بعد أن أُغلقت دفاتر الامتحان... تبدأ رحلة أخرى

{title}
راصد الإخباري -


الدكتوره ميسون الطراونه

مع خروج آخر طالب من قاعة امتحان الثانوية العامة، يسود شعور بالارتياح ممزوج بالتعب، وكأن الجميع قد وصل إلى خط النهاية بعد أشهر طويلة من الجهد والسهر والقلق. تُغلق دفاتر الإجابة، وتتوقف المراجعات، ويهدأ ذلك الإيقاع اليومي الذي سيطر على حياة الطلبة وأسرهم طوال العام.
لكن الحقيقة أن ما انتهى هو الامتحان فقط، أما المرحلة الجديدة فقد بدأت بالفعل.
فبعد أشهر من التركيز والالتزام، يجد كثير من الطلبة أنفسهم أمام فراغ مفاجئ. لم يعد هناك موعد للاستيقاظ من أجل الدراسة، ولا برنامج يومي، ولا هدف قريب يشغل التفكير. وفي المقابل، يبدأ نوع آخر من القلق، وهو انتظار النتائج، ليصبح الطالب وأسرته في حالة ترقب قد تستمر أسابيع.
ومن الطبيعي أن يشعر الطالب بعد انتهاء الامتحانات بشيء من الإرهاق أو حتى الفراغ النفسي، فالعقل الذي اعتاد العمل تحت ضغط مستمر يحتاج إلى وقت ليستعيد هدوءه، والنفس تحتاج إلى مساحة من الراحة بعيدًا عن المقارنات والأسئلة المتكررة من قبيل: كيف كان الامتحان؟ كم تتوقع أن تحصل؟ وهل أخطأت في هذا السؤال أو ذاك؟
إن إعادة تحليل كل امتحان بعد انتهائه لن تغير شيئًا في ورقة الإجابة، لكنها قد تزيد من التوتر وتسرق من الطالب راحته التي يستحقها بعد رحلة طويلة من الاجتهاد.
وهنا يأتي دور الأسرة، فالأبناء في هذه المرحلة لا يحتاجون إلى مزيد من الضغط، بل إلى الاحتواء والدعم والشعور بالأمان. يحتاجون إلى أن يسمعوا كلمات تمنحهم الطمأنينة، وأن يدركوا أن محبتهم ومكانتهم داخل الأسرة لا ترتبط بمعدل أو رقم، وإنما بما بذلوه من جهد، وبما يحملونه من قيم وأخلاق وطموح.
ومن المهم أيضًا أن نتذكر أن الثانوية العامة محطة مهمة، لكنها ليست المحطة الأخيرة في الحياة. فكم من شخص لم يحقق النتيجة التي كان يتمناها، ثم وجد طريقًا آخر حقق فيه نجاحًا وتميزًا. الحياة لا تُختصر في امتحان واحد، ولا يُقاس الإنسان بورقة نتائج مهما بلغت أهميتها.
العطلة... بين الراحة والفراغ
ومع انتهاء الامتحانات تبدأ الإجازة الصيفية، وهي فترة ينتظرها الطلبة بشغف، لكنها قد تتحول إلى تحدٍ حقيقي إذا لم تُستثمر بصورة صحيحة.
فالانتقال المفاجئ من جدول مزدحم بالدراسة إلى ساعات طويلة من الفراغ قد يجعل بعض الشباب يقضون معظم أوقاتهم أمام الهواتف الذكية أو الألعاب الإلكترونية، أو يعتادون السهر لساعات متأخرة، أو يبتعدون عن الأسرة، أو ينساقون خلف رفقة أو سلوكيات لا تعود عليهم بالنفع.
وهنا تكمن خطورة الفراغ؛ فهو لا يبدأ بمشكلة كبيرة، وإنما يبدأ بدقائق وساعات لا تجد ما يملؤها، ثم تتحول مع الأيام إلى عادات يصعب تغييرها.
ولهذا فإن مسؤولية الأسرة لا تنتهي بانتهاء الامتحانات، بل تبدأ بصورة مختلفة. فالمطلوب ليس فرض القيود، وإنما مساعدة الأبناء على تنظيم وقتهم، وتشجيعهم على ممارسة الرياضة، والقراءة، وتعلم مهارة جديدة، أو الالتحاق بدورة تدريبية، أو المشاركة في الأعمال التطوعية، أو حتى خوض تجربة عمل مؤقت تنمي لديهم الشعور بالمسؤولية وتعزز ثقتهم بأنفسهم.
إن الإجازة ليست وقتًا لقتل الوقت، وإنما فرصة لاكتشاف القدرات، وتنمية المواهب، وبناء الشخصية، واستعادة التوازن النفسي بعد عام طويل من الضغوط.
انتظار النتائج... لا تجعلوه عبئًا جديدًا
تبقى فترة انتظار النتائج من أكثر الفترات حساسية، لأنها مليئة بالتوقعات والاحتمالات. وهنا ينبغي أن يدرك الجميع أن القلق لن يغير النتيجة، وأن كثرة الحديث عن المعدلات والحدود الدنيا والتخصصات قد تزيد من الضغط النفسي على الطالب.
الأفضل أن يعيش الأبناء هذه الأيام بهدوء، وأن يشعروا بأن الأسرة تقف إلى جانبهم مهما كانت النتيجة، وأن النجاح الحقيقي لا يقف عند معدل معين، بل يبدأ بالإيمان بالنفس، والاستعداد لكل فرصة جديدة.
ولعل أجمل رسالة يمكن أن نقدمها لأبنائنا هي أن قيمة الإنسان لا تُختصر في شهادة، ولا في رقم، وإنما في أخلاقه، واجتهاده، وقدرته على النهوض كلما واجه تحديًا.
وفي الختام، نقول لكل طالب وطالبة: لقد أنجزتم مرحلة مهمة تستحق التقدير، فامنحوا أنفسكم فرصة للراحة، واستعيدوا نشاطكم، واستمتعوا بإجازتكم بطريقة متوازنة، واستعدوا لما هو قادم بثقة وأمل.
أما أولياء الأمور، فلتكن هذه المرحلة فرصة للاقتراب من أبنائكم أكثر، والاستماع إليهم، واحتضان مشاعرهم، وتشجيعهم على استثمار أوقاتهم فيما ينفعهم. فبعد أن أُغلقت دفاتر الامتحان، تبدأ رحلة أخرى... رحلة بناء الإنسان، وهي الرحلة الأجمل والأبقى أثرًا.