ماذا بعد؟

{title}
راصد الإخباري -




النائب د. حكم معادات


إن ما شهدته محافظة الكرك، من هجوم مسلح استهدف كنيسة القديس، وسقط على إثره شهداء أبرياء، يفرض علينا الانتقال الفوري من مربع الإدانة والاستنكار إلى مربع القرار والتنفيذ.

أمن الأردن ووحدته الوطنية ليسا مجالاً للتأجيل، ولا يُصانان بالتصريحات وحدها. لقد قالت القيادة كلمتها: «رح نورجيهم»، وقالت الأجهزة الأمنية ودائرة المخابرات العامة كلمتها بإلقاء القبض على المشتبه بهم خلال ساعات، والآن جاء دور الدولة بمؤسساتها المدنية لتقول كلمتها بالفعل والإنجاز.

إن الدولة مطالبة اليوم بخطة تنفيذية واضحة، بجدول زمني محدد، وجهات مسؤولة، ومؤشرات دقيقة لقياس النتائج. فالبطالة والتهميش وغياب الفرص قد تجعل بعض شبابنا عرضة للاستغلال والتجنيد من قبل جماعات متطرفة، فيما تشكل أوكار المخدرات وتجارة السموم خطراً مضاعفاً يهدد المجتمع ويستنزف طاقات الشباب، الأمر الذي يتطلب معالجة شاملة لا تقتصر على المواجهة الأمنية، بل تمتد إلى تجفيف منابع التطرف ومعالجة أسبابه.

ومن هنا، فإن أولى الخطوات المطلوبة تتمثل في دراسة عاجلة لفتح باب التجنيد المدني والعسكري وفق الاحتياجات الوطنية، واستحداث برامج للخدمة المدنية تسهم في تعزيز الانضباط والانتماء والمسؤولية، وتمنح الشباب فرصة للمشاركة الفاعلة في خدمة وطنهم. كما يجب مراجعة أوضاع العسكريين الذين انتهت خدماتهم قبل استكمال مدد التقاعد، ودراسة إمكانية إعادة الاستفادة من خبراتهم وفق الشروط القانونية والمهنية والأنظمة المعمول بها، فهذه خبرات وطنية مدربة يمكن توظيفها في التدريب والتأهيل وخدمة المجتمع.

وفي السياق ذاته، فإن وزارة الشباب مطالبة بإطلاق برنامج وطني ميداني حقيقي يصل إلى المحافظات والألوية والقرى، ويضع الشباب في صلب أولوياته، بعيداً عن الفعاليات الشكلية واللقاءات التي تنتهي بانتهاء الحدث. نحن بحاجة إلى ورش عمل وحوارات ومبادرات تطوعية تستهدف الشباب العاطلين عن العمل والفئات الأكثر عرضة للتهميش والاستغلال، ضمن برامج مستمرة ومسؤوليات محددة ونتائج قابلة للقياس. فشبابنا لا يحتاجون إلى خطابات عن الانتماء بقدر ما يحتاجون إلى فرص حقيقية تجعلهم شركاء في بناء الوطن وحماية مستقبله.

ولا يقل عن ذلك أهمية تحويل التدريب المهني إلى بوابة حقيقية للتشغيل، من خلال قيام مؤسسة التدريب المهني، بالتعاون مع وزارة العمل والقطاع الخاص، بتوسيع برامج التدريب المجاني والمدعوم وربطها مباشرة باحتياجات سوق العمل الفعلية. فالمطلوب ليس تخريج متدربين يحملون شهادات فحسب، بل تأهيل شباب يمتلكون مهارات مطلوبة وفرصاً حقيقية للحصول على عمل، مع متابعة نسب التشغيل وقياس أثر البرامج ومساءلة الجهات المعنية عن النتائج وفق الأطر القانونية والإدارية.

وفي موازاة هذه الإجراءات، لا بد من تكثيف الجهود الأمنية والقضائية لملاحقة تجار المخدرات ومروجيها، وضرب شبكاتهم وتجفيف مصادر تمويلهم، بالتوازي مع برامج الوقاية والعلاج وإعادة التأهيل. كما يجب التعامل بجدية وحزم مع محاولات استقطاب الشباب إلى الجماعات المتطرفة أو غسل أدمغتهم بأفكار تحرض على العنف والكراهية، وتعزيز دور الأسرة والمدرسة والجامعة والمؤسسات الدينية في التحصين الفكري، ضمن نهج يجمع بين الحزم الأمني والمعالجة الاجتماعية، ويحمي الشباب من الاستغلال قبل أن يقعوا في براثنه.

أما رسالتنا إلى الخارج، فهي واضحة: أمن الأردن لا يبدأ من حمود ولا ينتهي عندها، وسيادة الدولة ليست موضع اختبار أو مساومة. وكل من يثبت تورطه في التحريض على الإرهاب أو تمويله أو التخطيط له، من داخل الحدود أو خارجها، يجب أن يتحمل المسؤولية وفق القانون. لقد أثبتت القوات المسلحة الأردنية – الجيش العربي – وأجهزتنا الأمنية أن حماية الوطن ليست شعاراً، بل واجب تؤديه مؤسسات تمتلك الكفاءة والجاهزية والإرادة. والأردن الذي يحمي حدوده ويصون أمن مواطنيه لن يسمح لأحد بتهديد استقراره أو العبث بنسيجه الوطني.

إن الأردن ليس ساحة مستباحة، وأمنه خط أحمر، وكل اعتداء على شعبه ومؤسساته سيواجه بما يلزم من إجراءات قانونية وأمنية حازمة، وفق ما تقتضيه المصلحة الوطنية.

ولكي لا تبقى هذه المطالب مجرد أفكار تُطرح في أعقاب الأحداث ثم تُنسى مع مرور الوقت، فإنني أقترح تشكيل فريق وطني تنسيقي من الجهات المعنية، يتولى خلال ثلاثين يوماً إعداد خطة تنفيذية تتضمن المسؤوليات والميزانيات والجدول الزمني ومؤشرات الأداء، على أن يبدأ تنفيذ البرامج ذات الأولوية خلال تسعين يوماً، مع تقديم تقارير دورية معلنة عن مستوى الإنجاز والتحديات. فلا يجوز أن تبقى التوصيات حبيسة الاجتماعات، ولا أن تتكرر المشكلات من دون مراجعة أو مساءلة إدارية. المطلوب خطة معلنة، ومسؤوليات محددة، ونتائج يستطيع المواطن تقييمها.

إن حماية الأردن لا تتحقق بالأجهزة الأمنية وحدها، رغم دورها المحوري والبطولي الذي تجلى في الكرك، بل تتطلب دولة تفتح أبواب العمل أمام الشباب، وتستثمر طاقاتهم، وتواجه الجريمة بحزم، وتحاصر الفكر المتطرف بالوعي والعدالة وتكافؤ الفرص. فالأمن مسؤولية مشتركة، واحتضان الشباب واجب وطني، ومواجهة التطرف تبدأ من حماية عقول أبنائنا، ومنحهم الأمل والفرصة والمستقبل.

إن استهداف كنيسة هو اعتداء على الأردن كله، وعلى حق مواطنيه في الحياة والأمان والعبادة. ولن نسمح للإرهاب بأن يمس وحدتنا الوطنية أو يزرع الفرقة بين أبناء المجتمع الواحد.

رسالتنا اليوم واضحة: لا تهاون مع الإرهاب، ولا تساهل مع تجار المخدرات، ولا يجوز ترك الشباب فريسة للبطالة والتهميش والاستغلال. نريد قرارات لا وعوداً، وبرامج لا شعارات، ونتائج لا تبريرات.

فالسؤال لم يعد: ماذا بعد؟ بل أصبح: متى نبدأ، ومن المسؤول، وكيف سنحاسب على النتائج؟

حفظ الله الأردن آمناً مستقراً، وحمى قيادته وشعبه، وصان وحدته الوطنية، ورحم الشهداء، وأدام على وطننا نعمة الأمن والأمان.