بترايوس يقدم ورقة انهاء السلاح بالعراق لواشنطن

{title}
راصد الإخباري -

قال مسؤولون عراقيون ان الولايات المتحدة اشترطت نزع سلاح الفصائل المسلحة وعزل قياداتها وتعيين ضباط محترفين مشرفين على البنية التحتية لـ«الحشد الشعبي» كمقدمة لدمج الهيئة، مبينين ان واشنطن تقول إنها عقبة كبيرة امام استئناف علاقات طبيعية مع بغداد.

غير ان جماعات شيعية رأت ان تنفيذ «الخطة الجريئة» التي لا تزال قيد النقاش، يضع حكومة علي الزيدي في مواجهة غير متكافئة مع ايران والفصائل المرتبطة بها، في ظل انعدام الضمانات، محذرة من «انقسامات داخلية واضطرابات».

تزامنت المعلومات التي كشف عنها مسؤولون شاركوا في نقاشات فنية وسياسية عن مستقبل «الحشد الشعبي» مع زيارة قام بها الجنرال الاميركي المتقاعد ديفيد بترايوس الى بغداد الاسبوع الماضي، بصفته «خبيرا مستقلا» يقدم خدمات استشارية للبيت الابيض.

بعد مغادرته بغداد، كتب بترايوس في منصة «لنكد ان» في 17 مايو، ان «المسؤولين العراقيين الذين التقاهم اعترفوا باهمية ضمان احتكار اجهزة الامن العراقية لاستخدام القوة»، موضحا انه غادر العراق «متفائلا بما سمعه رغم بقائه واقعيا بشان طبيعة العلاقة مع ايران».

علمت «الشرق الاوسط» ان بترايوس مكث 5 ايام في بغداد، التقى خلالها مسؤولين عراقيين رفيعي المستوى، وكان مصير مقاتلي «الحشد الشعبي» في صلب «نقاشات جادة» حسب مصادر.

قال متحدث باسم الخارجية الاميركية لـ«الشرق الاوسط» ان بترايوس زار بغداد بصفته «مواطنا عاديا ليس اكثر»، غير ان مستوى اللقاءات التي عقدها هناك، وشملت رئيس القضاء العراقي فائق زيدان، ورئيسي الحكومة والبرلمان علي الزيدي وهيبت الحلبوسي، ورئيس جهاز مكافحة الارهاب الفريق الركن كريم التميمي، تجاوز الطابع الشخصي.

قالت شخصية عراقية مطلعة لـ«الشرق الاوسط» ان «اجتماعات بترايوس تمحورت حول هدف واحد فقط: اصلاح المؤسسة العسكرية وانهاء الصيغة الحالية لـ(الحشد الشعبي)، مع بحث اليات واقعية قابلة للتطبيق لدمج عناصره في المؤسسات الامنية».

يعد بترايوس من ابرز القادة الذين ارتبط اسمهم بالحرب في العراق بعد 2003، واكتسب خبرته عبر ادوار ميدانية واستراتيجية متعددة، ابرزها قيادته «الفرقة 101» المحمولة جوا خلال الغزو الذي اطاح بنظام صدام حسين.

يشغل بترايوس الان منصب الشريك ومسؤول العمليات في شركة «KKR» المتخصصة في ادارة الاصول الاستثمارية حول العالم، وتفيد بيانات متاحة عبر موقعها الالكتروني بان نشاطها يتوسع في بلدان الشرق الاوسط دون اي اشارة للعراق.

لم ترد شركة «KKR» على طلبات «الشرق الاوسط» للتعليق حول طبيعة زيارة بترايوس الى بغداد وما اذا كان البيت الابيض قد اناط اليه مهمة استشارية هناك.

لكن 3 شخصيات حكومية وسياسية اكدت لـ«الشرق الاوسط» ان الجنرال الاميركي «مكلف صياغة ورقة تنفيذية قابلة للتنفيذ تسلم الى البيت الابيض في وقت لاحق عبر المبعوث الاميركي الى سوريا توم براك».

يقول مقربون من رئيس الحكومة الجديد في بغداد لـ«الشرق الاوسط» ان «علي الزيدي سيناقش هذا الملف الحساس مع الرئيس الاميركي دونالد ترمب اذا ما تحققت زيارة منتظرة الى البيت الابيض»، وقال مسؤول عراقي رفض الكشف عن هويته ان «الموعد الاولي قد يحدد بعد عيد الاضحى في يونيو المقبل»، مشيرا الى ان «الموعد قد يتاثر بظروف المفاوضات بين واشنطن وطهران».

قال شخص مطلع على اجواء الاجتماعات التي شارك فيها بترايوس ان «بعض المسؤولين العراقيين تحدثوا مع الجنرال الاميركي كما لو انهم يتحدثون مع (الرئيس الاميركي) ترمب (...) اظهروا صراحة غير معهودة بشان مخاوفهم من تداعيات محتملة من خطط نظرية حتى الان بشان (الحشد)».

وقال اخر ان «الجنرال الاميركي سمع اكثر مما تكلم مع المسؤولين العراقيين، لكنه كان واضحا بشان ما تريده واشنطن: القضاء على مصدر التهديد الاقليمي»، ومع ذلك «غادر الجنرال بغداد دون يقين كامل بقدرة بغداد على انهاء المشكلة وفق الرؤية الاميركية».

قال دبلوماسيان غربيان لـ«الشرق الاوسط» اشترطا عدم الافصاح عن هويتهما ان «ثقة الولايات المتحدة تراجعت بشكل حاد في الاشهر الاخيرة من حكومة السوداني بسبب ما اعتبر تساهلا مع هجمات الفصائل المسلحة خلال الحرب، وهو ما قد يدفع ثمنه رئيس الحكومة الحالي حين يطلب منه المزيد من الضمانات الامنية والسياسية بشان فرض السيادة».

مع استمرار الهجمات على دول الخليج واتهام الولايات المتحدة للحكومة العراقية السابقة بتامين غطاء رسمي لهذه الجماعات، تحول «الحشد الشعبي» وما يتصل به من فصائل مسلحة الى «عقدة يصعب تفكيكها»، ويقول مسؤول عراقي ان هذا الملف «خطر يجب التعامل معه لكن عند الاقتراب منه قد ينفجر في وجهك».

تامل واشنطن ان يتمكن رئيس الحكومة الجديد علي الزيدي وهو رجل اعمال يشاع ان تجارته ازدهرت تحت ظلال السياسة من عزل حكومته عن النفوذ الايراني، وترى ان مسالة السلاح المنفلت اختبار لمواصلة الثقة واستئناف الدعم، لكن المهمة ليست سهلة حسب مقرب منه.

قال شخص ذو اطلاع على مشاورات سياسية بشان «الحشد الشعبي» ان «بترايوس لم يجب عن اسئلة طرحها مسؤولون عراقيون عما اذا كان هناك غطاء كاف لمواجهة ايران في حال تم حل (الحشد الشعبي)».

«الحشد الشعبي» بالنسبة لقيادات شيعية في العراق «مسالة مصيرية» و«خط احمر لا يمكن تجاوزه» على حد وصف مسؤولين مقربين من الفصائل، لكن هذه الهيئة وقعت في شرك استقطاب اقليمي حاد منذ اندلاع احداث 7 اكتوبر وباتت منخرطة بشكل مباشر خلال الحرب الاخيرة بين الولايات المتحدة وايران.

ظهر متحدثون مقربون من الفصائل المسلحة في وسائل اعلام مرئية وهم يلوحون بـ«التنكيل باي مسؤول حكومي او سياسي يشارك في مشروع لدمج او حل (الحشد الشعبي)».

قال قيادي في فصيل مسلح لـ«الشرق الاوسط» ان «ايران حثتهم اخيرا على مقاومة المسار الاميركي الذي يهدف الى انهاء اكبر قوة عسكرية تضمن مصالحها في المنطقة»، واضاف ان «جنرالات (الحرس الثوري) الذين يلعبون ادوارا اشرافية في فصائل شيعية وبينهم من يديرون غرفة عمليات المقاومة الاسلامية في العراق سيضعون العصي في الدواليب اذا ما تحركت نحو حل (الحشد الشعبي)».

قال عضو في البرلمان العراقي مقرب من «كتائب حزب الله» لـ«الشرق الاوسط» ان «الحشد الشعبي» مؤسسة تعمل تحت مظلة قانون شرعه البرلمان العراقي عام 2016 وحله يتطلب اليوم تصويتا في البرلمان.

تحتفظ الجماعات الشيعية المسلحة باجنحة سياسية نافذة في البرلمان العراقي، وتقول تقديرات انها تشغل نحو 80 مقعدا، بينما يتمتع التحالف الشيعي الحاكم (الاطار التنسيقي) باغلبية مريحة تقدر بـ180 مقعدا من اصل 329 مقعدا ما يمنحه قدرة عالية على التاثير في مسار التشريع.

قال عضوان في «الاطار التنسيقي» لـ«الشرق الاوسط» ان «اغلبية قادة التحالف الشيعي ابلغت رئيس الحكومة انها متفقة بشان مخاطر الفصائل، لكن حل المشكلة بحاجة الى حوار وطني وخطة حوافز ضمن خطة اشمل تتداخل فيها المرجعية الدينية في النجف نظرا الى حساسية التوازنات السياسية والامنية المرتبطة به».

قال مستشار غربي يعمل في العراق لـ«الشرق الاوسط» ان «واشنطن باتت تقيم مثل هذه الافكار على انها محاولات لشراء الوقت وان التحذير من مخاطر حل (الحشد) يستخدم كورقة ضغط مضادة على الولايات المتحدة».

افاد مسؤول عراقي بان «مسؤولين اميركيين سبقوا نقاشات بترايوس في بغداد اوضحوا للمسؤولين المحليين ان التغاضي عن مشكلة (الحشد الشعبي) مكلف للغاية».

على هذا الاساس وفق مصادر تجاهلت الولايات المتحدة مقترحات عراقية اعتبرت شكلية لدمج «الحشد الشعبي» او اعادة هيكلته وتغيير قياداته.

اقرت الحكومة العراقية في منهاجها الذي صادق عليه البرلمان العراقي «تحديد مسؤوليات (الحشد الشعبي) ضمن المنظومة العسكرية والامنية».

رفض مكتب الزيدي الاجابة عن اسئلة «الشرق الاوسط» بشان كيفية تنفيذ برنامج الحكومة المتعلق بـ(الحشد الشعبي) وما اذا كان قد شارك في اي خطط تنفيذية بهذا الشان مع الولايات المتحدة.

وفق خمس شخصيات عراقية وغربية تحدثت الى «الشرق الاوسط» فان مقترحات تقدم بها اعضاء في «الاطار التنسيقي» كانت تهدف الى ترقية «الحشد الشعبي» وفصائل اخرى الى تشكيل وزاري جديد او اعادة هيكلتها ضمن اطار اداري تحت اشراف رئيس الحكومة لم تجد «اذنا مصغية» من الاميركيين.

خلال الاسبوع الماضي ظهر متحدثون مقربون من جماعات شيعية في محطات التلفزيون المحلية للترويج لمقترح انشاء «وزارة الامن الاتحادي»، وزعموا انها ستكون مظلة لـ«الحشد الشعبي» وتشكيلات امنية اخرى مثل «قوات الرد السريع» و«حرس الحدود».

قالت مصادر مطلعة لـ«الشرق الاوسط» ان الولايات المتحدة تركز بشكل جدي على فرض السيادة العراقية المطلقة على القرارين السياسي والامني وازالة مصادر التهديد التي تصفها بالارهابية حتى تتمكن بغداد من العيش بسلام مع جيرانها.

يعتقد على نطاق واسع في بغداد ان الهجمات التي انطلقت مؤخرا ضد السعودية والامارات جزء من حملة مزدوجة من استراتيجية «الحرس الثوري» في المنطقة في نطاق الحرب وفي الوقت نفسه محاولة ردع لحماية وضع «الحشد الشعبي» ومنع تقليص نفوذه.

في 18 مايو قال المسؤول الامني في «كتائب حزب الله» ابو مجاهد العساف في بيان صحافي ان هذا الفصيل «مستعد للرد على الولايات المتحدة في جميع المجالات في حال استهداف قادة المقاومة و(الحشد الشعبي)».

مع ذلك توقعت شخصيتان عراقيتان «انطلاق مرحلة اولى خلال الفترة المقبلة تتضمن تسليم سلاح ثقيل ومتوسط الى جهة امنية عراقية موثوقة متفق عليها بين الحكومة العراقية والولايات المتحدة حسب وصفهما.

تتضمن المرحلة الاولى ايضا وفق احدى الشخصيتين ازاحة شخصيات متورطة بهجمات ضد الولايات المتحدة وحلفائها في المنطقة وتعيين جنرالات عراقيين مشرفين على البنية التحتية التي تضم مسلحي «الحشد الشعبي».

علمت «الشرق الاوسط» ان اجنحة مسلحة لديها تمثيل سياسي في البرلمان تتفاوض لاستعادة حصصها في الحكومة العراقية بعد تسليم سلاحها، لكنها تطلب ضمانات اكيدة من ازالتها من قائمة الجماعات الممنوعة من المشاركة في الحكومة.

لا تزال حقائب وزارية في حكومة علي الزيدي شاغرة بسبب خلافات داخل «الاطار التنسيقي»، لكن ثمة مناصب ارجئت الى اشعار اخر بسبب «فيتو» اميركي على فائزين في الانتخابات لديهم اجنحة مسلحة وارتباطات بايران.