أوقفوا الهراء.. فسلامة الشام هي عافية النشامى.. وإن ضاق بدمشق الهواء خنق الوجعُ حنجرةَ عمّان

{title}
راصد الإخباري -




بقلم: د. سيف تركي أخوارشيدة 

حين تُكتب ملحمية الأخوة فإنها لا تُحبر بحبر العقول وحده بل تُعجن بماء الروح وصدق اليقين.. ونؤمن أن العلاقة بين الأردن وسوريا جوار جغرافي فرضته خرائط السياسة وتوأمية وجودية خُطّت في صخور التاريخ ونقشتها رياح الشمال والجنوب.. دندانٌ واحد يربط بين حارتين من بيت العروبة الأكبر ورباط وثيق كعقد اللؤلؤ في جُمانة العز.. فالشام على مرّ التاريخ بالنسبة للأردن ليست شقيقةً طارئة بل هي القلب الثاني الذي إن طالته شوكة الوجع سرعان ما ينزف الفؤاد الأردني أسىً ومداداً..

ولعل أصدق تجليات هذه الأخوة ما شهدناه في زمن تنصلت فيه الضمائر وتجهمت فيه وجوه العالم، حين بقي الأردن بقي الأردن رغم ضيق ذات اليد وقسوة الجغرافيا شمعةً لا تنطفئ وملاذاً لا يغلق بابه.. وحين فتح أحضانه لنحو مليون وثلاثمئة ألف لاجئ سوري لم يكن يفعل ذلك طمعاً في مغنم أو بحثاً عن مديح بل تلبية لنداء الضمير والشهامة المتجذرة في وجدان هذا الشعب العظيم... فلنتخيل معاً لو أن الأردن اختار طريقاً مغايراً ولو أنه أدار ظهره وتمنع عن استقبال أشقائه على مدار العقود الماضية.. لأصبحت المنطقة بركاناً هائجاً من المآسي الإنسانية وتهاوت أسوار السلم والأمن العالميين لتخلف دماراً لا تطهّر ناره الأيام.. إن هذا الكرم المتأصل ليس سوى ترجمة حيّة للمعدن الأردني الأصيل وقدرتنا على الصمود وسط زوابع الإقليم هي استنهاض لروح المنعة التي عهدناها في رجال بني هاشم وعموم أبناء الوطن.. منعةٌ قادرة على تدارك الصعاب وتحويل المحن إلى جسور من الصلابة.

غير أن هذه المسؤولية الأردنية لم تقتصر على احتضان الأشقاء وتقديم العون الإنساني، بل امتدت إلى معركة طويلة مع الإرهاب والتطرف ومعركة الأردن مع الإرهاب لم تكن وليدة لحظة الهجوم على كنيسة الحمود بالكرك بل كانت مسيرة فداء بدأت قبل ذلك بفترة طويلة ولا تزال رحاها تدور بعزيمة لا تلين وسواعد لا تكل.. لقد وقف الأردن مراراً وتكراراً سداً منيعاً يحمي الشرق والغرب من طوفان التطرف متمسكاً بمبادئ السلام والاعتدال كعقيدة ثابتة لا تتزعزع.. وهنا يبرز التساؤل المُر والمشروع الذي يقرع ضمير الإنسانية جمعاء..  أهكذا يُعاقب الأردن لقيامه بما هو صحيح؟.. هل جزاء من يحرس البوابة ويزرع السلام هو خذلانه أو تحميله أعباء تفوق طاقات الجبال؟

وفي خضم هذه التحديات يدرك القاصي والداني جيدآ انه وسط هتون الفوضى ظلّ جلالة سيدنا الملك عبدالله الثاني بن الحسين صوتاً للحق المبين مؤكداً مراراً وتكراراً دعم الأردن المطلق لجهود الشقيقة سوريا في الحفاظ على أمنها واستقرارها وسيادتها الكاملة على أراضيها ورافضاً بكل صرامة وجسارة الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة عليها.. فلقد صدع الملك صوته بالحق مدوياً على منبر الأمم المتحدة محذراً من خطر داهم بقوله : "إن الأطماع التوسعية لهذه الحكومة الإسرائيلية باتت تهديداً إقليمياً، واليوم تمثل سوريا إنذاراً يختار المجتمع الدولي ألا يعيره انتباهاً، فهناك توغلات متكررة، وتوسع جغرافي يتمدد، وحقائق جديدة يتم فرضها على الأرض، منها ما يمس مصادر مائية حيوية."

ومن خلال هذه الكلمات الملكية تتجلى حقيقة الموقف الأردني فجلالة سيدنا لا يدافع عن الشقيقة سوريا من باب المجاملة السياسية بل من إيمان راسخ بأن أمن سوريا وسلامتها هو جزء لا يتجزأ من أمن الأردن الاستراتيجي والوجودي فسوريا الأبيّة المستقرة هي العمق والامتداد والجار الذي إن طاب طاب الجوار كله ..فأمن سوريا هو أمن الأردن وسلامة الشام هي عافية عمّان.. وحينما يسعى الأردن على محاربة الإرهاب فإنه بذلك يقضي على جذور الفتنة ويقضي على الخراب الذي يطمع بكل البلاد كفتيل يحرق الأخضر واليابس