العراق يناقش انهاء هيمنة الدولة على الاقتصاد وتفعيل دور القطاع الخاص

{title}
راصد الإخباري -

فتح تصريح رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي الداعي الى تجاوز "العقلية الاشتراكية" في ادارة الاقتصاد نقاشا واسعا بشان مستقبل الاقتصاد العراقي وامكانية الانتقال من اقتصاد تقوده الدولة الى دور اكبر للقطاع الخاص في بلد ما يزال يعتمد بصورة كبيرة على النفط والوظيفة الحكومية.

وفي تصريح له قال الزيدي خلال زيارته الى وزارة المالية الاتحادية ان دور الدولة هو التنظيم والمراقبة وانهم يدعمون القطاع الخاص فهو من سينهض بالتنمية مضيفا ان واجبهم هو مراعاة الفئات الفقيرة لكن لا يجب استمرار العمل بالعقلية الاشتراكية في الاقتصاد.

بهذا الصدد يرى المدير التنفيذي لصندوق العراق للتنمية محمد النجار ان حديث رئيس الوزراء علي الزيدي عن التحول من العقلية الاشتراكية في ادارة الاقتصاد يفتح للمرة الاولى منذ عقود نقاشا مختلفا بشان شكل الاقتصاد العراقي ومستقبله بعد سنوات طويلة من الاعتماد على الدولة بوصفها المحرك الرئيسي لكل مفاصل السوق.

ويعيد النجار جذور هذا النموذج الى الحكومات التي تعاقبت على العراق منذ خمسينيات القرن الماضي حين ادير الاقتصاد بعقلية تقوم على مركزية الدولة وهيمنتها على النشاط الاقتصادي وهو النهج الذي استمر حتى بعد عام 2003.

ومع تصاعد الازمات الاقليمية الاخيرة خاصة مع اغلاق مضيق هرمز بدت هشاشة هذا النموذج اكثر وضوحا حين انكشف حجم اعتماد العراق على الايرادات النفطية التي تشكل اكثر من 90% من موارده المالية ومن هنا يعتقد النجار ان هذه التطورات قد تدفع البلاد اخيرا نحو تحول اقتصادي حقيقي بعد عقود من الاعتماد المفرط على الايرادات النفطية.

وبحسب النجار فان بداية هذا التحول تمر عبر اعادة صياغة دور وزارة المالية نفسها بحيث لا تبقى جهة مهمتها توزيع الاموال فقط بل تتحول الى مؤسسة تخطط لادارة الموارد وتوجيه الانفاق وفق اولويات التنمية وفي موازاة ذلك يطرح النجار ضرورة بناء بيئة تشريعية جديدة تمنح القطاع الخاص مساحة فعلية للمشاركة في مشاريع التنمية والتنويع الاقتصادي باعتبار ان اي انتقال من الاقتصاد الريعي الى اقتصاد اكثر استدامة لن يكون ممكنا من دون دور حقيقي للسوق والاستثمار الخاص.

وياتي حديث رئيس الوزراء العراقي في وقت قرا فيه البرلمان خلال فصله التشريعي السابق 23 مسودة قانون توزعت على مختلف اللجان وكانت نحو 70% من هذه المسودات تتضمن توجها نحو زيادة الترهل الوظيفي عبر استحداث هيئات ومجالس جديدة بعضها يرتبط بالوزارات ومنها لا ترتبط مباشرة.

ويرى الخبير المالي والاقتصادي علي الراوي ان الاقتصاد العراقي بصيغته الحالية لا يزال غير مهيا لقيادة قطاع خاص قادر على حمل جزء اساسي من النشاط الاقتصادي الا ان الازمات التي مرت بها البلاد خلال السنوات الاخيرة جعلت الحاجة الى هذا التحول اكثر الحاحا من اي وقت مضى.

لكن هذا التحول كما يراه الراوي لا يمكن ان يتحقق من دون اعادة تنظيم بيئة العمل الاقتصادية بشكل كامل اذ ما يزال القطاع الخاص يصطدم بعقبات معقدة تبدا من الفساد والبيروقراطية اللذين يعرقلان انطلاق المشاريع وصولا الى ضعف القطاع المصرفي الذي لا يوفر التمويل الكافي ولا يهيئ مساحة حقيقية لنمو الشركات والاستثمارات.

ولا تتوقف التحديات عند الجانب الاداري والمالي فقط بل تمتد ايضا الى الثقافة المجتمعية المرتبطة بسوق العمل حيث ما تزال الوظيفة الحكومية تمثل لدى كثير من الخريجين الضمان الوظيفي الاكثر استقرارا ويرى الراوي ان هذا المفهوم يحتاج الى تغيير تدريجي عبر ترسيخ قناعة بان القطاع الخاص قادر على توفير فرص اوسع ورواتب اعلى اذا ما توفرت له البيئة المناسبة للنمو.

فمع تزايد اعداد الخريجين سنويا واتساع حجم القوى العاملة بات الاقتصاد العراقي عاجزا عن توفير فرص العمل الكافية عبر القطاع الحكومي وحده في وقت تتعرض فيه الموازنة لضغوط متصاعدة بسبب تضخم الرواتب والانفاق التشغيلي.

ويرى كرار محمد وهو موظف حكومي متعاقد ان غالبية العراقيين ما يزالون يفضلون الوظيفة الحكومية لغياب قطاع خاص يضمن حقوق العاملين او يطبق القوانين المنظمة لسوق العمل بشكل فعلي ما يجعل الوظيفة الحكومية الخيار الاكثر استقرارا وامانا داعيا الحكومة الى اعادة احياء الصناعة المحلية وتحريك عجلة الانتاج لاستيعاب الاعداد الكبيرة من الخريجين العاطلين عن العمل متسائلا في الوقت نفسه عن مصير الخدمات التي توفرها الدولة مثل مجانية التعليم والصحة في حال تغير شكل الاقتصاد العراقي الحالي.

وتحاول الحكومة العراقية للمرة الاولى خوض مواجهة مباشرة مع ارث اقتصادي تشكل على مدى عقود حول الدولة الريعية والوظيفة الحكومية الا ان الانتقال نحو اقتصاد اكثر انفتاحا على القطاع الخاص لا يبدو مهمة سهلة في بلد ما تزال مؤسساته تعاني البيروقراطية فيما تنظر الى الوظيفة الحكومية باعتبارها الضمان الاجتماعي الاكثر استقرارا.

وبين الحاجة الى اصلاح اقتصادي حقيقي ومخاوف الشارع من فقدان الامتيازات والخدمات التي وفرتها الدولة لعقود تتحول معركة اعادة تشكيل الاقتصاد العراقي الى اختبار معقد ومفتوح على تحديات كبيرة.