حكاية امرأة لم تنطفىء
راصد الإخباري -
بقلم : الدكتورة شريفة اللصاصمة
قبل أعوام قليلة وجدتُ نفسي أمام منعطف مهني غير متوقع....كنتُ أشغل موقعًا قياديًا...لكن ظروفًا معينة دفعتني إلى الانتقال إلى موقع آخر أقل من حيث المكانة الوظيفية بشكل مؤقت...لم يكن القرار سهلًا ولم يكن الانتقال مجرد تغيير في المسمى...كان اختبارًا حقيقيًا للصبر والاتزان..
حين وصلت إلى موقعي الجديد كنت بانتظار ترقية تقدّمت لها وفق الأصول... امتحان.. ومقابلة.. ومسار إداري كامل...لم يكن أحد يعلم بما ينتظرني ولم أكن أنا نفسي أجزم بما سيأتي... كنت أعمل ببساطة... كأي موظف بين زملائه.. بلا ضجيج ولا استعراض...رغم أن من يعرفني يدرك أن القيادة جزء أصيل من شخصيتي...
مرت الأشهر بهدوء… ثم جاء الخبر الذي غيّر المشهد كله..
صدر قرار ترقيتي إلى موقع قيادي....
كان ذلك استحقاقًا مهنيًا بحتًا.. نتيجة جهد واجتهاد.. لكنه في الوقت نفسه كشف وجوهًا أخرى لم أكن قد رأيتها بوضوح من قبل...
في بعض البيئات لا تبدأ الخصومات من خطأ...وإنما من شعور خفي يختبئ في صدور لا تحتمل رؤية النور عند غيرها...
كانت هناك فتاة تتقدمهم في التسلسل الوظيفي.. لكنها لم تتقدمهم بالصوت العالي ولا بالسلطة الغليظة... وإنما بالخلق الهادئ والكلمة الطيبة...كانت ترى في العمل مسؤولية...وفي الناس كرامة.. فتعامل الجميع بلطف وكأن الاحترام عندها قاعدة لا استثناء...
غير أن النفوس حين تضيق لا ترى الأخلاق فضيلة..... تراها مرآة تكشف نقصها....فكان هناك اثنان من المكان نفسه.. لم يكن بينهما وبينها خلاف ولا مظلمة...لكن الغيرة حين تستيقظ في القلب تبحث عن سبب....حتى لو لم يوجد.....فبدأت الفكرة الصغيرة تتحول في صدريهما إلى همس ثم إلى رواية يتداولانها وكأنهما يصنعان خصمًا من العدم....
لم تكن الحقيقة سوى أنها سبقتهم بخطوة…
لا لأنها أرادت أن تتقدم عليهم ...وإنما سلوكها سبقهم..
ثم انضم إليهما ثالث... لم يكن يحمل سببًا ولا موقفًا...لكنه اختار أن يقف حيث تقف الأصوات لا حيث تقف الحقيقة... صار صدى لما يقولان ومؤازرًا لما ينسجان...
وهكذا تتشكل بعض المؤامرات…
لا لأنها قوية...بل لأنها فارغة....
فحين يعجز الإنسان عن بلوغ المكانة يحاول إسقاط صاحبها.....وحين يعجز عن مجاراة الضوء...يحاول إطفاءه...
لكن الضوء بطبيعته لا يدخل معركة ولا يخاصم الظلام...
يكفيه أن يبقى مضيئًا… ليكشف كل شيء دون أن يتكلم...
في تلك الفترة تحديدًا تواصل أحدهم معي هاتفيًا... وكان يسعى للوصول إلى منصب أعلى....طلب دعمي.. فقلت له بطبيعتي الصادقة إنني لن أقصّر.. لكنني لا أحب إطلاق الوعود الكبيرة لأن الظروف لا تُعرف مسبقًا... لم يفهم حديثي كما قصدته... واستعجل الحكم... فسّر تحفظي على أنه رفض للمساعدة ومنذ تلك اللحظة بدأ طريق آخر...
بدأت بعدها محاولات خفية لإثارة الشكوك وتعبئة بعض الأشخاص بوجهة نظر مشحونة بالغيرة وسوء الظن...لم يكن هناك هجوم مباشر وإنما أساليب ملتوية... اعتراضات على فعاليات...وشايات تُقال في الجلسات.. ومحاولات متفرقة لتشويه الصورة...
كانت تلك الفترة اختبارًا حقيقيًا للنضج المهني...
لم أنكر أن القيادة آنذاك حاولت الحفاظ على قدر من التوازن...كان بحاجة إلى الجميع...لكنه في الوقت نفسه لم يسمح بأن تُبنى القرارات على كلام فارغ.. وهكذا بقيت مساحة عملي محفوظة.. واستمر نشاطي رغم ما كان يدور في الظلال..
كنت أعلم أن معظم وقتهم أصبح يُستهلك في الحديث عني...
لكنني اخترت طريقًا آخر...
كلما بلغني شيء من تلك الأحاديث...كنت أرفع الأمر إلى الله العادل....وأقول في نفسي إن العدل الإلهي لا يضيع حق أحد...لم أدخل في معارك صغيرة.. ولم أسمح لاستفزازاتهم أن تسحبني إلى مستوى ضيق الأفق الذي كانوا يعيشونه.... كان هدفهم واضحًا..... أن أفقد اتزاني.. أن أُستفز...أن أخسر موقعي بيدي...
لكنني كنت أؤمن أن الأرزاق ليست بيد البشر...
ومع مرور الوقت تكشّفت الأمور أكثر...لم يكن انتقامي منهم ردًا أو مواجهة......كان عدل الله الذي ظهر في حياتهم بطرق يعرفونها جيدًا......مصاعب.. وأمراض.. وتشتت...
أما أنا.....فقد أخذت حقي… بل وأكثر....
حتى في مراحل لاحقة من مسيرتي الوظيفية.. لم تتوقف بعض المحاولات لإيذائي.... لجأوا إلى الوشايات الكاذبة.. واستعانوا بأشخاص يرسلون رسائل مليئة بالخبث والتلفيق بثمن بخس... لكنها كانت محاولات يائسة أمام حقيقة واحدة....أن الله حاضر ... وأن العدل الإلهي لا يُهزم....
واليوم....عندما أستحضر تلك المرحلة....لا أشعر بالمرارة...
على العكس… أشعر بامتنان كبييير ...
لقد كانت تلك التجربة مدرسة قاسية....لكنها صنعت مني نسخة أقوى...أكثر مرونة...وأكثر وعيًا بالناس والحياة... تعلّمت فيها أن النجاح لا يكشف فقط قدرات الإنسان لكنه يكشف أيضًا معادن من حوله...
وأن الصبر حين يقترن بالحكمة ليس ضعفًا…
أنما هو قوة هادئة لا يستطيع الحسد أن يهزمها...







