مدى مسؤولية الحكومة عن أعمال ناطقها الرقمي (فرح) ؟
راصد الإخباري -
أثار إطلاق الحكومة الأردنية للناطق الرقمي "فرح"، الذي يعمل بتقنيات الذكاء الاصطناعي، جدلاً قانونياً حول مدى مسؤولية الدولة عن تصريحات وأفعال هذه الشخصية الافتراضية. وفي تحليل قانوني معمق، نشر الخبير القانوني والدستوري الدكتور نوفان العجارمة عبر صفحته على مواقع التواصل الاجتماعي، رؤيته حول طبيعة هذه المسؤولية والأسس القانونية التي تقوم عليها، مشيراً إلى أن "فرح" التي تم تدشينها لشرح قرارات مجلس الوزراء والسياسات الحكومية باللهجة الأردنية الدارجة، وإن كانت تعتمد على استقلال تقني في معالجة المعلومات، فإن هذا الاستقلال لا يعني إطلاقاً استقلالها القانوني عن الحكومة.
وأوضح الدكتور العجارمة أن الناطق الرقمي ليس شخصاً قانونياً مستقلاً، بل هو أداة تقنية توظفها الدولة لتحقيق غايات محددة، وبالتالي فإن ما يصدر عنه أثناء أداء الوظيفة الحكومية المسندة إليه يمكن، من حيث الأصل، إسناده إلى الجهة الحكومية التي اعتمدته وشغلته وسمحت له بالتحدث باسمها. وتساءل المحلل القانوني عما إذا كانت الحكومة تُسأل مدنياً وإدارياً أو دستورياً عن أقوال وتصرفات هذا الناطق، خاصة في حال تسبب محتواه بضرر للغير، أو قدم معلومات خاطئة، أو كشف عن قصور في العمل الحكومي قد يستوجب مساءلة وزارية أمام مجلس الأمة.
واستعرض الدكتور العجارمة عدة محاور لتحديد أساس هذه المسؤولية، مستنداً إلى أحكام القانون المدني الأردني وقواعد المسؤولية الإدارية. ففيما يتعلق بالمسؤولية عن الأشياء والآلات التي تتطلب عناية خاصة، أشار إلى المادة (291) من القانون المدني التي تجعل من كان تحت تصرفه مثل هذه الأشياء ضامناً لما تحدثه من ضرر، متسائلاً عن مدى انطباق هذه القواعد على أنظمة الذكاء الاصطناعي التي تخضع لسيطرة الإدارة، مع الإشارة إلى أن الطبيعة الخاصة لهذه الأنظمة قد تستدعي مستقبلاً وضع قواعد خاصة تنظم المسؤولية عنها. أما في حالة تجاوز الناطق الرقمي للتعليمات أو حدود الصلاحيات، فأكد الخبير القانوني أن ذلك لا يعفي الحكومة من المسؤولية، قياساً على قواعد مسؤولية الدولة عن تجاوز موظفيها البشريين لصلاحياتهم، طالما أن الفعل يظل مرتبطاً بالوظيفة أو النشاط المسند إليهم، مشدداً على أن الاستقلال التقني لا يقطع رابطة الإسناد القانوني بين الناطق الرقمي والجهة التي اعتمدته وقدمته للجمهور بصفته الرسمية.
وأضاف الدكتور العجارمة أن المسؤولية عن الخلل البرمجي أو الخوارزمي لا تنفي بدورها مسؤولية الحكومة، لأن هناك سلسلة من القرارات البشرية والإدارية السابقة التي تسبق تشغيل النظام، كاختيار التقنية وتحديد الغرض ومصادر البيانات وآليات الرقابة، وهذه القرارات لا تمحى بالاستقلال التقني اللاحق للنظام. كما أن وجود خطأ برمجي قد يفتح باب المسؤولية تجاه الشركة المطورة، لكنه لا يحرم المتضرر من الرجوع على الحكومة التي قدمت النظام بوصفه ناطقاً رسمياً باسمها. وتطرق أيضاً إلى إمكانية تطبيق قواعد المسؤولية الإدارية دون خطأ، لا سيما المسؤولية القائمة على المخاطر أو على مبدأ المساواة أمام الأعباء العامة، مؤكداً أن الاتجاه الأقرب إلى العدالة يقتضي ألا يؤدي استخدام التقنيات الحديثة إلى إضعاف الحماية القانونية للأفراد أو جعل التعويض أكثر صعوبة.
ولم تقف المسألة عند الحدود المدنية والإدارية، بل امتدت إلى نطاق المسؤولية السياسية والدستورية، حيث رأى الدكتور العجارمة أنه إذا صدر عن الناطق الرقمي بيان أو معلومة تكشف عن قصور في إدارة شأن عام، فإن كون المعلومة صدرت بواسطة نظام ذكاء اصطناعي لا يحول دون خضوع الواقعة للرقابة البرلمانية، فالوسيلة لا تغير من طبيعة الواقعة ولا تحول دون استعمال الأدوات الدستورية والرقابية المقررة بشأنها. واختتم تحليله بالتأكيد على أن النقاش القانوني المعاصر يتجه نحو مبدأ أساسي مفاده أن استخدام الذكاء الاصطناعي في الإدارة العامة لا يلغي المسؤولية البشرية والمؤسسية، ولا يجوز أن تتحول التقنية إلى ستار يحجب المسؤول القانوني، فالتكنولوجيا قد تغير وسيلة الخطاب الحكومي، لكنها لا تغير الجهة التي تتحمل المسؤولية عنه، مشيراً إلى أن "فرح" وإن كانت افتراضية، فإن المسؤولية عن أعمالها واقعية وليست افتراضية.







