فرنسا والجزائر نحو تطبيع العلاقات بعد سنوات من التوتر

{title}
راصد الإخباري -

هل تتجه العلاقات الفرنسية الجزائرية نحو التطبيع بعد الأزمة التي سببتها رسالة الرئيس ايمانويل ماكرون الى العاهل المغربي بشان الصحراء الغربية؟ السؤال مطروح بقوة بعد تكليف ماكرون الوزيرة المنتدبة لشؤون القوات المسلحة اليس روفو بمهمة تطبيع العلاقات مع الجزائر.

واللافت ان ماكرون اختار تاريخ الثامن من ايار لتكليف روفو بتمثيل بلاده في مدينة سطيف بمناسبة احياء ذكرى الاحداث الماساوية التي شهدتها المدينة ومدينتا قالمة وخراطة. جاء في البيان الرئاسي انه في الوقت الذي كان فيه الفرنسيون يحتفلون بتحرير بلادهم استمر قمع المظاهرات في مدن سطيف وقالمة وخراطة لاسابيع عدة مخلفا الاف الضحايا. تلك هي حقيقة تاريخنا ومن شرف فرنسا ان تواجهها بصدق.

ويقول الجزائريون ان 45 الفا سقطوا بسبب القمع الفرنسي الذي استخدمت فيه الطائرات لضرب المتظاهرين الذين كانوا يطالبون بالاستقلال. وتنفيذا لتعليمات الرئاسة سارت روفو الى جانب نظيرها الجزائري عبد الملك تشريف في مسيرة شارك فيها مئات الاشخاص من مسؤولين وسكان. ووضع الوزيران اكاليل من الزهور امام نصب تذكاري تخليدا لذكرى بوزيد سعال الذي ادى مقتله برصاص القوات الفرنسية الى اندلاع اعمال شغب تم قمعها بعنف.

تندرج البادرة الفرنسية في اطار المساعي التي اطلقها ماكرون منذ سنوات عدة من اجل مصالحة الذاكرتين الفرنسية والجزائرية. الا ان ما تريده باريس ابعد من ذلك فقد نص بيان الاليزيه على ان الهدف اقامة علاقات قائمة على الثقة وواعدة للمستقبل بما يخدم مصلحة الشعبين الفرنسي والجزائري.

لذا سيكون على روفو ان تبحث مع الجانب الجزائري المراحل المقبلة لتعزيز علاقاتنا الثنائية وايصال رغبة الرئيس الفرنسي في تعزيز النتائج التي تم تحقيقها بالفعل واستعادة حوار فعال يحترم المصلحة الوطنية لكل طرف خدمة لمصلحتنا المشتركة. وبكلام اخر تامل باريس استخدام التحسن الذي طرا في علاقاتها مع الجزائر في الاشهر القليلة الاخيرة للذهاب سريعا نحو حال من التطبيع التي لن تحصل ما لم تسو المشكلات التي ما زالت قائمة بينهما.

وكترجمة لهذه الرغبة فان ماكرون طلب من السفير الفرنسي في الجزائر ستيفان روماتيه العودة الى ممارسة مهامه الدبلوماسية وهو ما سارع الى القيام به. وطلب الاليزيه من روماتيه ان يعمل على جميع جوانب التعاون الثنائي بروح من المعاملة بالمثل.

ما كان لهذه الزيارة ان تتم وفق هذه الروحية من غير المقدمات التي مرت بها في الاشهر الثلاثة الاخيرة. وتجدر الاشارة الى ان رحيل برونو روتايو وزير الداخلية ورئيس حزب الجمهوريون اليميني عن الحكومة في تشرين الاول الماضي اسهم بشكل تلقائي في تخفيف الاحتقان بين العاصمتين باعتبار انه جعل من عملية لي الذراع مع الجزائر احد محاور سياسته المغاربية.

كذلك عمد الى اتباع سياسات متشددة في مسائل الهجرة والاسلام ومنح التاشيرات مفضلا انتهاج سياسة تصادمية مبررا اياها بتمنع الجزائر عن التعاون في المسائل القنصلية ورفض استعادة مواطنيها الذين يفقدون حق الاقامة على الاراضي الفرنسية. واسهم اعتقال الصحافي الرياضي الفرنسي كريستوف غليز بتهمة تمجيد الارهاب ثم القبض على الكاتب الجزائري بوعلام صنصنال وتوجيه الاتهام لموظف قنصلي جزائري يشتبه في تورطه في اختطاف المؤثر الجزائري امير دي في تاجيج الحملات السياسية والاعلامية واسهم في ارساء ما يشبه القطيعة بين الطرفين وصلت الى حد تبادل طرد دبلوماسيين معتمدين في كلا العاصمتين.

اذا كانت الزيارات الرسمية بين الجانبين قد توقفت فان التواصل البعيد عن الاضواء لم يتوقف. كذلك فان التعاون الامني المخابراتي ومحاربة الارهاب بقي قائما بالنظر لاهميته لمصالح الطرفين. يضاف اليه قلق الجهتين تجاه التطورات التي تشهدها بلدان الساحل الافريقي وما لها من تبعات جيوسياسية وجيواستراتيجية عليهما معا. ونجحت الوساطة الالمانية التي توسلتها باريس لدى الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون في اقناعه باصدار عفو عن صنصال.

كذلك تتمنى فرنسا ان تفضي التطورات الايجابية الحديثة في العلاقات مع الجزائر الى الافراج عن كريستوف غليز. خصوصا ان الاخير قرر مع محاميه التخلي عن الطعن الصادر بحقه امام محكمة التمييز ما قد يسهل حصوله على عفو رئاسي.

شكلت زيارة وزير الداخلية الفرنسي الجديد لوران نونيز الى الجزائر في شهر شباط الماضي محطة ايجابية مهدت لتحسن علاقات الطرفين. الوزير الجديد اعتمد مقاربة براغماتية بعيدة عن الاستفزازات ما انعكس ايضا على علاقاته بالجالية الجزائرية في فرنسا حيث قبل دعوة للافطار من مسجد باريس الكبير الذي تديره الجزائر.

والتقى نونيز الرئيس تبون وعاد من الجزائر بوعد لاستئناف التعاون القنصلي لجهة ترحيل الجزائريين الصادرة بحقهم مذكرات ابعاد. ومؤخرا كلف ماكرون رئيسة معهد العالم العربي ومستشارته لشؤون الشرق الاوسط والعالم العربي سابقا ان كلير لو جاندر القيام بمهمة في الجزائر بحيث تعد زيارة الوزيرة روفو امتدادا لها. وقامت الوزيرة السابقة سيغولين رويال بزيارتين للجزائر لتليين العلاقات رغم انها لم تعد تحمل صفة رسمية.

خلاصة الامر ان علاقات الطرفين دخلت اليوم منعطفا جديدا لكنه لا يعني ابدا استبعاد انزلاقة مستقبلية نحو التوتر والتشدد. ذلك ان اي تصريح او تدبير تشعر الجزائر بانهما مسيئان لها قد يفجران ازمات جدية. كذلك فان الطرف الجزائري لم يتجاوز حقيقة تاييد باريس للمقاربة المغربية لملف الصحراء. وثمة ملفات خلافية قد تتفجر منها ما يتناول الذاكرة المشتركة او ما تطالب به الجزائر من تعويضات واجراءات بخصوص التجارب الذرية التي اجرتها فرنسا في الصحراء الجزائرية.

وليس سرا انه ليست هناك علاقات ثنائية بين باريس والجزائر او بين باريس والرباط اذ ان اي تطور في هذه العلاقة او تلك ينعكس حكما على العلاقة المقابلة. وفي اي حال فان زلزال الاصطفاف الفرنسي وراء الرباط كانت له نتائج اقتصادية وتجارية على العلاقة مع الجزائر.

كما ان الازمة التي يعيشها العالم في قطاع الطاقة بسبب حرب الخليج الجديدة تطرح على فرنسا وعلى الاوروبيين تحديات كبرى ستكون احدى نتائجها اعادة النظر في العلاقات مع الجزائر. ولا شك ان عفوا رئاسيا جزائريا عن الصحافي الفرنسي سيكون مؤشرا قويا الى ما وصلت اليه العلاقات الجديدة بين الجانبين.