منتدى الفكر العربي يناقش استراتيجيات التعافي في مرحلة ما بعد الأزمات

{title}
راصد الإخباري -


 
15 تموز، عمّان – عقد منتدى الفكر العربي في مقره جلسة حوارية بعنوان "استراتيجيات التعافي في مرحلة ما بعد الأزمات"، بمشاركة الدكتور بدر ماضي، أستاذ علم الاجتماع السياسي في الجامعة الألمانية، واللواء الركن المتقاعد محمد باشا فرغل، مساعد رئيس هيئة أركان سابقًا ومدير عام مركز الدراسات الاستراتيجية سابقًا، وإدارة الدكتورة نادية سعد الدين، الباحثة والكاتبة في العلوم السياسية والقضايا الاستراتيجية الإقليمية ومدير التحرير للشؤون الفلسطينية في جريدة الغد، وحضور عدد من الأكاديميين والمفكرين والباحثين والمهتمين.
وأكدت الأستاذة الدكتورة أماني غازي جرار، القائم بأعمال أمين عام منتدى الفكر العربي، في كلمتها الافتتاحية أن مرحلة ما بعد الأزمات تمثل اختبارًا حقيقيًا للمجتمعات والدول، مشددة على أن التعافي لا يعني العودة إلى ما كان عليه الواقع قبل الأزمة، بل بناء واقع جديد أكثر عدالة وقدرة على الصمود والاستعداد للمستقبل، وأوضحت أن التحدي الأساسي لا يكمن في إعادة الإعمار فقط، وإنما في استعادة دور الإنسان، وترميم الثقة، وتحويل تجارب الألم والخسارة إلى خبرات وفرص لإطلاق مشاريع وطنية جامعة.
وأضافت أن منتدى الفكر العربي يؤمن بأهمية تطوير رؤية معرفية شاملة للتعافي في العالم العربي، تتجاوز الاستجابات المؤقتة للأزمات نحو صياغة سياسات استباقية تعزز المرونة المجتمعية وبناء المؤسسات ورأس المال الاجتماعي، مشيرة إلى أهمية رؤية صاحب السمو الملكي الأمير الحسن بن طلال المعظم، رئيس المنتدى وراعيه، التي تؤكد أن التعافي الحقيقي لا يتحقق بالمساعدات الإنسانية وحدها، بل بالانتقال من "إدارة الأزمات" إلى "منع الأزمات"، عبر تمكين الإنسان وصون كرامته وتعزيز مشاركته في بناء مجتمعه، إلى جانب دعم العمل الإقليمي المشترك بما يسهم في بناء مجتمعات أكثر تماسكًا وقدرة على مواجهة تحديات المستقبل.
وخلال إدارتها للجلسة، أوضحت الدكتورة نادية سعد الدين أن الانتقال من إدارة الأزمات والصراعات إلى مرحلة التعافي وإعادة البناء المستدام يمثل تحديًا مركبًا أمام المنطقة العربية، مشيرة إلى أن المرحلة الانتقالية تتطلب مقاربات شاملة تتجاوز إعادة الإعمار المادي لتشمل تعزيز قدرة المجتمعات على الصمود، ورأب الصدع الاجتماعي، ومأسسة التعافي النفسي الجمعي، والاستثمار في رأس المال البشري، ولا سيما الشباب، مؤكدةً أهمية تحويل خطط التعافي من تصورات نظرية إلى آليات تنفيذية تجمع بين الأبعاد السياسية والأمنية والاقتصادية والاجتماعية.
وأكد الدكتور بدر ماضي، أن إعادة الإعمار في الدول الخارجة من الصراعات لا تبدأ بإعادة بناء الحجر، بل بمعالجة الآثار العميقة التي خلفتها الصراعات على الإنسان والمجتمع، مشيرًا إلى أن انتهاء العمليات العسكرية أو توقف إطلاق النار لا يعني انتهاء تداعيات الأزمة، بل يمثل بداية مرحلة تتطلب معالجة جذور الأزمات الاجتماعية والسياسية وبناء أسس جديدة للاستقرار.

وأوضح أن الصراعات تؤدي إلى انهيار الثقة، وتآكل رأس المال الاجتماعي، وتفكك الهوية الوطنية، وانتشار الاستقطاب، مؤكدًا أن بناء المؤسسات لا يحقق الاستقرار بصورة تلقائية ما لم يرتبط بالعدالة وسيادة القانون والمشاركة والشفافية، وأضاف أن المصالحة المجتمعية والعدالة الانتقالية تمثلان ركيزتين أساسيتين في مرحلة التعافي، إلى جانب التنمية الإنسانية والاجتماعية باعتبارها شرطًا للسلام المستدام، مشددًا على أن تجاوز آثار الصراع يتطلب وقتًا وجهودًا طويلة لإعادة بناء العلاقة بين المواطن والدولة وتعزيز الشعور بالعدالة والانتماء.
وأشار اللواء الركن المتقاعد محمد باشا فرغل، خلال حديثه حول التخطيط الاستراتيجي لإدارة مرحلة ما بعد الصراعات، إلى أن هذه المرحلة لا تقل أهمية عن إدارة النزاع نفسه، بل تمثل الاختبار الحقيقي لقدرة الدول والمجتمعات على الانتقال من حالة الهشاشة إلى الاستقرار المستدام، وأوضح أن التخطيط الاستراتيجي لهذه المرحلة يجب أن يستند إلى رؤية متكاملة تجمع الأبعاد الأمنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية، وتعالج الأسباب الجذرية للأزمات بدل الاكتفاء بإدارة آثارها المباشرة.
وأضاف أن نجاح الانتقال من التعافي إلى التنمية يتطلب بناء مؤسسات وطنية فاعلة، قادرة على تقديم الخدمات وتعزيز سيادة القانون، إلى جانب دعم النشاط الاقتصادي وتوفير فرص العمل وتعزيز التماسك المجتمعي، مشددًا على أن الهدف النهائي لمرحلة ما بعد الصراعات يتمثل في بناء دولة تمتلك المناعة والقدرة على مواجهة التحديات المستقبلية، من خلال مؤسسات قوية واقتصاد مستدام وعقد اجتماعي يعزز الاستقرار والتنمية على المدى الطويل.
هذا، ويذكر أنه جرى خلال الجلسة نقاش موسع بين الحضور والمشاركين تناول أبرز القضايا والتحديات المرتبطة بمرحلة ما بعد الأزمات، وسبل تحويل رؤى التعافي إلى مسارات عملية تسهم في تعزيز الاستقرار والتنمية المستدامة.