مفاوضات جنيف: بين التفاؤل المعلن وتحديات الواقع
في الساعات التي تلت انطلاق جولة المفاوضات الامريكية الايرانية في جنيف، بدا المشهد يحمل قراءتين متناقضتين. الاولى، قراءة متفائلة تستند الى تصريحات الوسيط العماني عن وجود افكار بناءة وايجابية وانفتاح غير مسبوق على حلول جديدة. اما القراءة الثانية، فهي متشائمة وترى ان طول فترة المشاورات يعكس بعد المسافة بين الطرفين عن اي تسوية حقيقية.
بين هاتين القراءتين، تتزايد التسريبات والوعود وقوائم المطالب، مما يطرح السؤال الجوهري: ما مدى صحة ما يقال عن هذه المفاوضات؟ وهل نحن امام دبلوماسية جادة ام تفاوض يجري في ظل استعدادات للحرب؟
عمليا، دخلت المفاوضات مرحلة الاختبار بدلا من مرحلة الاعلان. وفي الوقت نفسه، فان وصف مسقط للاجواء بانها بناءة ليس مجرد كلام دبلوماسي، بل هو جزء من دور الوسيط في الحفاظ على استمرار التفاوض ومنع الطرفين من الوصول الى نقطة اللاعودة التي تسبق عادة العمل العسكري. ومع ذلك، فان الكلام وحده لا يكفي لصنع اتفاق، بل القدرة على تحويل القضايا الرئيسية الى حلول فنية وسياسية قابلة للتطبيق.
التخصيب النووي: خط احمر ام حق سيادي؟
تعتبر قضية التخصيب النووي جوهر الخلافات. حيث تصر واشنطن على مبدا صفر تخصيب داخل ايران كخط احمر، بينما تعتبر طهران ان الاحتفاظ بقدرة تخصيب ولو محدودة هو جزء من حقها السيادي في استخدام الطاقة النووية للاغراض السلمية. هذا التناقض يمثل تحديا كبيرا ويذكر بالصعوبات التي ادت الى فشل الاتفاقات السابقة. فكيف يمكن منع المسار العسكري بشكل نهائي اذا كانت البنية التحتية للتخصيب قائمة؟ وكيف يمكن اقناع ايران بالتخلي عن ورقة تعتبرها ضمانة لردع اي هجوم وضمان بقائها؟
هنا ياتي دور التسريبات، حيث تحدثت تقارير عن مطالب امريكية صارمة تشمل تفكيك مواقع رئيسية مثل نطنز وفوردو واصفهان ونقل اليورانيوم المخصب، بالاضافة الى اتفاق بدون سقف زمني. هذه المطالب قد ترفع تكلفة التنازل الايراني الى مستوى يصعب قبوله داخليا، حتى لو كانت طهران في وضع اقتصادي وسياسي ضعيف.
في المقابل، فان تكرار ايران لعبارة الاتفاق في متناول اليد يبدو محاولة للحفاظ على امكانية رفع العقوبات، وليس دليلا على قرب التوصل الى اتفاق نهائي. فمجرد استمرار الخلاف حول نطاق الاتفاق يعني ان اي تقدم قد يكون جزئيا ومؤقتا، وليس تسوية شاملة.
الضغط العسكري: رسائل وتحذيرات
من الشائع المبالغة في التعامل مع الحشد العسكري الامريكي على انه قرار حرب حتمي. لكن الواقع اكثر تعقيدا. فادارة ترمب تزيد الضغط عبر تعزيز وجودها العسكري في المنطقة، بما في ذلك تحريك حاملات طائرات ونشر قدرات اضافية، في رسالة واضحة بان التهديد جزء من استراتيجية التفاوض. لكن هذا الضغط له حدود زمنية ولوجستية وسياسية، ولا يمكن الاستمرار فيه الى ما لا نهاية دون تاثير على الجاهزية والذخائر.
يشير باتريك كلاوسن، الباحث في معهد واشنطن، الى ان الولايات المتحدة لا تستطيع الاستمرار طويلا في ارسال المزيد من القوات الى المنطقة، مما يستدعي اتخاذ قرار قريب، سواء باستخدام القوة او تغيير المسار. ويضيف ان احدى العقبات الكبرى امام استخدام القوة هو عدم وضوح الهدف، فماذا تريد واشنطن تحقيقه تحديدا؟ فبدون تحديد اهداف قابلة للتحقق، قد تكون الضربة مخاطرة كبيرة قد تؤدي الى ردود فعل واسعة وحملة اطول مما هو معلن.
هذه النقطة تتفق مع ما يقال داخل واشنطن عن المعنى الرمزي للضربة، وهو ان تكون استعراضا للقوة يتيح للرئيس اعلان نصر والضغط على طهران لتقديم تنازلات. بينما يشكك اخرون في قدرة ضربة محدودة على تغيير سلوك النظام او انهاء التخصيب كخيار استراتيجي.
الصواريخ الباليستية: قلق إقليمي
العنصر الذي قد يحول التقدم التكتيكي الى ازمة استراتيجية هو الصواريخ الباليستية. فايران تريد حصر التفاوض بالملف النووي ورفع العقوبات، بينما يصر مسؤولون امريكيون على ان تجاهل الصواريخ يمثل مشكلة كبيرة ستظهر عاجلا ام اجلا.
في الحسابات الاقليمية، المسالة ليست تقنية فقط، بل تتعلق بقرار امني اسرائيلي.
يحذر كلاوسن من ان اي اتفاق يقتصر على الملف النووي ويتجاهل الصواريخ يضع اسرائيل امام قرار خطير: هل تضرب ايران بمفردها؟ والاهم، كيف سيتعامل ترمب مع ضربة اسرائيلية منفردة؟ هذا السؤال يلامس نقطة ضعف اي تفاهم نووي ضيق، حيث قد يخفف خطر التخصيب مؤقتا، لكنه يترك ملف الردع والرد قائما، مما يزيد احتمالات استئناف المواجهة من بوابة اخرى.
الحرب: قرار مؤجل أم حتمية؟
هنا يجب تفكيك الوهم بان التفاوض مجرد تمويه وان الحرب حتمية. فالمعطيات الحالية تشير الى ان القرار ليس نهائيا، بل هو اقرب الى سلم من الخيارات يتم اختباره تدريجيا: تفاوض تحت ضغط، ثم ضربة محدودة لفرض شروط، ثم توسيع محتمل اذا لم تنجح الخطوات السابقة. هذا النموذج ينسجم مع تصريحات ترمب العلنية التي تفضل الدبلوماسية مع التلويح بخيارات اخرى وتحديد مهلة قصيرة للاتفاق.
مع ذلك، فان تصريحات جاناتان سايح، الباحث في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات، تمثل الموقف الاكثر تشددا في واشنطن. فهو يرى ان الادارة متفقة على صفر تخصيب كخط احمر، بينما يصر المرشد ومسؤولون ايرانيون على التمسك بقدرة التخصيب لانهم يعتبرون التنازل ضعفا ويستحضرون مصير القذافي.
ووفقا لتقييمه، فان الضغط العسكري او الضربات المحدودة لن تجبر طهران على تغيير سلوكها بشكل مستدام، وعندما تفشل الدبلوماسية ويثبت ان الضربة لا توقف التخصيب الى الابد، فان الجدل سيتركز حول مدى استخدام القوة وليس حول مبدا استخدامها.
يرى سايح ان تحييد التهديد يمر بدعم الحركة المناهضة للنظام، وان حملة واسعة تستهدف القيادة وادوات القمع قد تساعد، شرط اقترانها برسائل فعالة للايرانيين.
بالنظر الى هذه الصورة، فان المفاوضات الجارية تحت ضغط زمني وعسكري تشير الى ان الخلافات الجوهرية لم تحل بعد، وان اي تقدم سيكون محدودا ومشروطا باليات تحقق صارمة وبسقف سياسي داخلي في واشنطن وطهران. والمبالغة تكمن في الاعتقاد بان بيانات التفاؤل العمانية تعني قرب التوصل الى اتفاق نهائي، او ان الحشد العسكري يعني ان الحرب حتمية.
الاقرب الى الواقع هو ان جنيف ليست لحظة حسم، بل لحظة فرز: هل يستطيع الطرفان ابتكار صيغة تحفظ ماء الوجه في قضية التخصيب وتفتح مسارا للتحقق والرفع التدريجي للعقوبات؟ ام ان الفجوة بين صفر تخصيب وحق التخصيب ستجعل فترة التوقف تتكرر الى ان تتحول من فترة مشاورات الى فترة ما قبل الضربة؟







