تونس: تقنين الدولار يفاقم ازمة الشركات ونقص الادوية
منذ اسابيع، اصبح عادل يواظب على الجلوس في مقهى شعبي بعد فقدانه عمله في مصنع لقطع غيار السيارات، مبينا ان غياب المواد الاولية المستوردة ادى الى تقليص نشاط المصنع والاستغناء عن العمال.
وقال عادل للجزيرة نت وهو يحتسي قهوته بصمت: "لم اكن اجلس هنا الا في عطلة نهاية الاسبوع، اما الان فاصبحت ايامي كلها متشابهة"، مضيفا انه حصل على عمل جديد كموزع لقطع الغيار بين المحافظات التونسية.
وفي بلد تتجاوز فيه نسبة البطالة 15%، ما يزال العشرات يبحثون عن عمل وسط ازمة اقتصادية وضغوط على احتياطي البلاد من العملات الاجنبية، حيث تواجه تونس صعوبات متنامية في توفير النقد الاجنبي بسبب ارتفاع الواردات وتباطؤ النمو وضعف الاستثمار.
اثار منشور للبنك المركزي التونسي جدلا واسعا بعد فرضه قيودا على تمويل واردات منتجات مصنفة "غير ذات اولوية"، حيث ينص المنشور رقم 4 لسنة 2026 على منع البنوك من تقديم تسهيلات ائتمانية لاستيراد سلع الا بتغطية كاملة لقيمة البضاعة نقدا قبل التوريد.
ويشمل القرار السيارات السياحية والملابس والمنسوجات ومنتجات غذائية، فيما يقول المركزي التونسي ان هذه الاجراءات تهدف الى ترشيد الواردات والحفاظ على النقد الاجنبي، لكن فاعلين اقتصاديين اعتبروا ان القرار يضع الاف المؤسسات امام صعوبات مالية.
داخل شركة ناشئة، تحدث مصطفى الرياحي عن صعوبات توفير العملات الاجنبية، موضحا ان سقف التمويل المخصص للشركات التكنولوجية لا يسمح بالتوسع، وان الدولة تمنحهم نحو 3 الاف دولار سنويا، وهو مبلغ غير كاف لشراء المعدات التقنية او تسويق الخدمات الرقمية.
واضاف الرياحي: "نعمل في سوق مفتوح، لكن القيود المفروضة على النقد الاجنبي تجعل تطوير النشاط شبه مستحيل".
خلال الاشهر الاخيرة، تكررت منشورات لمواطنين يبحثون عن ادوية مفقودة او يطلبون المساعدة لجلبها من الخارج، حيث تشير شهادات صيادلة الى فقدان عشرات الاصناف من الادوية، بعضها مرتبط بامراض مزمنة، فيما يتعلق النقص بالادوية المستوردة التي تؤمنها الدولة عبر الصيدلية المركزية.
وفي هذا السياق، قال رئيس نقابة اصحاب الصيدليات الخاصة زبير قيقة للجزيرة نت ان تحميل مختبرات الادوية الدولية مسؤولية فقدان الادوية "طرح غير واقعي"، مضيفا ان العلاقة معها ترتبط بتسديد المستحقات واحترام اجال الدفع.
كما شهدت الاسواق التونسية نقصا في مواد اخرى مثل القهوة والسكر والزيت النباتي، وهو ما يربطه خبراء بتراجع عمليات التوريد والضغوط على احتياطي النقد الاجنبي.
تشير بيانات المعهد الوطني للاحصاء الى ارتفاع عجز الميزان التجاري خلال الربع الاول من سنة 2026 الى نحو 2.5 مليار دولار، نتيجة ارتفاع قيمة الواردات بنسبة 7.9%.
في المقابل، كشف تقرير للبنك المركزي التونسي ان احتياطي البلاد من العملات الاجنبية بلغ 8.6 مليارات دولار، بما يغطي 104 ايام من الاستيراد، ويرى خبراء اقتصاد ان تونس تتجه نحو تشديد سياستها الحمائية للحفاظ على الاحتياطي من العملات الاجنبية.
وقال الخبير الاقتصادي سامي العرفاوي في تصريح للجزيرة نت ان الحذر في ادارة النقد الاجنبي "اصبح ضرورة في ظل الوضع الحالي"، لكنه يعتبر ان الاكتفاء بسياسة التشدد لا يمثل حلا طويل المدى، مضيفا ان تجاوز الازمة يتطلب دفع الاستثمار والتصدير باعتبارهما المصدر الاهم لزيادة مداخيل الدولة من العملات الاجنبية.
وفي مواجهة هذا الضغط على احتياطي النقد الاجنبي، تراهن تونس على تحويلات التونسيين بالخارج وعائدات السياحة، حيث بلغت تحويلات التونسيين المقيمين بالخارج نحو 999 مليون دولار خلال الاشهر الاربعة الاولى من 2026، فيما سجلت عائدات السياحة نحو 620 مليون دولار في الفترة نفسها.
كما تعتمد تونس على صادرات بعض المنتجات الفلاحية والفوسفات، وبين مقاه امتلأت بعاطلين وصيدليات يبحث زبائنها عن ادوية مفقودة وشركات تكافح لتامين الدولار، تبدو ازمة النقد الاجنبي في تونس اكثر من مجرد ارقام مالية، انها ازمة تنعكس على تفاصيل الحياة اليومية.







