بلاغة التشظي في خطاب السيرة الذاتية الروائية "شمطؤوت" قراءة سيميائية في الخطاب البصري واللغوي
راصد الإخباري -
مريم غسان المصري
نابلس/ فلسطين.
كشف الكاتب "خالد الجرَّاد" في خطابه السردي المندرج تحت مظلة السيرة الذاتية الروائية عن الذات، وتمحورها حول نفسها في عرضه لصفات الشخصية النرجسية المتمثلة بشخصية "شمطؤوت"، والمعنونة بعنوان الخطاب السردي نفسه؛ "إذ تعد الشخصية النرجسية أحد التصنيفات الكلينيكية التي تقوم على مفاهيم التحليل النفسي"، ويصفها الكاتب في خطابه "بأن مشكلتها ليست أخلاقية، بل تتعدى لتكون في اللوزة الدماغية الناشئة عن إفراط وتشغيل زائد في وظيفتها".
وقد سعى الكاتب من خلال خطابه السردي إلى تقديم نظرية نفسية مضمنة من خلال الوقوف عند الشخصية النرجسية وضحاياها، حيث تقمس الكاتب لإظهار ذلك شخصية المريض والمعالج والراوي والمنظر في الوقت ذاته؛ فالكاتب رسم أسلوب النص بشكل واضح وجلي؛ إذ كشف عن شخصيته العلمية الأدبية المبدعة، في تعامله مع اللغة، وقدرته على إيضاح الجانب النفسي المتعلق بالنرجسية، فهو صاحب عين ثاقبة وناقدة ليس في مجال اللغة فحسب؛ وإنما في كل ما يتصل بحياته، وعلى هذا فإننا نجد أسلوبه صورة ذاتية تعكس نفسه.
ولاشك بأن كل خطاب سردي يقوم على مثلث سيميائي مكون من غلافه وعنوانه ومضمونه السردي، و"شمطؤوت" كغيرها من الخطابات الأدبية، تبدو المرآة الدلالية للعنوان المتصدر على مساحة الغلاف بخط كبير متآكل، يتدلى منه خطوت تشبه قطرات الدم التي تحيلنا إلى حالة تمزق شخصية "رجب" وتفتتها وانهيارها النفسي والوجودي، وتقودنا المقاربة الدلالية في العنوان إلى تأثر الكاتب بأسطورة "عشتار" أو "عشتروت"، الآلهة الفينيقية التي جمعت بين الإباحة والإجرام الدموي، والرامزة إلى استغلال الآخرين، وهي هنا تتفق مع شخصية "شمطؤوت" الروائية التي عمدت إلى استبدال زوج مكان زوج، وتخلصت منه بالغدر والخداع والخذلان والسحر الشيطاني الذي مارسته على "رجب" والنفاق، كما أن العنوان يحيلنا في بنيته الدلالية إلى التفريق والتشتت وكلها صفات برزت في شخصية "شمطؤوت" نفسها، وعليه فالعنوان يجسد كتلة بصرية متداعية، الأمر الذي يعزز الإحساس بأن الشخصية المركزية تعيش في حالة انكسار أو انقسام داخلي.
وتنساب دلالات العنوان في حنايا الغلاف؛ إذ تبرز صورة الغلاف صورة مركزية لوجه إنساني منقسم إلى نصفين متقابلين، النصف الأول الأيسر يغمره اللون الأخضر، والنصف الأيمن يكتسي باللون الأحمر الداكن، فالانقسام هنا لا يظهر انفصالًا جسديًا فحسب، بل يعد انقسامًا نفسيًا وفكريًا وروحيًا؛ لأن الوجه يختزل دلالات الصراع الموجودة في هويتين أو حالتين متصارعتين داخل الشخصية نفسها، كما أن اختلاف العينين في أن العين اليسرى تبدو بشكلها الطبيعي، أما اليمنى فتظهر أكثر قتامة وحدة كعين الأفعى السامة أو الوحوش في تمثل للوجه الآخر للذات أو الجانب المظلم الكامن فيها.
ويستطيع المتلقي للوحة الغلاف أن يقارب بين الفضاء النفسي للوحة والنبض الدلالي الكامن في ألوانه؛ فاللون الأخضر يرمز إلى الحياة والأمل والتجدد والسلام الداخلي، وهو يحيل إلى مرحلة الصفاء أو البراءة أو الانتماء الروحي، وعودة الشخصية إلى ذاتها؛ "فرجب" من خلال جلسات العلاج النفسي تمكن من الوصول إلى ذاته، وأن تندمج ذاته مع شخصيته الحقيقية في الرواية وهو الكاتب نفسه "خالد"، ويرتبط اللون الأحمر بالصراع والألم والجراح والغضب والاضطراب التي تشير إلى شخصية "شمطؤوت" التي كانت منذ طفولتها من آلام قاستها وهي بين أسرتها، وانفصام شخصيتها ونرجسيتها إلى اضطراب في ذاتها، كما أن شخصيات الرواية نفسها قد كانت من ألم وجراح خلال فترة التشافي كون الشخصية ضحية لشخصية نرجسيته.
ويكشف هذا الصراع عن ثنائية ضدية تجسد صراعًا بين قوتين متناقضتين داخل الذات الساردة، بين الأمل واليأس، والتوزان والانكسار، والحياة والموت الرمزي، هذه الثنائيات تعبر عن رحلة نفسية معقدة في صفحات الرواية تسعى فيها شخصية "رجب" إلى تجاوز الانقسام الداخلي، نحو شكل من أشكال المصالحة مع الذات.
إن الغلاف يؤكد ثيمة تشظي الذات الازدواجية في تنازعها من خلال الأصوات والتجارب والذكريات، وقد تشير ثنائية اللونين الأحمر والأخضر إلى عالمين: عالم الذاكرة وعالم الواقع، أو عالم الماضي وعالم الحاضر، والموجود في الخطاب السردي نفسه.
إنَّ الكاتب في خطابه السردي يقف بين حقيقتين الأولى تمثل حقيقة الذات الواقعية التي تنتمي إلى السيرة، وهي التي بدأت تنكشف في المفاصل السردية في نهاية السيرة الذاتية الروائية، أما الثانية فترسم حقيقة الذات المتخيلة التي تنتمي إلى الرواية والحاضرة في صفحات السيرة الذاتية الروائية كلها؛ فالخطاب السردي ينبثق من شظيتين، هما: الذاكرة، والتجربة الإنسانية.
وتشير المصري في هذا السياق إلى أن صورة الغلاف تستدعي بعض البنى الأسطورية القائمة على ثنائية الخير والشر والنور والظلمة والذات وظلها، وهي تذكرنا بأسطورة القرين أو الظل الحاضرة في ثقافات وأساطير قديمة متعددة، وتحيلنا إلى فكرة الانشطار التي نجدها في الأساطير القديمة عندما ينقسم البطل بين قوتين متناقضتيْن أو هويتين مختلفتين، وقد ربط علماء النفس الأسطوريون، ومنهم "كارل غوستاف يونغ" بالظل أي الجانب المظلم المكبوت في الشخصية الذي يسعى إلى الظهور ومواجهة الذات، وهذه الفكرة ذات جذور أسطورية عميقة في حكايات الصراع بين النور والظلمة.
وتتقاطع الدلالات التي يحملها العنوان والغلاف مع المقاطع السردية في خطاب الكاتب "الجرَّاد"، والمتماهي نفسيًا ودلاليًا معهما؛ إذ يقول الكاتب: "في كل لمذذة يفهمها الشخص إلى حدود الإدراك، تنفك فيها عقدة مرضية نتيجة لصدمة ما فيها خفايا"، وفي قوله أيضًا: "وفيها تحولت الذكرى المؤلمة إلى تجربة حياتية مفهومة التفاصيل ومكشوفة الظلمات، وأخلاق مكتسبة ذات نفع، ولو أقله إدراك مكامن النرجسية"، ويقول في مقطع سردي آخر: "ألا تشعر او ترى أن كثرة تكرار النرجسية هو تعبير أو مؤشر لوجود العقدة المرضية منها، خاصة أنك من ضحاياها؟!"، وقد تجلى التعانق في عناوين فصول الخطاب السردي، حيث برزت إشعاعات العناوين الدلالية والمتصلة اتصالًا مباشرًا مع عنوان وغلاف الخطاب السردي، منها: "كيف أقنعتني المعجزات؟ والانتماء، واللمذذة، ومن هي شمطؤوت؟ والسرطان والنرجسية واللوزة الدماغية، ومتلازمة الحماقة والنرجسية" وغيرها.
تأسيسًا على ما تقدم، تجد المصري أن الخطاب السردي للكاتب يميل إلى الصبغة العلمية من خلال وجود مؤشرات سردية واضحة داخل نسيجه الحكائي؛ إذ لا يكتفي الخطاب بعرض التجربة الذاتية، أو استدعاء الذكريات بوصفها مادة سردية، بل يعمل على تفكيكها وتحليلها وربطها بمفاهيم ذات طابع نفسي ومعرفي، ويتجلى ذلك في استحضار مصطلحات مثل: العقدة المرضية، والنرجسية، واللوزة الدماغية، ومتلازمة الحماقة وغيرها، وهي مصطلحات تعود إلى حقول علم النفس والعلوم السلوكية، الأمر الذي يضفي على السرد بعدًا تفسيريًا متجاوزًا حدود الحكي التقليدي؛ فخطاب الكاتب ليس مجرد مشروع سردي فقط؛ وإنما رؤية سردية تستثمر المعرفة العلمية في قراءة الذات وإعادة بناء الوعي بها.







