الحرب تشتد وتضرب الطاقة والتجارة في ايران والخليج

{title}
راصد الإخباري -

دخلت الحرب على ايران مرحلة اقتصادية اكثر كلفة مع تحول الضربات من المجال العسكري الى مرافق الوقود والنفط والشحن. وفي تطور جديد خفضت السلطات الايرانية الحصة المسموح بشرائها ببطاقة الهوية في محطات الوقود في طهران من 30 لترا الى 20 لترا بعد استهداف اربعة مخازن نفط وموقعا لوجستيا لنقل المنتجات النفطية في العاصمة ومحيطها. ودعت السلطات المحلية السكان الى التزود بالوقود عند الضرورة فقط بعد الضربات.

يعزز هذا التطور فرضية ان الحرب لم تعد تستهدف البراميل المخصصة للتصدير فقط بل باتت تضرب العقدة الداخلية لمنظومة الطاقة. قال الخبير الاقتصادي عامر الشوبكي في حديث مع الجزيرة نت.

اضاف الشوبكي ان استهداف مستودعات طهران يمثل ضربة لوجستية نفسية وسيادية تسعى لاضعاف قدرة الدولة على ادارة الوقود في العاصمة.

الضغط على ايران

وفق هذا التقدير فان الرسالة الاساسية ليست الى السوق العالمية بقدر ما هي الى المؤسسة الايرانية نفسها عبر الضغط على التخزين والتوزيع والتكرير وامدادات طهران ومحيطها. ويتسق ذلك مع توصيف وكالة اسوشيتد برس للضربات على مواقع النفط في طهران اذ اعتبرتها انتقالا الى استهداف مناطق صناعية ومدنية حساسة.

في المقابل تظهر الوقائع في الخليج ان الخطر لا يقتصر على الداخل الايراني فقد طالت الاستهدافات الايرانية حقلا بريا تابعا لشركة ارامكو السعودية امس السبت بعد ايام من استهداف موقع راس تنورة. وشهدت الفجيرة احد اهم مراكز تجارة وتخزين النفط في الامارات حريقا كبيرا بسبب حطام طائرة مسيرة مع تعليق عمليات في منشاة تخزين رئيسية ومصفاة.

في الكويت اصيبت مصفاة ميناء الاحمدي وعمدت الحكومة اول امس الى خفض انتاج النفط مع امتلاء الخزانات تدريجيا تحت ضغط تباطؤ الشحن وفق ما ذكرته صحيفة وول ستريت جورنال الامريكية.

المنطقة في خطر

تشير مذكرات جيه ام اي سي البحرية الى ان البيئة التشغيلية في المنطقة باتت تعكس خطرا حركيا نشطا مع هجمات مؤكدة على سفن تجارية وبذلك فان استهداف الخزانات والمصافي والمرافئ لا يهدد الانتاج فقط بل يهدد ايضا قدرة المنطقة على التخزين والتصدير والعبور.

بالنسبة الى ايران يوحي توقف توزيع الوقود في طهران حتى لو كان مؤقتا بان الاستهداف بدا يضغط على ادارة الدولة للسوق المحلية للطاقة لا على صادراتها فقط.

حسب الشوبكي فان استهداف الابار مباشرة كان سيعني تعطيل الانتاج الخام نفسه وفتح باب الصدمة العالمية الكبرى وهو ما يفسر في تقديره لماذا يبدو التركيز الحالي على المستودعات والمصافي والعقد اللوجستية التي تعطل التوزيع سريعا وتضغط على الداخل الايراني سياسيا ونفسيا من دون اخراج كميات ضخمة فورا من الخام من السوق العالمية لكن اثر الضربة قد يتفاقم اذا دفع ايران الى توسيع الرد على منشات الطاقة والملاحة في المنطقة.

تداعيات الازمة

اما بالنسبة الى دول الخليج فتباطؤ الشحن يؤدي الى امتلاء الخزانات ويصبح المنتجون امام خيارات اكثر كلفة تتمثل في خفض الانتاج او تعليق جزء من التكرير او قبول اختناقات متزايدة في السلسلة اللوجستية.

وقد ربطت صحيفة وول ستريت جورنال بين هذا المسار وخفض الكويت الانتاج فيما ذكرت صحيفة فايننشال تايمز البريطانية ان توسع نطاق الاهداف من النفط والغاز الى مرافق اكثر حساسية بدا يقلق الاسواق العالمية.

ولا يتوقف الاثر عند النفط فقد اشارت وكالة اسوشيتد برس الى ان المياه قد تصبح المورد الاكثر عرضة للخطر في الخليج فعدد من محطات التحلية تقع على الساحل وضمن مدى الصواريخ والطائرات المسيرة وبعضها مدمج اصلا مع محطات كهرباء.

تاثيرات متزايدة

في الوقت نفسه بدات الحرب تنشر ضررها الاقتصادي بعيدا من النفط والغاز الى الشحن البحري والجوي وسلاسل الامداد بين اسيا واوروبا مع ارتفاع اسعار الشحن الجوي 45% على بعض المسارات وتكدس سفن الحاويات والناقلات في مضيق هرمز وحوله حسب واشنطن بوست مما يعني ان استهداف المرافق الاقتصادية لا يهدد الطاقة وحدها بل يهدد ايضا التجارة والسلع الحساسة زمنيا وكلفة الانتاج والنقل عالميا.

في هذا السياق رسم وزير الطاقة القطري سعد الكعبي صورة للمالات المحتملة في مقابلة نشرتها فايننشال تايمز قائلا ان جميع مصدري الطاقة في الخليج قد يضطرون الى اعلان القوة القاهرة اذا استمر الوضع وان العودة الى دورة التسليم الطبيعية قد تستغرق من اسابيع الى اشهر حتى لو توقفت الحرب فورا.

حذر المسؤول القطري من ان سعر النفط قد يصل الى 150 دولارا للبرميل وان سعر الغاز قد يقفز الى 40 دولارا لكل مليون وحدة حرارية بريطانية اذا تعذر المرور عبر مضيق هرمز.

الاسواق والازمة

بالنسبة الى الاسواق فان هذه التصريحات تنقل القصة من مجرد ارتفاع في الاسعار الى خطر تعطل اقليمي ممتد في التشغيل والتوريد.

بالمعنى نفسه فان اسرائيل ليست خارج هذه الدائرة فقد ردت ايران امس باستهداف مصفاة النفط في حيفا وفق وسائل اعلام رسمية ايرانية.

من جانب اخر فان استهداف منشات الطاقة والتكرير والبنية الاقتصادية في الاقليم يرفع كذلك كلفة التشغيل والتامين والحماية على الاقتصاد الاسرائيلي ويجعل البنية الانتاجية والخدمية جزءا من معادلة الاستنزاف المتبادل.

جبهة اقتصادية

مع عودة منشات الطاقة المدنية والصناعية الى قلب الحرب تتسع المخاطر من جبهة عسكرية الى جبهة اقتصادية اقليمية تشمل الطاقة والمياه والموانئ وسلاسل الامداد والثقة الاستثمارية.

في المجمل ووفق المصادر المشار اليها يمكن رسم 3 سيناريوهات اقتصادية رئيسية لاستمرار الوضع الراهن كالتالي:

  • السيناريو الاول: احتواء نسبي يتوقف فيه استهداف المرافق او يتراجع سريعا لكن مع بقاء اثر ممتد على التسليم والتامين والشحن لاسابيع.
  • السيناريو الثاني: تعطل ممتد تتسع فيه ازمة التخزين وتضطر دول اخرى الى خفض الانتاج او اعلان القوة القاهرة مع تجاوز النفط مستوى 100 دولار سريعا.
  • السيناريو الثالث: صدمة كبرى اذا اتسع الاستهداف الى مزيد من البنية التحتية للطاقة والمياه والموانئ بما يدفع الاسعار والتضخم وكلفة الشحن الى مستويات اعلى ويهدد النمو العالمي وهو الاحتمال الذي حذرت منه ايضا تحليلات اقتصادية رات ان صدمة طاقة جديدة قد تربك التعافي العالمي وتضع البنوك المركزية امام معضلة اصعب.