تصاعد الاغتيالات في طهران يرسم ملامح مواجهة مفتوحة
في مشهد يختزل تعقيدات المواجهة الدائرة، بدت طهران وكأنها تعيش فصول حرب غير تقليدية، حيث تتقاطع الضربات العسكرية مع الاختراقات الاستخباراتية في حملة متصاعدة تستهدف بنية النظام الإيراني من قياداته العليا وصولا إلى عناصره الميدانية. وفقا لتقرير لصحيفة وول ستريت جورنال.
في وقت كان فيه علي لاريجاني، أحد أبرز الوجوه الأمنية في البلاد، يظهر بثقة لافتة خلال تجمع لأنصار النظام وسط العاصمة، مرتديا نظارات داكنة ومعطفا أسود، ومؤكدا عبر منصة إكس أن الشعب الشجاع لا يهزم، لم يكن يدرك أن أيامه باتت معدودة، فبعد 4 أيام فقط، انتهى المشهد بضربة صاروخية استهدفت مخبأه في ضواحي طهران، لتنهي حياته وتفتح بابا جديدا في مسار التصعيد.
لم تكن تلك العملية معزولة، ففي الليلة ذاتها، قتل غلام رضا سليماني، قائد ميليشيا الباسيج، بعد معلومات قدمها مدنيون عن موقع اختبائه داخل منطقة حرجية، عكست هذه الحادثة مستوى الاختراق الذي بلغته الاستخبارات الإسرائيلية، معتمدة بشكل متزايد على معلومات من داخل المجتمع الإيراني نفسه، تعويضا عن القيود التي تفرضها الحرب.
الاستراتيجية الإسرائيلية في طهران
منذ اندلاع المواجهة، تتكشف ملامح استراتيجية إسرائيلية تقوم على استنزاف أدوات السلطة، عبر ملاحقة عناصرها من مقارهم إلى نقاط تجمعهم، وصولا إلى مخابئ مؤقتة تحت الجسور أو في منشآت مدنية.
وفق تقديرات إسرائيلية، ألقيت آلاف الذخائر على آلاف الأهداف، بينها مئات المواقع المرتبطة بـ«الحرس الثوري» و«الباسيج» وقوى الأمن؛ ما أسفر عن سقوط أعداد كبيرة من القتلى والجرحى.
يقول التقرير إن هذا التصعيد، الذي يجمع بين التفوق التكنولوجي والعمل الاستخباراتي، ألقى بظلاله على الداخل الإيراني، حيث بدأت مؤشرات الارتباك تظهر تدريجيا، فالقوات الأمنية، التي لطالما شكلت العمود الفقري لسيطرة النظام، تواجه ضغطا متزايدا، في وقت تستمر فيه بتهديد الشارع ومنع أي تحرك احتجاجي؛ خوفا من انفجار داخلي قد يتقاطع مع الضربات الخارجية.
الضغط على القوات الامنية الايرانية
تشير معطيات ميدانية إلى أن الحملة لم تقتصر على القيادات، بل امتدت لتشمل البنية التشغيلية لقوات الأمن، من مستودعات المعدات إلى وحدات التدخل السريع، وصولا إلى الدراجات النارية التي تستخدم عادة في قمع الاحتجاجات، كما طالت الضربات مواقع بديلة لجأت إليها القوات بعد استهداف مقارها، بما في ذلك مجمعات رياضية تحولت إلى نقاط تجمع مؤقتة، في مشهد يعكس حجم الضغط الواقع عليها.
في المقابل، تصف طهران هذه الضربات بأنها استهداف لأهداف مدنية، مشيرة إلى سقوط ضحايا من الموظفين والمواطنين، في حين تؤكد إسرائيل أنها تضرب مراكز قيادة أمنية، حتى وإن كانت مموهة داخل منشآت مدنية.
لم تقتصر المواجهة على الميدان العسكري، إذ تكشف تسجيلات متداولة عن اتصالات مباشرة يجريها عناصر من الموساد مع قادة ميدانيين، مهددين إياهم وعائلاتهم بالاسم، وداعين إياهم إلى الانحياز للشعب في حال اندلاع انتفاضة، وفي إحدى هذه المكالمات، يرد أحد القادة بصوت مثقل: أنا ميت أصلا... فقط ساعدونا، في تعبير إنساني يعكس حجم الخوف والتصدع داخل بعض الدوائر.
مستقبل النظام الإيراني
رغم هذا الضغط المركب، تبقى مسألة إسقاط النظام عبر القوة العسكرية وحدها محل شك، فالتجارب التاريخية تشير إلى أن القصف الجوي، مهما بلغ من كثافة، نادرا ما ينجح في إحداث تغيير سياسي حاسم، بل إن بعض التقديرات تحذر من أن صمود النظام قد يمنحه لاحقا زخما إضافيا، وربما يجعله أكثر تشددا.
في هذا السياق، يرى خبراء أن ما يجري اليوم يضع إيران أمام مفترق دقيق، حيث يتآكل جزء من بنية النظام تحت وطأة الضربات، بينما يبقى الحسم مرهونا بعامل داخلي حاسم: إرادة الشارع الإيراني نفسه.
بين مشاهد الاستهداف، وحالة الترقب التي تسود الشارع، تتشكل ملامح مرحلة غامضة، تختلط فيها حسابات القوة مع معاناة الناس اليومية، في بلد يقف على حافة تحولات كبرى، لا تزال نتائجها مفتوحة على كل الاحتمالات.







