خطاب الملك... رسائل تتجاوز الكلمات واختبار حقيقي لجدية الدولة
راصد الإخباري -
م. ناصر محمود عبيدات
لم يكن خطاب العرش الذي ألقاه جلالة سيدنا الملك عبدالله الثاني بن الحسين في افتتاح الدورة العادية الثالثة لمجلس الأمة العشرين مجرد خطاب دستوري، بل حمل رسائل واضحة وعميقة إلى السلطات الدستورية ومؤسسات الدولة والمواطن، وحدد أولويات المرحلة المقبلة، واضعاً مصلحة الأردنيين في صلب القرار الوطني.
مصلحة المواطن أولاً
لعل أبرز ما يستوقفنا في خطاب جلالة الملك تأكيده أن مصلحة الأردني يجب أن تكون في صلب كل قرار، لا على هامشه. وهي رسالة بالغة الأهمية، خصوصاً لمجلس الأمة بشقيه الأعيان والنواب، بأن أي قانون يُشرّع يجب أن تنطلق فلسفته وغاياته من حماية حقوق المواطن وتحسين حياته، لا أن يكون مجرد نص قانوني يضاف إلى مجموعة التشريعات.
فالقانون ليس غاية بحد ذاته، وإنما وسيلة لتحقيق العدالة وتنظيم شؤون المجتمع وخدمة الناس. والمعيار الحقيقي لنجاح أي تشريع هو أثره الإيجابي على المواطن، ومدى مساهمته في معالجة مشكلاته وتلبية احتياجاته.
الاقتصاد بين الأرقام وحياة المواطن
وفي الجانب الاقتصادي، تبرز رسالة مهمة تستحق التوقف عندها؛ فقد يتحسن الاقتصاد، وترتفع معدلات النمو، وتزداد الاستثمارات، وتُعلن عن مشاريع كبرى، لكن السؤال الأهم: هل يشعر المواطن بهذا التحسن في حياته ومعيشته؟
فإذا تحسنت المؤشرات الاقتصادية ولم يلمس المواطن فرقاً في دخله، أو فرص العمل المتاحة أمام أبنائه، أو قدرته على مواجهة أعباء الحياة، فإن ثمار هذا التحسن لم تصل إليه بالشكل المطلوب.
إن التنمية الحقيقية هي التي يلمس المواطن أثرها في معيشته وفرصه وتعليمه وعلاجه ومستقبل أبنائه. ولذلك، لا بد أن يكون تحسين مستوى المعيشة هدفاً أساسياً لكل سياسة اقتصادية، وأن تتحول نتائج النمو والاستثمار إلى فرص عمل ودخل أفضل وخدمات أكثر جودة.
البرلمان والحكومة أمام مسؤولية الإنجاز
أما الرسالة الموجهة إلى مجلس الأمة والحكومة، فتتمثل في ضرورة الارتقاء بمستوى المسؤولية الوطنية، وتعزيز الرقابة والتشريع، وتسريع تنفيذ المشاريع، وربط المسؤولية بالمحاسبة.
فالبرلمان ليس دوره إقرار القوانين فقط، بل التأكد من أنها تحقق المصلحة العامة، والحكومة ليست مطالبة بإعلان الخطط والبرامج فحسب، بل بتحويلها إلى إنجازات يشعر بها المواطن.
كما أن تأكيد جلالة الملك أن القانون لا يعرف اسماً ولا منصباً ولا نفوذاً، يعيد التأكيد على أن سيادة القانون والعدالة وتكافؤ الفرص أساس قوة الدولة وثقة المجتمع بمؤسساته.
الأردن ومواقفه الثابتة
وعلى المستوى الخارجي، جدد جلالة الملك التأكيد على ثوابت الموقف الأردني تجاه القضايا العربية، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية والقدس والمقدسات، في ظل ما تشهده المنطقة من تحديات وأزمات. كما أكد أهمية حماية أمن الأردن واستقراره وتماسك جبهته الداخلية، وهي ثوابت شكلت دائماً ركيزة أساسية في السياسة الأردنية.
إن الرسالة الأعمق في خطاب جلالة سيدنا الملك عبدالله الثاني بن الحسين هي أن نجاح الدولة لا يُقاس بما تضعه من خطط، ولا بعدد القوانين التي تقرها، ولا بحجم الأرقام الاقتصادية التي تعلنها، بل بما تحققه هذه الجهود من أثر حقيقي في حياة المواطنين.
نحن بحاجة إلى تشريعات تحمي المواطن، واقتصاد يوفر له فرص العمل والحياة الكريمة، ومؤسسات تعمل بكفاءة وعدالة، ومسؤولين يدركون أن مواقعهم تكليف ومسؤولية.
فالمواطن لا يريد أن يسمع فقط أن الاقتصاد تحسن، بل يريد أن يشعر بهذا التحسن في جيبه ومعيشته ومستقبل أبنائه. وتلك هي الغاية الحقيقية من التنمية، والاختبار الأهم لنجاح مسيرة التحديث.







