الكرامة ذكرى نصر اردني خالد على ضفاف الاردن

{title}
راصد الإخباري -

في ذكرى معركة الكرامة الخالدة يتجدد الموعد مع التضحية والمثابرة والصمود والعزيمة التي تفوقت على كل الظروف المحيطة. وخلقت واقعا جديدا اعاد التذكير بحضارة الامة وكرامتها. وبنت قواعد متينة صلبة انطلقت عبرها الى مستقبل زاهر وزاخر بالخير والعطاء. متسلحة بالمبادئ العظيمة التي اوصلتها الى مواطن المجد ومواقع الريادة.

في هذا اليوم تتجسد القيم والمعاني السامية. الصبر والنصر والشهادة. وتبعث الامل. وتزيد الاردنيين عزا وفخارا بالشهداء الابرار وابطال الكرامة الاحرار الذين لبوا نداء الحق والواجب. فزرعوا في ارض الكرامة نصرا. ورفعوا رايات المجد عاليا؛ جباه سجدت لربها وجادت بارواحها. حملت لواء المجد والتضحية.

ولذكرى الكرامة معان وقيم ستظل خالدة. وسيظل بواسل الجيش العربي قادرين على تحويل الصعاب والتحديات الى طاقات لا تعرف الياس والكلل. منطلقين من ايمانهم بربهم ورسالتهم. يقدمون الشهيد تلو الشهيد. يبذلون دماءهم في سبيل الدفاع عن الوطن والامة. لتبقى معركة الكرامة جزءا من التاريخ العسكري والسردية الوطنية التي نفتخر ونعتز بها. وستظل ذكرى الحسين الراحل صانع النصر في يوم الكرامة في قلوب ووجدان الاردنيين.. وستبقى راياتنا خفاقة وهامتنا لا تنحني الا لله عز وجل.

الكرامة رمز الصمود والعزة

في فجر الحادي والعشرين من شهر اذار عام 1968. هبت نسائم الفجر الصادق. ناشرة رياحينها على رحاب الكرامة. وسار الابطال في مواكب عانقت الكواكب. وانطلقوا ينقضون على تلك الفئة التي حاولت تدنيس الارض الطاهرة. الا ان الاسود كانت لهم بالمرصاد. تزأر فوق التلال والهضاب. وسجلت القوات المسلحة نصرا محققا ظل ماثلا امام العيان؛ ليشهد على التضحيات الجسام التي سطرها ابناء الجيش العربي. وليبقى اثرا لا يمحي. على شجاعة وحنكة قائدها المغوار المغفور له الملك الحسين بن طلال. وبسالة جنودها الابطال الصابرين الصامدين. فكانت العزائم قوية صلبة تدك البغي وتمحو الظلام.

لقد سعت اسرائيل من خلال هجومها الى تحطيم القدرات العسكرية للقوات الاردنية وزعزعة الثقة بنفسها خاصة بعد نتائج حرب حزيران 1967. اذ بقيت القوات المسلحة ثابتة ومصممة على مواقفها الرامية الى الوقوف في وجه التحديات. وكانت القيادة الاسرائيلية تعتقد ان الجيش الاردني اصابه الوهن. فاخطأت التقدير لان القيادة الاردنية عملت على اعادة التنظيم وبسرعة فائقة. فعمدت على توزيع المهام وتحديد الاولويات. فجرى نشر الوحدات والتشكيلات في مواقع دفاعية جديدة على الضفة الشرقية لنهر الاردن. لتبقى روح القتال والتصميم في اعلى درجاتها.

مع ان اسرائيل اعلنت انها قامت بالهجوم لتدمير قوة المقاومين العرب في بلدة الكرامة. الا ان الهدف من هذا العدوان كان مغايرا تماما لهذا الاعلان. فالهدف كان احتلال المرتفعات الشرقية من المملكة (البلقاء). والاقتراب من العاصمة عمان للضغط على القيادة الاردنية لقبول شروط الاستسلام التي تفرضها اسرائيل. والعمل على توسيع حدودها بضم اجزاء جديدة من الاردن اليها.

اهداف العدوان الاسرائيلي على الاردن

ومن اهداف اسرائيل للغزو ايضا. محاولة احتلال اراض اردنية شرقي النهر والتشبث بها بقصد المساومة عليها. وذلك نظرا للاهمية الاستراتيجية لهذه المرتفعات الاردنية ولزيادة العمق الاستراتيجي الاسرائيلي. وضمان الامن والهدوء على طول خط وقف اطلاق النار مع الاردن. حيث كانت معارك الاستنزاف في تلك الفترة على طول الواجهة الحدودية. فسعت لتوجيه ضربات مؤثرة وقوية للقوات المسلحة الاردنية التي كانت توفر الحماية والدعم والمساندة للمقاومين العرب. وزعزعة المعنويات لدى الاردنيين القاطنين في منطقة الاغوار. من اجل نزوحهم من اراضيهم ومزارعهم ليشكلوا اعباء جديدة على الدولة. وحرمان المقاومة العربية من وجود قواعد لها بين السكان. بالاضافة الى المحافظة على الروح المعنوية للجيش والشعب الاسرائيلي. بسبب عدم التجانس بين الغالبية العظمى منهم في التركيبة السكانية في تلك الفترة والتي جاءت على شكل هجرات الى ارض فلسطين. والتخوف من احاطة العرب بهم. فاراد الجيش الاسرائيلي ان يقوم بهذه العملية لازالة حالة الرعب السائدة بين قطاعات الجيش والشعب لديه. ومن اهداف اسرائيل غير المعلنة. الاطماع بالمرتفعات الشرقية من الناحية العسكرية والاستراتيجية والاقتصادية. فمناطق الاغوار غنية بالمصادر المائية والزراعية وتشكل مصدرا اقتصاديا استراتيجيا مهما بالنسبة للاردن.

يحظى موقع معركة الكرامة باهمية من الناحية الدينية. فهي تمثل ارض الرباط في سبيل الله ضمن منطقة بلاد الشام. بالاضافة لوجود العديد من المساجد واضرحة الصحابة في منطقة الاغوار. مثل ابي عبيدة عامر بن الجراح وشرحبيل بن حسنة ومعاذ بن جبل. اما اهمية هذه المنطقة الجغرافية والاستراتيجية. فانها تشكل نقطة المركز في قلب الوطن العربي. فهي اشبه ببوابة تعبر منها الجيوش الذاهبة الى فلسطين. سواء كانت هذه الجيوش قادمة من الشرق ام من الغرب. والشمال ام الجنوب. وقد كانت مسرحا لمعارك فاصلة في التاريخ الاسلامي. وبوابة للانتصارات التي حققت للامة الاسلامية هيبتها وكرامتها ومكانتها ونشر رسالة الحق والعدل والانسانية كمعركة حطين وعين جالوت. ومنطقة غور الاردن منطقة منخفضة تقع بين سلسلتين جبليتين متناسقتين. هما سلسلة الجبال الغربية وسلسلة الجبال الشرقية. وهي غنية بالمصادر الزراعية والمائية والاشجار. فتنتج الخضراوات والفواكه وهي مناطق رعوية جيدة. اما مصادرها المائية فتتمثل في نهر الاردن. بحيرة طبريا. البحر الميت. وقناة الغور الشرقية. اضافة الى العديد من العيون المائية والبرك والابار. فالغور عصب الحياة الزراعية والاقتصادية بالنسبة للاردن.

ويقع في الغور طريق عرضي يمتد من الحمة الاردنية وحتى العقبة. اما الطرق الواصلة بين المرتفعات الشرقية والغربية فهي الجسور (جسر الملك حسين. جسر الملك عبداالله. جسر الامير محمد). وتتميز المنطقة بشقيها الشرقي والغربي بصعوبة المواصلات ووعورة المسالك والارتفاعات الشاهقة ووجود الاشجار والمقاطع الصخرية المنحدرة. وهي منطقة استراتيجية حيث مكامن الافراد ضد الاليات واعاقة حركتها في حال اي تقدم من قوات العدو كما حدث في معركة الكرامة.

الجيش الاردني يتصدى للعدوان ببسالة

اما بالنسبة لقوات الطرفين:

1. القوات الاسرائيلية: نتيجة للمعلومات التي توفرت من مصادر الاستخبارات ومشاهدة ارض المعركة. كانت القوات الاسرائيلية تقدر بفرقة مدرعة (+) مع اسلحتها المساندة اضافة الى سلاح الجو وكما يلي: اللواء المدرع السابع. اللواء المدرع 60. لواء المشاة الالي 80. كتيبة مظليين من لواء المظليين 35. خمس كتائب مدفعية ميدان ومدفعية ثقيلة. اربعة اسراب طائرات مقاتلة ميراج. مستير. عدد من طائرات الهيلوكبتر القادرة على نقل كتيبتين دفعة واحدة. كتيبة هندسة مدرعة.

2. القوات الاردنية: فرقة المشاة الاولى وتدافع عن المنطقة الوسطى والجنوبية ابتداء من سيل الزرقاء شمالا وحتى العقبة جنوبا. وكانت موزعة على النحو التالي: لواء حطين يحتل مواقع دفاعية على مقترب ناعور. لواء الاميرة عالية يحتل مواقع دفاعية على مقترب وادي شعيب. لواء القادسية يحتل مواقع دفاعية على مقترب العارضة. يساند لواء الامير الحسن بن طلال المدرع 60. فرقة المشاة الاولى حيث كانت احدى كتائبه موزعة على الالوية وكتيبة بدور الاحتياط للجيش في منطقة طبربور. تساند الفرقة 3 كتائب مدفعية ميدان وسرية مدفعية ثقيلة. تساند الفرقة كتيبة هندسة ميدان.

بدات معركة الكرامة الخالدة عند الساعة (5.30) من صباح يوم 21 اذار 1968. واستمرت 16 ساعة من القتال. ومن خلال مجرى الحوادث وتحليل العمليات القتالية اتضح ان القوات الاسرائيلية المهاجمة بنت خطتها على 3 مقتربات رئيسية ومقترب رابع تضليلي. لتشتيت جهد القوات المسلحة. وجميع هذه المقتربات تؤدي حسب طبيعة الارض والطرق المعبدة الى مرتفعات السلط وعمان والكرك. وكانت المقتربات كالتالي:

تفاصيل معركة الكرامة

1. مقترب العارضة: من جسر الامير محمد (داميا) الى مثلث المصري الى طريق العارضة الرئيسي الى السلط.

2. مقترب وادي شعيب: من جسر الملك حسين الى الشونة الجنوبية. الى الطريق الرئيسي المحاذي لوادي شعيب ثم السلط.

3. مقترب سويمة: من جسر الامير عبداالله الى غور الرامة الى ناعور ثم الى عمان.

4. محور غور الصافي: من جنوب البحر الميت الى غور الصافي وغور المزرعة الى الطريق الرئيسي حتى الكرك.

واستخدم الاسرائيليون على كل مقترب من هذه المقتربات. مجموعات قتال مكونة من المشاة المنقولة بالاليات نصف المجنزرة والدبابات. تساندهم على كل مقترب مدفعية الميدان والمدفعية الثقيلة ومع كل مجموعة اسلحتها المساندة المقاومة للدروع من مدافع 106ملم والهاون مع اسناد جوي كثيف على كافة المقتربات. ونظرا لغرور الاسرائيليين قام الحاكم العسكري الاسرائيلي للضفة الغربية بدعوة رؤساء البلديات في الضفة الى قيادته. وابلغهم انهم مدعوون لتناول طعام الغداء معه في عمان والسلط. وما كان لهذا الهوس ان يقهر. لولا وقفة الجيش العربي في وجه القوات المهاجمة. حيث قاتل رجاله بكل شجاعة وتضحية مستخدما ما هو متاح له بافضل السبل. ونجد ان الهجوم الاسرائيلي خطط على اكثر من مقترب. وهذا يؤكد مدى الحاجة لهذه المقتربات لاستيعاب القوات المهاجمة. وبشكل يسمح بايصال اكبر حجم من تلك القوات وعلى اختلاف انواعها وتسليحها وطبيعتها الى الضفة الشرقية. لاحداث خرق ناجح في اكثر من اتجاه يتم البناء عليه لاحقا ودعمه للوصول الى الهدف النهائي. وكانت الغاية من اتساع جبهة المعركة وتعدد المقتربات. تشتيت الجهد الدفاعي لمواقع الجيش العربي وتضليلها عن الهجوم الرئيسي. وهذا يؤكد ان القوات المتواجدة في المواقع الدفاعية كانت قوات منظمة اقامت دفاعها على سلسلة من الخطوط الدفاعية بدءا من النهر وحتى عمق المنطقة الدفاعية. الامر الذي لن يجعل اختراقها سهلا امام المهاجم. كما كان يتصور. سيما وان المعركة جاءت مباشرة بعد حرب عام 1967.

لعب سلاح المدفعية والدروع الملكي وقناصو الدروع دورا كبيرا في معركة الكرامة. وعلى طول الجبهة وخاصة في السيطرة على جسور العبور. ما منع الجيش الاسرائيلي من دفع اية قوات جديدة لاسناد هجومه الذي بدأه. وذلك نظرا لعدم قدرته على السيطرة على الجسور خلال ساعات المعركة. وادى ذلك الى فقدان القوات الاسرائيلية المهاجمة لعنصر المفاجاة. وساهم بشكل كبير في تخفيف زخم الهجوم وعزل القوات المهاجمة شرقي النهر وبشكل سهل التعامل معها واستيعابها وتدميرها. واستمر دور سلاح الدروع والمدفعية الملكي وجميع الاسلحة المشاركة وعناصر المشاة بشكل حاسم طيلة المعركة من خلال حرمان الاسرائيليين من محاولة اعادة البناء على الجسور القديمة. وحتى نهاية المعركة. وهذا يؤكد ان معركة الكرامة خاضها الجيش العربي وهو واثق من نفسه. وان الجهد الذي بذل خلالها ما كان جهدا ارتجاليا بل كان جهدا دفاعيا شرسا ومخططا بتركيز على اهم نقاط التقتيل للقوات المهاجمة لكسر حدة زخمها وابطاء سرعة هجومها.

بدا الجيش العربي قتاله في معركة الكرامة منذ اندلاع شرارتها الاولى وتقدم القوات المهاجمة. حيث فتح النار المدمرة على الحشود المهاجمة فكسب الجيش العربي مفاجأة النار عند بدء الهجوم على القوات الاسرائيلية. مفوتا بذلك الفرصة للقوات المهاجمة من الوصول الى اهدافها بالنظر الى قصر مقتربات الهجوم. في ظل حجم القوات التي تم دفعها وطبيعتها. وسرعة وزخم هجومها بالاضافة الى سهولة الحركة فوق الجسور القائمة.

الجيش العربي يحقق النصر في الكرامة

لقد استطاعت القوات الاردنية وخاصة سلاح المدفعية حرمان القوات الاسرائيلية من حرية العبور حسب المقتربات المخصصة لها. ودليل ذلك ان القوات الاسرائيلية التي تكاملت شرقي النهر كانت بحجم فرقة. وهي القوات التي عبرت في الساعة الاولى من الهجوم. وبعدها لم تتمكن القوات المهاجمة من زج اي قوات جديدة شرقي النهر. بالرغم من محاولتهم المستميتة للبناء على الجسور التي دمرت. ومحاولة بناء جسور حديدية لادامة زخم الهجوم والمحافظة على زمام المبادرة. مما اربك المهاجمين وزاد من حيرتهم. وخاصة في ظل شراسة المواقع الدفاعية ومقاومتها الشديدة.

لجأت اسرائيل الى طلب وقف اطلاق النار في الساعة الحادية عشرة والنصف من يوم المعركة. مؤكدين بذلك ان القوات التي واجهتهم في المواقع الدفاعية من الجيش العربي كانت بحجم التحدي وكانت المعركة بالنسبة لهم معركة وجود ومعركة حياة او موت هذا على الصعيد العسكري. اما على الصعيد السياسي فأصر الاردن على لسان جلالة المغفور له الملك الحسين طيب الله ثراه على (عدم وقف اطلاق النار طالما ان هناك جنديا اسرائيليا واحدا شرقي النهر). وهذا يثبت وبدون ادنى شك. ان معركة الكرامة كانت معركة الجيش العربي منذ اللحظة الاولى. حيث كانت قيادته العليا تديرها وتتابع مجرياتها لحظة بلحظة. وان عدم قبول جلالة الملك قرار وقف اطلاق النار الذي طلبه الاسرائيليون بعد 5 ساعات من بدء المعركة دليل على امتلاك ناصية الامر والسيطرة على المعركة والتحكم بمجرياتها. وحينما طلبت اسرائيل وقف اطلاق النار بعد تلك الساعات من بدء المعركة. كانت ترى شراسة المواقع الدفاعية للجيش العربي. الذي خطط معركته كاملة على اساس تقييم قدرات العدو المقابلة له. وحينما رفض الاردن وقف اطلاق النار كان في معمعة المعركة منذ انطلاق شرارتها الاولى. ويعلم تمام العلم كيف تسير لحظة بلحظة وكيف ان قواته تسيطر عليها بحزم. وان قيادته العليا كانت ترى النصر المؤزر قريبا ويحتاج الى صبر ساعة. خاصة عندما اجهضت هذه القيادة وفوتت الفرصة على الاسرائيليين برفضها لوقف اطلاق النار. حيث انها كانت ترى بثاقب بصيرتها وحنكتها ما يخطط له الاسرائيليون. في محاولة منهم لوقف القتال دون الوصول الى النتائج الحتمية التي اصبحوا يعلمونها ويرونها. من ان النصر في هذه المعركة قد فاتهم وانه اصبح دون ادنى شك في يد الجيش العربي. وعلى المدى الابعد فان رؤية القيادة وحنكتها ايضا تؤكد منذ البداية ان موضوع السيادة كان محسوما على الارض الاردنية. اذ لا يمكن لاسرائيل ان تطلب وقف اطلاق النار الا من جهة مقابلة ذات سيادة ولها قرار سيادي وسياسي يقرر على ارض الواقع سير المعركة.

كانت الغاية من عملية الانزال التي قامت بها القوات الاسرائيلية شرقي بلدة الكرامة منها تخفيف الضغط على قواتها التي عبرت شرقي النهر. بالاضافة لتدمير بلدة الكرامة. خاصة عندما لم تتمكن من زج اي قوات جديدة عبر الجسور. نظرا لتدميرها من قبل سلاح المدفعية الملكي. وهذا دليل قاطع على ان الخطط الدفاعية التي خاضتها قوات الجيش العربي كانت محكمة. وساهم في نجاحها الاسناد المدفعي الكثيف والدقيق. الى جانب صمود الجنود في المواقع الدفاعية. وفي عمقها كانت عملية الانزال شرقي بلدة الكرامة عملية محدودة. حيث كان قسم من الفدائيين يعملون فيها كقاعدة انطلاق للعمل الفدائي احيانا بناء على رغبة القيادة الاردنية. وبالفعل قام الاسرائيليون بتدمير بلدة الكرامة بعد ان اشتبكوا مع القوات الاردنية والمقاتلين من الفدائيين الموجودين هناك وتطور الامر لاستخدام السلاح الابيض في القتال وجها لوجه مع قوات العدو التي تم انزالها.

نتائج معركة الكرامة واقوال مأثورة

فشل الجيش الاسرائيلي تماما في عملياته العسكرية دون ان يحقق ايا من الاهداف التي شرع بهذه العمليات من اجلها وعلى جميع المقتربات والمحاور. وعاد يجر اذيال الخيبة والفشل. فتحطمت الاهداف المرجوة من وراء المعركة امام صخرة الصمود الاردني. ليثبت من جديد بانه قادر على مواصلة المعركة تلو الاخرى. وعلى تحطيم المحاولات المستمرة للنيل من الاردن وصموده. واثبت الجندي الاردني ان روح القتال لديه نابعة من التصميم على خوض معارك البطولة والشرف والاقدام والتضحية.

وفي كلمته التاريخية قال المغفور له جلالة الملك الحسين بن طلال – طيب الله ثراه - في اليوم التالي للمعركة: "واذا كان لي ان اشير الى شيء من الدروس المستفادة من هذه المعركة يا اخوتي. فان الصلف والغرور يؤديان الى الهزيمة. وان الايمان بالله والتصميم على الثبات مهما كانت التضحية هما الطريق الاول الى النصر. وان الاعتماد على النفس اولا واخيرا ووضوح الغاية ونبل الهدف هي التي منحتنا الراحة حين نقرر اننا ثابتون صامدون حتى الموت. مصممون على ذلك. لا نتزحزح ولا نتراجع مهما كانت التحديات والصعاب."

وفشل العدو في مخططاته التي عرفت من الوثائق التي كانت لدى القادة الاسرائيليين وتركت في ساحة القتال. وهي احتلال المرتفعات الشرقية ودعوة الصحفيين لتناول طعام الغداء في عمان. كما جسدت هذه المعركة اهمية الارادة لدى الجندي العربي. والتي كانت متقنة وذات كفاءة عالية وساهمت بشكل فعال في حسم معركة الكرامة.

ابرزت المعركة اهمية الاعداد المعنوي. وكان هذا الاعداد على اكمل وجه. فمعنويات الجيش العربي كانت مرتفعة. حيث ترقبوا يوم الثأر والانتقام من عدوهم وانتظروا ساعة الصفر بفارغ الصبر للرد على الظلم والاستبداد. كما ابرزت المعركة حسن التخطيط والتحضير والتنفيذ الجيد لدى الجيش العربي. مثلما ابرزت اهمية الاستخبارات. اذ لم ينجح العدو بتحقيق عنصر المفاجأة نظرا لقوة الاستخبارات العسكرية الاردنية والتي كانت تراقب الموقف عن كثب وتبعث بالتقارير لذوي الاختصاص. حيث تمحص وتحلل النتائج فتنبأت بخبر العدوان من قبل اسرائيل مما اعطى فرصة للتجهيز والوقوف في وجهها.

الكرامة مسيرة فخر واعتزاز

قواتنا الباسلة 88 شهيدا و108 جرحى. تدمير 13 دبابة و39 الية مختلفة. خسائر القوات الاسرائيلية: 250 قتيلا و450 جريحا. وجرى تدمير 88 الية مختلفة شملت 47 دبابة و18 ناقلة و24 سيارة مسلحة و19 سيارة شحن واسقاط 7 طائرات مقاتلة.

الديلي تلغراف: اتضح امران في اعقاب الهجوم الاسرائيلي على الكرامة. اولهما ان الاسرائيليين اخطأوا في حساباتهم خطا فادحا. اذ انهم واجهوا مقاومة اعنف مما كانوا يتوقعون. والثاني ان هجومهم على الكرامة لم يحقق شيئا.

نيوزويك الاميركية: لقد قاوم الجيش الاردني المعتدين بضراوة وتصميم. وان نتائج المعركة جعلت الملك حسين بطل العالم العربي.

حاييم بارليف/ رئيس الاركان الاسرائيلي الاسبق: اما معركة الكرامة فقد كانت فريدة من نوعها بسبب كثرة عدد الاصابات بين القوات الاسرائيلية. فقدت اسرائيل في هجومها الاخير على الاردن آليات عسكرية تعادل ثلاثة اضعاف ما فقدته في حرب حزيران.

عضو الكنيست الاسرائيلي شلومو جروسك: لا يساورنا الشك حول عدد الضحايا بين الجنود الاسرائيليين. لقد برهنت العملية من جديد ان حرب الايام الستة لم تحقق شيئا ولم تحل النزاع العربي الاسرائيلي.

المقدم (اهارون بيلد) قائد احدى المجموعات الاسرائيلي في معركة الكرامة: لقد شاهدت قصفا شديدا عدة مرات في حياتي. لكنني لم ار شيئا كهذا من قبل. لقد اصيبت معظم دباباتي.

المارشال جريشكو رئيس اركان القوات المسلحة السوفييتية: لقد شكلت معركة الكرامة نقطة تحول في تاريخ العسكرية العربية.

جون بورينته/ المراسل الخاص لوكالة اليونايتد برس: ان التقارير من الشرق الاوسط تؤكد ان الاردن احرز نصرا يستند الى اسس متينة.

ندرك جميعا ان بناء الدولة وتطورها منذ نشأتها الاولى ارتبط بتطور الجيش العربي الذي قدم مساهمات كبيرة في تطور الدولة وتحديثها على كافة المستويات. واضعا مصلحة الوطن فوق كل اعتبار. ليكون الحارس الامين والسند القوي وحامي الحمى وصانع الانجازات. والملاذ الامن وعنوان السكينة والاستقرار. فرسخ منعة الدولة وقوتها وقدرتها على الاستقرار والازدهار والنهوض وتجاوز الصعاب والتحديات وتحقيق الانجاز والتميز في اصعب الظروف. ماضية على مبادئ الثورة العربية الكبرى بخطى ثابتة وواثقة بِنَفَسِ قيادتها الهاشمية الحكيمة ووقفة شعبها الوفي حول قيادته وجيشه.

واليوم ومع بزوغ شمس الذكرى الثامنة والخمسين. ندرك ان الكرامة كانت الحبر الذي كتبت به سردية الوطن التي صيغت بحروف من نور وباركها النجيع الطاهر لدماء شهداء آمنوا بربهم ووطنهم وساروا خلف قائدهم جلالة الملك المغفور له باذن الله نحو تحقيق نصر اردني التقت خلاله عزيمة الحسين صانع الكرامة بهمة ورباطة جأش رجال ارادوا لوطنهم ان يبقى آمنا حرا عزيزا شامخا يفتدونه ويذودون عنه بالمهج والارواح.

بترا