تصعيد اسرائيلى جنوب لبنان وانذارات باخلاء بلدات
لم تعد الهدنة في جنوب لبنان فاصلا بين الحرب والسلم بل تحولت إلى منصة إسرائيلية لإعادة تشكيل الميدان وفرض وقائع أمنية وجغرافية جديدة بالنار وذلك عبر توسيع الانذارات والغارات والتحركات شمال الليطاني، بما يوحي بمحاولة رسم حدود أمنية غير معلنة داخل الجنوب.
وبرز هذا التحول مع التصعيد الواسع يوم الجمعة حيث شن الجيش الإسرائيلي غارات مكثفة من صور إلى النبطية بالتزامن مع توسيع انذارات الاخلاء إلى بلدات بعيدة نسبيا عن الشريط الحدودي في مشهد استعاد بدايات الحرب لكن بدلالات تتجاوز الضغط العسكري إلى إعادة رسم الخريطة الأمنية للجنوب.
ووجه المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي افيخاي ادرعي انذارات عاجلة إلى سكان عين بعال والخرايب والزرارية وعربصاليم وعرب الجل داعيا إلى الإخلاء الفوري والابتعاد أكثر من الف متر، بعدما سبقت ذلك صباحا تحذيرات مشابهة شملت شبريحا وحمادية صور وزقوق المفدي ومعشوق والحوش في مؤشر إلى أن سياسة الانذارات باتت جزءا من استراتيجية ضغط نفسي وميداني لدفع السكان تدريجيا بعيدا عن مساحات واسعة من الجنوب.
ميدانيا توسعت الغارات الإسرائيلية لتشمل شحور والنبطية الفوقا وميفدون وفرون والقصيبة ومجدل سلم إضافة إلى مناطق بين تبنين والسلطانية والحمادية والشبريحا وطيرفلسيه والشعيتية وحوش صور فيما استهدفت غارتان صريفا وبرج قلاويه.
وترافق التصعيد مع قصف مدفعي على ميفدون والنبطية الفوقا وكونين وبرعشيت وبيت ياحون وزوطر الشرقية واستهداف دراجة نارية في المجادل وغارة على مركز «النجدة الشعبية» قرب مستشفى حيرام أدت إلى إصابات بينما دمر حي كامل في شوكين والنبطية الفوقا يضم مبنى البلدية ومباني سكنية وفي النبطية قتلت غارة قرب النادي الحسيني شخصين وأصابت ثالثا أثناء نقل مساعدات كما ألحقت أضرارا بـ3 سيارات إسعاف تعطلت إحداها بالكامل.
في موازاة التصعيد أعلن الجيش الإسرائيلي قتل نحو 60 مسلحا خلال أسبوع واستهداف أكثر من 100 بنية تحتية لـ«حزب الله» رغم استمرار الحديث عن الهدنة.
ما يجري جنوبا لم يعد يقرا بوصفه خروقات متفرقة لوقف إطلاق النار بل بوصفه مسارا إسرائيليا متدرجا لإعادة هندسة الجغرافيا الأمنية للجنوب عبر توسيع نطاق النار والانذارات والتحركات العسكرية بما يوحي بأن تل ابيب انتقلت من منطق الردع إلى محاولة فرض حدود ميدانية جديدة بالقوة.
في موازاة التصعيد الجوي برزت التحركات العسكرية الإسرائيلية في محيط زوطر الشرقية وسط مخاوف من محاولة توسيع نطاق العمليات شمال الليطاني وخلق شريط ميداني جديد يتجاوز القرى الحدودية التقليدية.
وشهد محيط زوطر الشرقية ليل الخميس الجمعة تحركات إسرائيلية وصفت بأنها محاولة تقدم واستكشاف ميداني في المنطقة بالتزامن مع قصف مكثف طال الاطراف المحيطة بعلي الطاهر.
وقال مصدر محلي في جنوب لبنان إن القوات الإسرائيلية حاولت التقدم ليلا في محيط زوطر تحت غطاء ناري كثيف واستطلاع جوي متواصل مشيرا إلى أن التحركات ترافقت مع نشاط للطيران المروحي والاستطلاعي فوق المنطقة.
وأوضح المصدر أن التحرك بدا أقرب إلى عملية جس نبض ميدانية ومحاولة تثبيت نقاط نار ومراقبة في التلال المشرفة لافتا إلى أن المنطقة تشهد منذ أيام تصعيدا متدرجا يوحي بمحاولة إسرائيلية لتوسيع نطاق عملياتها شمال الليطاني.
وأشار المصدر إلى أن القصف المكثف والاستطلاع الجوي المستمر يتركزان على زوطر في محاولة توحي بتحضير تحرك ما نحو علي الطاهر لافتا إلى أن الجيش الإسرائيلي يحاول إحراق المناطق المفتوحة والمشرفة لمنع أي تحرك أو تموضع في تلك التلال والأودية.
رغم تصاعد الخطاب الإسرائيلي حول إعادة رسم الحدود بالنار يؤكد العميد المتقاعد خليل الحلو أن ما يجري يرتبط باعتبارات أمنية وعسكرية فرضتها الحرب الأخيرة وليس بأي تعديل قانوني للحدود اللبنانية.
وقال الحلو إن الحديث الإسرائيلي عن إعادة رسم الحدود مع لبنان لا يستند إلى أي أساس قانوني موضحا أن الحدود الدولية الوحيدة المرسمة والمعترف بها بين لبنان وفلسطين رسمت عام 1923 ثم ثبتت مجددا في اتفاقية الهدنة عام 1949 وهذه الحدود لا تزال قائمة ومعترفا بها دوليا.
وأضاف أن كل ما يثار اليوم عن خطوط جديدة لا علاقة له بترسيم الحدود بل يرتبط باعتبارات أمنية وعسكرية فرضتها الحرب الأخيرة مشيرا إلى أن خط التماس الحالي مع إسرائيل يبلغ نحو 140 كيلومترا بسبب احتلال الجولان السوري بينما الحدود الدولية الفعلية بين لبنان وفلسطين لا تتجاوز 70 كيلومترا.
وأوضح الحلو أن الخط الأصفر الذي يجري الحديث عنه حاليا ليس حدودا جديدة بل منطقة أمنية تبعد نحو 10 كيلومترات عن الحدود هدفها إبعاد الأسلحة المضادة للدروع التي يستخدمها (حزب الله) ضد الداخل الإسرائيلي.
وأضاف أن إسرائيل أقامت جنوب هذا الخط مواقع وتحصينات ونقاط تمركز فعلية فيما تعمل شماله على خلق منطقة عازلة غير معلنة عبر الضغط على السكان ودفعهم إلى المغادرة بسبب استمرار استخدام المسيرات والصواريخ من تلك المناطق.
وفيما يتعلق بالتحركات الإسرائيلية في محيط زوطر وأرنون وقلعة الشقيف رأى الحلو أن ما يجري لا علاقة له بإعادة ترسيم الحدود بل هو احتلال ميداني مؤقت تفرضه الحسابات العسكرية.
وقال إن هذه المنطقة تعد استراتيجية لأنها تطل على الداخل الإسرائيلي ولأن استمرار وجود (حزب الله) فيها يسمح باستهداف مواقع إسرائيلية لذلك تلجا إسرائيل إلى عمليات تسلل تنفذها وحدات خاصة صغيرة بدلا من الاجتياحات التقليدية الواسعة.
في المقابل أعلن «حزب الله» تنفيذ سلسلة عمليات يوم الجمعة شملت التصدي لطائرات ومسيرات إسرائيلية بصواريخ أرض جو وتفجير عبوات ناسفة بقوات وآليات إسرائيلية في الطيبة وحداثا ما أدى إلى تدمير جرافتي D9 وإصابات مؤكدة كما استهدف الحزب قوة قرب موقع البياضة ودبابة «ميركافا» بصليات صاروخية وصاروخ موجه إضافة إلى قصف قوة في بيدر الفقعاني واستهداف دبابة في رشاف بمحلّقة انقضاضية و3 آليات «بوكلين» في الخيام بقذائف المدفعية في إطار استمرار المواجهات على المحاور الجنوبية.







