محاضرة في منتدى الفكر العربي حول الإفتاء والوسطية في مواجهة التطرف

{title}
راصد الإخباري -



3 حزيران عمّان - نظّم منتدى الفكر العربي، بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات العُمانية في جامعة آل البيت، محاضرةً فكرية تناولت دور الإفتاء في تعزيز الاعتدال الفكري وترسيخ قيم الوسطية، وأهميته في حماية المجتمعات من مظاهر الغلو والتطرف.
وجاءت المحاضرة بعنوان: "دور الإفتاء في ترسيخ الوسطية وحماية المجتمع من الفكر المتطرف"، قدّمها سماحة الشيخ أحمد بن سعود السيابي، الأمين العام بمكتب المفتي العام لسلطنة عُمان، وأدارها الدكتور عامر الحافي، المستشار الأكاديمي للمعهد الملكي للدراسات الدينية، بمشاركة نخبة من الأكاديميين والباحثين والمختصين والمهتمين بالشأن الفكري والديني.
وخلال كلمتها الافتتاحيّة أكدت الأستاذة الدكتورة أماني جرار، القائم بأعمال الأمين العام أن ترسيخ قيم الوسطية والاعتدال وتعزيز خطاب الحكمة والتوازن الفكري والروحي والإنساني يمثل ضرورةً ملحّة في ظل التحديات الفكرية التي تواجه المجتمعات العربية والإسلامية، مشيرةً إلى أن حماية الوعي وصون الدين من التوظيف المشوَّه يشكلان ركيزة أساسية في مواجهة التطرف والغلو.
وأوضحت إن قضية الإفتاء تتجاوز أبعادها الفقهية والمعرفية لتلامس سؤالاً حضارياً يتعلق بمستقبل المجتمعات وقدرتها على حماية الإنسان من الانغلاق والكراهية والتطرف، مؤكدةً أهمية بناء خطاب فكري ومجتمعي يعزز قيم المواطنة والتسامح والحوار.
وأشارت إلى رؤية صاحب السمو الملكي الأمير الحسن بن طلال، رئيس مجلس أمناء منتدى الفكر العربي، في مواجهة التطرف، والتي تؤكد أن بناء المعرفة وترسيخ قيم المواطنة وصياغة خطاب فكري يستند إلى مفهوم الدولة المدنية أو دولة المواطنة، يشكل الأساس في التصدي للفكر المتطرف.
وخلال إدارة الجلسة تناول الدكتور عامر الحافي جملة من القضايا المرتبطة بدور الإفتاء في السياق المعاصر، مؤكدًا أن الإفتاء يمثل إحدى أهم الأدوات العلمية والمجتمعية في ضبط الخطاب الديني، وترسيخ الوعي الديني الرشيد، وتعزيز حضور المؤسسات الدينية في معالجة القضايا المجتمعية والفكرية.
وأشار إلى أهمية الوعي بطبيعة عمل المفتي وثقافته الموسوعية، ودوره في التعامل مع القضايا المجتمعية المستجدة، بما يضمن تقديم أحكام شرعية منضبطة تستند إلى أصول العلم ومقاصد الشريعة، وتراعي الواقع وتحولاته، مؤكدًا أن المفتي ليس ناقلًا للحكم فحسب، بل هو فاعل في بناء الوعي المجتمعي وتعزيز الاستقرار الفكري.
كما حذّر من خطورة استغلال فوضى الفتاوى في الفضاءات الرقمية والإعلامية، لافتًا إلى أن هذه الفوضى قد تُوظّف من قبل بعض التيارات المتطرفة في الترويج لأفكارها وتوسيع دائرة التأثير الفكري المنحرف، الأمر الذي يستدعي تعزيز المرجعيات العلمية الموثوقة وضبط عملية الإفتاء ضمن مؤسسات رسمية راسخة.
وتطرق إلى قضية فتاوى التكفير وأحكام القتال والردة، موضحًا ضرورة قراءتها في سياقاتها العلمية الدقيقة وعدم اقتطاعها أو توظيفها خارج أطرها الشرعية، مشيرًا إلى أن الفكر المتطرف غالبًا ما يستغل هذه النصوص لتبرير ممارسات عنف أو إقصاء غير منضبط شرعًا أو عقلًا
وبدوره أكد سماحة الشيخ أحمد بن سعود السيابي أن الإفتاء يمثل إحدى الركائز الأساسية في حفظ استقرار المجتمعات وصيانة أمنها الفكري، لما يضطلع به من دور في بيان الأحكام الشرعية وفق منهج علمي رصين قائم على الاعتدال والوسطية، مشيرًا إلى أن الإسلام جاء بمنهج متوازن يرفض الإفراط والتفريط، ويعزز قيم التسامح والتعايش واحترام التنوع الإنساني.
وتناول سماحة السيابي مفهوم الوسطية والاعتدال في الإسلام بوصفه منهجًا حضاريًا وأخلاقيًا يقوم على التوازن والعدل، مبينًا أن ترسيخ هذا المفهوم يسهم في بناء مجتمعات أكثر استقرارًا وقدرة على مواجهة التحديات الفكرية والثقافية المعاصرة.
كما حذّر من خطورة الفتاوى الشاذة والمتشددة التي تفتقر إلى التأصيل العلمي السليم، لما تسببه من إثارة للغلو والتكفير والنزاعات داخل المجتمعات، مؤكدًا أن الفتوى مسؤولية شرعية وعلمية تتطلب الإحاطة بمقاصد الشريعة ومراعاة مصالح الناس ومتغيرات الواقع.
واستعرض دور المؤسسات الدينية الرسمية والهيئات الإفتائية في حماية المجتمع، ولا سيما فئة الشباب، من التيارات الفكرية المنحرفة، من خلال نشر الوعي الديني الرشيد، وتعزيز ثقافة الحوار، وتقديم الخطاب الديني المعتدل القادر على مخاطبة مختلف الفئات بلغة معاصرة تستجيب لاحتياجاتها وتساؤلاتها.
هذا، ويذكر أنه جرى نقاش موسع بين الحضور والمحاضر حول عدد من القضايا المرتبطة بالإفتاء ودور المؤسسات الدينية في مواجهة التطرف وتعزيز ثقافة الوسطية والاعتدال في المجتمعات.