صندوق النقد: ارتفاع محتمل لطلب دعم ميزان المدفوعات بسبب حرب الشرق الاوسط

{title}
راصد الإخباري -

توقع صندوق النقد الدولي ارتفاع الطلب قصير الأجل على دعم ميزان المدفوعات إلى ما بين 20 مليار دولار و50 مليار دولار بسبب التداعيات غير المباشرة لحرب الشرق الأوسط. وأضاف الصندوق أن التقدير سيبقى عند الحد الأدنى إذا صمدت الهدنة الحالية. بحسب المديرة العامة للصندوق كريستالينا غورغييفا.

وأضافت غورغييفا أن هذا النطاق كان سيكون أعلى بكثير لولا السياسات السليمة التي انتهجتها العديد من اقتصادات الأسواق الناشئة. بما في ذلك بعض أكبر هذه الاقتصادات على مدى العقود الماضية. وأكدت في الوقت نفسه أن الصندوق يمتلك الموارد الكافية للتعامل مع هذه الصدمة.

وقالت غورغييفا إن الدول الأعضاء البالغ عددها 191 دولة يمكنها الاعتماد على الصندوق في توفير التمويل إذا دعت الحاجة. كما يمكنها الاعتماد عليه في جمعها معا لإيجاد مسار للمضي قدما وسط ضباب عدم اليقين. مشيرة إلى أن هذا سيكون محور اجتماعات الربيع الأسبوع المقبل.

تأثير الحرب على الاقتصاد العالمي

ورسمت غورغييفا في خطاب تمهيدي قبيل اجتماعات الربيع لصندوق النقد والبنك الدولي صورة لاقتصاد عالمي مرن لكنه يتعرض لاختبار جديد بسبب الحرب التي توقفت مؤقتا في الشرق الأوسط. واعتبرت أن العالم يواجه صدمة عرض كبيرة وعالمية وغير متناظرة بعدما انخفض تدفق النفط اليومي العالمي بنحو 13% وتدفق الغاز الطبيعي المسال 20%. في تطور رفع كلفة الطاقة وعطل سلاسل التوريد على مستوى العالم.

وبحسب غورغييفا فإن هذه الصدمة دفعت أسعار الطاقة إلى الارتفاع سريعا. إذ قفز خام برنت من 72 دولارا للبرميل عشية اندلاع الأعمال العدائية إلى ذروة بلغت 120 دولارا. قبل أن تتراجع الأسعار لاحقا. لكنها بقيت أعلى بكثير من مستويات ما قبل الحرب. فيما اضطرت دول كثيرة إلى دفع علاوات مرتفعة للحصول على الإمدادات.

وأشارت غورغييفا إلى أن التأثير لم يكن متساويا بين الدول. إذ يتوقف على القرب من النزاع وما إذا كانت الدولة مصدرة للطاقة أم مستوردة لها وحجم الحيز المتاح لسياساتها الاقتصادية.

تداعيات اضطرابات الإمدادات

وقال الصندوق إن اضطرابات الإمدادات لم تقتصر على النفط والغاز. بل امتدت إلى إغلاقات في مصافي التكرير بسبب الحاجة إلى الحفاظ على معدلات تدفق دنيا ونقص في المنتجات المكررة ولا سيما الديزل ووقود الطائرات. بما أدى إلى تعطيل النقل والتجارة والسياحة.

كما حذرت غورغييفا من أن اضطرابات الشحن قد تدفع أكثر من 45 مليون شخص إضافي نحو انعدام الأمن الغذائي. ليرتفع عدد من يعانون الجوع إلى أكثر من 360 مليونا مع مخاطر تفاقم الأزمة بفعل ارتفاع أسعار الأسمدة.

وفي تقييمها لمسارات انتقال الصدمة إلى الاقتصاد العالمي حددت غورغييفا ثلاث قنوات رئيسية. أولها تأثير ارتفاع الأسعار ونقص الإمدادات على السلع الاستهلاكية والتضخم والطلب. وثانيها خطر انفلات توقعات التضخم على المدى القصير. وثالثها تشدد الأوضاع المالية.

السياسات النقدية والمالية

وأوضحت غورغييفا أن فروقات عوائد السندات في الأسواق الناشئة اتسعت بشكل كبير وتراجعت أسعار الأسهم وارتفع الدولار قبل أن تظهر لاحقا بعض بوادر التيسير.

وأكدت غورغييفا أن الأثر النهائي للحرب سيعتمد على ما إذا كانت الهدنة ستصمد وتتحول إلى سلام دائم وعلى حجم الأضرار التي خلفتها الحرب. ولهذا سيعرض تقرير آفاق الاقتصاد العالمي الأسبوع المقبل نطاقا من السيناريوهات يبدأ من عودة سريعة نسبيا إلى الوضع الطبيعي ويمر بسيناريو متوسط وصولا إلى سيناريو تبقى فيه أسعار النفط والغاز أعلى بكثير ولمدة أطول مع دخول آثار الجولة الثانية على الخط.

ولفتت غورغييفا النظر إلى أنه لولا هذه الصدمة كان الصندوق سيتجه إلى رفع توقعات النمو العالمي إلا أن الحرب دفعت حتى أكثر السيناريوهات تفاؤلا إلى تضمين خفض في النمو.

تأثير الحرب على النمو العالمي

وعزت غورغييفا هذا التراجع المتوقع إلى أضرار البنية التحتية واضطرابات الإمدادات وتآكل الثقة وآثار الندوب الاقتصادية. وقدمت مثالا على ذلك بمجمع رأس لفان في قطر الذي وصفته بأنه مثال بالغ الأهمية على الاستثمار الاستراتيجي الناجح. موضحة أنه ينتج 93% من الغاز الطبيعي المسال في الخليج ويذهب نحو 80% من إنتاجه إلى آسيا والمحيط الهادئ لكنه مغلق منذ 2 آذار وتعرض لضربات مباشرة في 19 آذار وقد يحتاج من 3 إلى 5 سنوات لاستعادة كامل طاقته.

وأضافت غورغييفا أن عودة الأوضاع إلى ما كانت عليه قبل الحرب لن تكون سهلة ونظيفة. مشيرة إلى أن حركة السفن عبر باب المندب في البحر الأحمر لم تتعاف أصلًا من الاضطرابات السابقة. إذ لا تزال عند نحو نصف مستوياتها المسجلة في 2023 فيما لا يزال مستقبل العبور عبر مضيق هرمز وتعافي حركة الطيران الإقليمية محاطا بعدم اليقين.

وأوضحت غورغييفا أن النمو العالمي سيكون أبطأ حتى لو كان السلام الجديد دائما مع تفاوت كبير في حجم التأثر بين الدول.

توصيات صندوق النقد للدول

وبينت المديرة العامة للصندوق أن الدول الأقل تأثرا هي تلك القادرة على تصدير النفط والغاز دون انقطاع في حين تتحمل العبء الأكبر الدول التي تعطلت مباشرة بفعل الحرب بما فيها بعض الدول المصدرة للطاقة التي واجهت حصارا إضافة إلى الدول التي تعتمد على استيراد النفط والغاز.

كما شددت غورغييفا على أن حجم الضرر سيتحدد أيضا بمدى توافر الحيز السياسي والاحتياطيات الاستراتيجية من النفط والغاز لا سيما بعد فجوة استمرت خمسة أسابيع في حركة ناقلات النفط من الخليج.

وفي جانب الاستجابة السياسية حذرت غورغييفا من أن العالم يواجه صدمة عرض سلبية كلاسيكية تجعل تعديل الطلب أمرا لا مفر منه. داعية الحكومات إلى تجنب الإجراءات الأحادية مثل قيود التصدير وضوابط الأسعار لأنها قد تزيد الاضطراب العالمي سوءا.

التعامل مع التضخم والطاقة

وقالت غورغييفا إن المرحلة الحالية تتطلب الانتظار والمراقبة مع تمسك البنوك المركزية باستقرار الأسعار وبقاء السياسة النقدية في حالة ترقب مع استعداد أكبر للتحرك إذا تعرضت المصداقية للخطر. كما دعت السلطات المالية إلى تقديم دعم مستهدف ومؤقت للفئات الأكثر هشاشة وبما ينسجم مع الأطر المالية متوسطة الأجل.

وأوضحت غورغييفا أنه إذا بدأت توقعات التضخم في الانفلات وهددت بإشعال دوامة تضخمية مكلفة فإن على البنوك المركزية التدخل بحزم عبر رفع أسعار الفائدة مع الإبقاء على الدعم المالي مؤقتا وموجها بدقة. أما إذا أضيفت صدمة طلب سلبية إلى صدمة العرض نتيجة تشدد كبير في الأوضاع المالية فإن السياسة النقدية ستدخل في موازنة دقيقة بينما يمكن للسياسة المالية أن تتحول إلى دعم الطلب ولكن فقط إذا توافر حيز مالي كاف.

وفي ملف الطاقة قالت غورغييفا إن عددا كبيرا من الدول بدأ بالفعل بتطبيق إجراءات طارئة لترشيد الاستهلاك تراوحت بين حملات عامة لتقليل الاستهلاك وقيود على استخدام المركبات الخاصة وتوسيع العمل عن بعد.

تنسيق الاستجابة العالمية

وأضافت غورغييفا أن صندوق النقد الدولي شكل مع وكالة الطاقة الدولية والبنك الدولي مجموعة تنسيق سيتولى فيها الصندوق قيادة الجانب الاقتصادي الكلي في محاولة لرفع مستوى تبادل المعلومات وتنسيق الاستجابة.

أما ماليا فرأت غورغييفا أن معظم الدول تعاملت حتى اليوم بحذر متجنبة التخفيضات الضريبية غير المستهدفة ودعم الطاقة واسع النطاق والتدابير السعرية العامة رغم أن عددا محدودا من الدول اختار تقديم دعم واسع القاعدة.

وأكدت غورغييفا أن الصندوق يعمل مع الحكومات لتوجيه الدعم المالي بشكل أدق ووضع بنود انتهاء واضحة للإجراءات المؤقتة مع التشديد على ضرورة ألا تتحرك السياستان المالية والنقدية في اتجاهين متعاكسين.

تحديات الديون والقطاع المالي

وحذرت غورغييفا من أن ارتفاع منحنيات العائد المرجعية يزيد كلفة الدين ما يعني أن إضافة حوافز ممولة بالعجز في هذه المرحلة ستزيد العبء على السياسة النقدية وتفاقم الضغوط المالية.

كما لفتت غورغييفا النظر إلى أن العالم يعاني أصلًا من مشكلة ضيق الحيز المالي مع ارتفاع الدين العام عمومًا إلى مستويات أعلى بكثير مما كان عليه قبل 20 عامًا بما في ذلك في معظم دول مجموعة العشرين نتيجة إهمال ضبط المالية العامة في فترات سابقة كانت تسمح بذلك.

وقالت غورغييفا إن مدفوعات الفائدة ترتفع الآن كنسبة من الإيرادات في مختلف مستويات الدخل ما يفرض على الدول استخدام مواردها المحدودة بمسؤولية وعلى معظمها التحرك بحزم لإعادة بناء الحيز المالي بعد هذه الصدمة.

أهمية السياسات الجيدة

وفي الشق المالي والمصرفي دعا الصندوق الجهات التنظيمية والرقابية إلى البقاء في حالة يقظة ومرونة واستجابة سريعة مشيرا إلى أن الأوضاع المالية ظلت ميسرة لفترة طويلة بفعل التفاؤل المرتبط بالتكنولوجيا وظهور وسطاء ماليين جدد كثير منهم خارج القطاع المصرفي. ورغم أن ذلك دعم النمو فإنه خلق أيضا مخاطر انعكاس خصوصا إذا بدأ المستثمرون في القلق من أن انعدام أمن الطاقة قد يعيق نمو الذكاء الاصطناعي الذي يتطلب كميات كبيرة من الطاقة.

واختتمت غورغييفا بالتشديد على أن السياسات الجيدة تصنع الفارق معتبرة أن الدول قد لا تملك السيطرة على الصدمات الخارجية لكنها تملك السيطرة على سياساتها ومؤسساتها. وقالت غورغييفا إن قوة الأسس الاقتصادية ومرونتها تمثل خط الدفاع الأفضل عند وقوع الصدمات. داعية الدول في الوقت نفسه إلى عدم إغفال التحولات الكبرى الجارية عالميا في التكنولوجيا والديموغرافيا والجغرافيا السياسية والتجارة والمناخ لأن خياراتها الهيكلية والتنظيمية هي التي ستحدد الإنتاجية والنمو طويل الأجل وبالتالي الاستقرار الاقتصادي في نهاية المطاف.