العودة من بكين بانجازات اقتصادية ملموسة تدعم شعبيته المتراجعة قبل انتخابات التجديد النصفي. خصوصا مع الضغوط الناجمة عن ارتفاع اسعار النفط والتضخم وتداعيات الحرب في الشرق الاوسط.

اما الصين فقد تعاملت مع القمة بوصفها فرصة لاظهار نفسها قوة استقرار اقتصادي عالمي في مواجهة الاضطرابات الدولية. مع السعي للحفاظ على الهدنة التجارية الحالية ومنع عودة المواجهة الاقتصادية المفتوحة مع الولايات المتحدة.

وخلال القمة طغت اجواء الود الشخصي والاستعراض الدبلوماسي على المشهد. فقد حرص ترمب على الاشادة المتكررة بشي جينبينغ واصفا اياه بانه «قائد عظيم» و«صديق». بينما تحدث شي عن «علاقة استراتيجية مستقرة وبناءة» بين البلدين عادا الزيارة «محطة مفصلية» في العلاقات الثنائية.

لكن خلف هذا الدفء السياسي جاءت النتائج الاقتصادية محدودة نسبيا مقارنة بالتوقعات الضخمة التي سبقت القمة. خاصة بعد مرافقة وفد كبير من كبار التنفيذيين الاميركيين للرئيس الاميركي بينهم مسؤولون من «بوينغ» و«انفيديا» وشركات طاقة ومال وتكنولوجيا كبرى.

الاسواق كانت تراهن على اختراقات كبيرة في ملفات الطيران والذكاء الاصطناعي والطاقة والزراعة. الى جانب احتمال تخفيف القيود الاميركية على صادرات التكنولوجيا المتقدمة الى الصين. الا ان معظم هذه الملفات انتهت بتفاهمات عامة او وعود سياسية اكثر من كونها اتفاقات تفصيلية قابلة للتنفيذ الفوري.

الصفقة الابرز التي اعلنها ترمب تمثلت في موافقة الصين على شراء 200 طائرة من شركة «بوينغ». في اول طلبية صينية كبيرة للطائرات الاميركية منذ نحو عقد. لكن الاسواق كانت تتوقع رقما اكبر بكثير بعدما تحدثت تسريبات سابقة عن احتمال توقيع صفقة تصل الى 500 طائرة. ولذلك جاء رد فعل المستثمرين سلبيا وتراجعت اسهم «بوينغ» باكثر من 4 في المائة بعد الاعلان مباشرة.

كما اعلن ترمب ان الصين ابدت اهتماما متزايدا بشراء النفط الاميركي وفول الصويا. في خطوة تهدف الى تقليص اعتمادها على واردات الشرق الاوسط وتنشيط الصادرات الزراعية والطاقة الاميركية. وتمثل هذه النقطة اهمية خاصة بالنسبة للرئيس الاميركي لان صادرات الطاقة والزراعة ترتبط مباشرة بالولايات الاميركية التي تشكل قاعدة انتخابية رئيسية للحزب الجمهوري.

وزارة الخارجية الصينية امتنعت عن تاكيد تفاصيل الاتفاقات التجارية التي تحدث عنها ترمب. ما عزز حالة الحذر في الاسواق بشان مدى جدية او سرعة تنفيذها.

في ملف التكنولوجيا جاءت النتائج اكثر تواضعا. فعلى الرغم من مشاركة الرئيس التنفيذي لشركة «انفيديا» جنسن هوانغ ضمن الوفد الاميركي لم تظهر اي مؤشرات على انفراج حقيقي في ازمة الرقائق الالكترونية المتقدمة والذكاء الاصطناعي.

واشنطن لا تزال تمنع الشركات الصينية من الحصول على اكثر رقائق «انفيديا» تطورا بحجة حماية الامن القومي الاميركي ومنع الصين من تسريع قدراتها العسكرية والتكنولوجية. ومع ذلك كشف وزير الخزانة الاميركي سكوت بيسنت عن مناقشات اولية بين البلدين لوضع «ضوابط وقواعد» لاستخدامات الذكاء الاصطناعي عادا ان «القوتين العظميين في الذكاء الاصطناعي بداتا الحوار». لكن لم تعلن اي تفاهمات عملية حتى الان.

في الواقع بدا ان الانجاز الاقتصادي الحقيقي للقمة لم يكن في الصفقات نفسها بل في منع تدهور العلاقة الاقتصادية بين البلدين والحفاظ على الهدنة التجارية الحالية.

منذ اللقاء السابق بين الزعيمين في اكتوبر الماضي تم تعليق الرسوم الجمركية الاميركية المرتفعة على السلع الصينية. في حين تراجعت بكين عن تهديداتها المتعلقة بتقييد صادرات المعادن والعناصر الارضية النادرة الحيوية للصناعات الاميركية.

خلال القمة الحالية لم يحسم رسميا بعد ما اذا كانت هذه الهدنة ستمدد بعد انتهاء مدتها لاحقا هذا العام. لكن مجرد استمرارها يعد بالنسبة للاسواق تطورا ايجابيا في ظل هشاشة الاقتصاد العالمي الحالية.

محللون يرون ان الطرفين يدركان ان العودة الى الحرب التجارية المفتوحة ستكون مكلفة جدا في الظروف الراهنة. الاقتصاد الصيني يواجه تباطؤا ملحوظا وضغوطا في قطاع العقارات والاستثمار. في حين تواجه الولايات المتحدة مخاطر تضخم مرتفع واسعار طاقة متقلبة وضغوطا انتخابية داخلية.

لهذا بدا واضحا ان القمة ركزت على «ادارة التنافس» اكثر من السعي الى اعادة بناء شراكة اقتصادية عميقة كما كان الحال قبل سنوات.

في الخلفية فرضت الحرب الايرانية نفسها بقوة على المناقشات الاقتصادية. خصوصا بسبب تاثيرها المباشر على اسواق النفط وسلاسل الامداد العالمية. ترمب اشار الى ان شي ابدى استعدادا للمساعدة في اعادة فتح مضيق هرمز الذي تمر عبره نسبة ضخمة من صادرات النفط والغاز العالمية.

في المحصلة خرجت قمة بكين بنتيجة يمكن وصفها بانها «استقرار مؤقت بلا اختراقات كبرى». الجانبان نجحا في تهدئة الاجواء ومنع التصعيد الاقتصادي لكنهما لم يقتربا فعليا من حل الخلافات الجوهرية المتعلقة بالتكنولوجيا والتجارة والامن الاقتصادي.

وبالنسبة للاسواق فان الرسالة الاهم من القمة ليست حجم الصفقات المعلنة بل حقيقة ان واشنطن وبكين لا تزالان حريصتين على ابقاء المنافسة تحت السيطرة. حتى وان بقيت العلاقة بينهما محكومة بمزيج معقد من التعاون الاقتصادي والصراع الاستراتيجي.

لهذا تبدو الهدنة الحالية اقرب الى ادارة حذرة للتوتر لا الى مصالحة اقتصادية شاملة. في وقت يبقى فيه مستقبل الاقتصاد العالمي مرتبطا الى حد كبير بمسار العلاقة بين اكبر قوتين اقتصاديتين على الكوكب.