من ضمن فعاليات مهرجان جرش

{title}
راصد الإخباري -



المخرجة شمس العامري أيقونة عراقية شبابية تحلق في فضاء المسرح العربي

بقلم الدكتور 
ثامر الناصري 
عمّان ١ / ٨ / ٢٠٢٦



في زمنٍ تتسارع فيه التحولات الجمالية والفكرية في الفنون الأدائية، يبقى المسرح ذلك الفضاء الحي الذي يكشف قدرة الإنسان على إعادة قراءة ذاته والعالم من حوله، ليس فقط عبر الكلمة المنطوقة، بل عبر منظومة واسعة من العلامات والإشارات والإيقاعات البصرية والجسدية التي تمنح العرض المسرحي وجوده العميق. ومن بين الأسماء الشبابية التي بدأت ترسم حضوراً مميزاً في هذا الفضاء تأتي المخرجة شمس العامري بوصفها تجربة عراقية شابة تحمل وعياً جمالياً ورؤية فنية تتجاوز حدود العمر والخبرة التقليدية.

إن الحديث عن   ( شمس العامري  ) 
لا ينطلق من مجرد تجربة إخراجية عابرة، بل من مشروع فني يتشكل بهدوء وثقة، مشروع يمتلك القدرة على الحوار مع جماليات المسرح العربي المعاصر، ويبحث عن لغة مسرحية جديدة تستند إلى فهم واعٍ للإنسان والحركة والصورة والفضاء.

تخرجت المخرجة شمس العامري من الجامعة الأردنية، قسم المسرح في كلية الفنون والتصميم، وهي المؤسسة الأكاديمية التي تمنح طلبتها أدوات المعرفة المسرحية والقدرة على المزج بين الجانب النظري والتطبيق العملي. وقد استطاعت شمس العامري أن تجعل من دراستها الأكاديمية أرضية تنطلق منها نحو تجربة إبداعية تحمل ملامحها الخاصة، بعيداً عن التقليد والاستنساخ.

وقد جاءت تجربتها الإخراجية في مسرحية "ترويض الشرسة” بوصفها علامة مهمة في مسارها الفني، حيث قدمت العرض على خشبة مسرح المركز الثقافي الملكي في الأردن، أحد الفضاءات الثقافية المهمة التي احتضنت العديد من التجارب المسرحية العربية. ولم يكن حضور العرض مجرد إعادة تقديم لنص مسرحي معروف، بل كان محاولة لإعادة اكتشاف النص من خلال رؤية إخراجية تمتلك حساسية خاصة تجاه العلامة المسرحية ودلالاتها.

لقد كان لي شرف حضور مسرحية "ترويض الشرسة” .. فقد  اخترت الجلوس في الصف الأخير من قاعة المسرح، ليس باعتباره مكاناً بعيداً عن العرض، بل باعتباره موقعاً يسمح بمراقبة الصورة الكاملة للمشهد المسرحي، وقراءة العلاقة بين الممثل والفضاء والإضاءة والحركة والإيقاع. ومن هذا الموقع، حاولت أن أقرأ العرض قراءة سيميولوجية تبحث عن المعاني الكامنة خلف العلامات الظاهرة.

إن المسرح في جوهره ليس مجموعة من الحوارات فقط، بل هو نظام علاماتي متكامل؛ فالجسد علامة، والصمت علامة، واتجاه الحركة علامة، والفراغ بين الممثلين علامة، وحتى لحظة الانتظار على الخشبة تحمل خطاباً جمالياً وفكرياً. ومن خلال هذه الرؤية، ظهرت تجربة المخرجة شمس  بوصفها تجربة واعية لطبيعة المسرح باعتباره لغة متعددة المستويات.

وما يلفت النظر في تجربتها ،  هو قدرتها على صناعة مشاهد تحمل جودة فنية واضحة رغم حداثة سنها وقلة سنوات تجربتها العملية مقارنة بأسماء أكثر حضوراً في المشهد المسرحي. فالموهبة الحقيقية لا تقاس بعدد السنوات فقط، بل بقدرة الفنان على امتلاك الحساسية الجمالية والوعي بأدواته الفنية، وهذا ما ظهر في اختياراتها الإخراجية وفي إدارتها للمشهد المسرحي.

لقد امتازت مسرحية "ترويض الشرسة”  بجودة البناء المشهدي، وبحضور أدائي متوازن، وباهتمام واضح بالتفاصيل التي تصنع الفارق بين العرض التقليدي والعرض الذي يمتلك رؤية. فقد بدا واضحاً أن المخرجة لا تتعامل مع المسرح بوصفه مساحة لعرض الأحداث فقط، بل بوصفه مساحة لصناعة المعنى.

إن قيمة المخرجة شمس ،  لا تكمن فقط في نجاح تجربة واحدة، بل في امتلاكها مقومات مشروع يمكن أن يتطور ويصبح أكثر نضجاً وتأثيراً. فالمسرح العربي اليوم يحتاج إلى أصوات شبابية تمتلك المعرفة الأكاديمية والرؤية الإنسانية والقدرة على تقديم خطاب فني جديد يلامس قضايا الإنسان المعاصر.

ومن هنا فإن دعمها   
، ليس دعماً لشخصها فقط، بل هو دعم لطاقة إبداعية عراقية شابة يمكن أن تضيف الكثير إلى المسرح العربي. إن توفير الفرص أمامها لإكمال دراستها العليا سيكون خطوة مهمة في بناء مسارها العلمي والفني، لكي تصبح مستقبلاً أستاذة متخصصة في مجال مسرحي جديد أو متجدد، تنقل خبرتها ومعرفتها إلى أجيال قادمة من المسرحيين.

إن الفنان الحقيقي لا ينتهي دوره عند حدود الخشبة، بل يتحول إلى حامل للمعرفة وصانع للوعي الجمالي. ولذلك فإن طموح شمس العامري في مواصلة مسيرتها الأكاديمية لا يمثل طموحاً شخصياً فقط، وإنما يمثل استثماراً في الثقافة والمسرح والتعليم الفني.

إن العراق يمتلك تاريخاً عريقاً في الفنون والثقافة، ومن واجب المؤسسات الثقافية والفنية أن تحتضن أبناءه وبناته المبدعين أينما كانوا. ووجود المخرجة شمس العامري في عمّان،  يعطيها مساحة لاعمل بشكل اوسع ، وهي تتحرك في فضاء المسرح العربي، لتمثيل صورة مشرقة للحضور العراقي القادر على التواصل والإبداع خارج الحدود.

لقد أثبتت شمس  ،  أن العمر ليس معياراً وحيداً للحكم على التجارب الإبداعية، وأن الرؤية الفنية حين تقترن بالعلم والانضباط يمكن أن تصنع حضوراً مبكراً ومؤثراً. فهي مخرجة شابة تحمل احتراماً للفن، وهدوءاً في الشخصية، ووعياً بأهمية المسرح كرسالة إنسانية وجمالية.

إن المخرجة شمس العامري ليست مجرد اسم جديد في قائمة المشتغلين بالمسرح، بل هي مشروع أيقونة عراقية شبابية تمتلك القدرة على التحليق في فضاء المسرح العربي، إذا ما وجدت البيئة الداعمة والفرص العلمية والفنية التي تستحقها.

وفي النهاية، فإن المسرح لا يتقدم إلا بأصوات جديدة تؤمن بأن الخشبة ليست مكاناً للعرض فقط، بل مكان لصناعة المستقبل. ومن بين هذه الأصوات يبرز اسم  شمس العامري كصوت عراقي شاب يحمل الحلم والمعرفة والجمال، ويستحق أن نقف معه دعماً وتشجيعاً، لأن رعاية المبدعين الشباب هي رعاية لمستقبل الثقافة العربية بأكملها