جريمة في الكنيسة: من أي "تُرْبَة" خرجت؟
راصد الإخباري -
حسين الرواشدة
الجريمة البشعة التي تعرضت لها الكنيسة الأردنية في حمود /الكرك سابقة في تاريخ الأردن ، لم تستهدف المسيحيين فقط ، وإنما استهدفت الأردنيين جميعاً : الدولة والمجتمع والوطن ، لكي نفهمها لابد أن ندقق في سياقين متداخلين ومتكاملين : سياق مشروع الحرب في المنطقة التي نحن جزء منها ، كما أن التطرف والإرهاب بأدواته وتنظيماته وحواضنه فاعل أساسي ، وشريك مستخدم فيها ، ثم سياق "التربة " المحلية التي خرج منها المنفذون ؛ الثقافة التي افرزتهم ، والثقوب التي تسللوا منها ، والتيارات السياسية والمرجعيات الدينية التي شكّل خطابها العام بيئة مناسبة لممارسة جريمتهم النكراء.
لكي نفهم أكثر، ما حدث في الكرك عملية إرهابية جرى "تصنيعها " في معامل تنظيمات أو دول خارج الحدود ، وتم تنفيذها بأدوات محلية ؛ مارد الإرهاب الذي اختفى أو تخفى مرحلياً من المنطقة ، طيلة السنوات الماضية، خرج من قمقمه وبدأ يتشكل ويتحور ، ومن المتوقع أن نشهد في المرحلة القادمة ولادته من جديد ، الأردن منذ أكثر من 20 عاماً شريك أساسي في مواجهة المد الإرهابي ، ولديه ما يلزم من خبرة أمنية لتفكيكه وتطويقه، لكنه ليس في منأىً عن إخطاره ، هنا يجب أن نفكر بهدوء وعقلانية، الإرهاب ، بأنواعه، يطوقنا من كل الاتجاهات ، لكي نواجه وننتصر عليه ، كما فعلنا دائما، لابد أن نعيد تنظيف تربتنا المحلية مما نبت فيها من أحساك وأشواك غريبة عنها .
انظر لحدود بلدنا من كل اتجاه، على أي جانبيك تميل؟ لم يبقَ لنا ان نميل إلا على جانب واحد هو "نحن" ، نتصارح بما فعلناه بأنفسنا قبل أن نتطارح حول ما فعله الآخرون بنا ؛ الآخرون مهما كانت قوتهم وخداعهم وغدرهم لا يستطيعون أن يخترقوا جدراننا إلا إذا وجدوا ما يساعدهم على ذلك ، قلت وأكرر : يجب أن نقف بحزم ضد كل من يحاول استخدام الدين وتوظيفه لتهشيم صورة الدولة وتقسيم المجتمع، يجب أن نتعامل بقوة القانون مع كل من يتبني خطاب الكراهية أو يروج له ، حان الوقت لتجريم التكفير وتجفيف منابع التطرف وإغلاق قنواته ،حربنا يجب أن تبدأ ضد التطرف في المدرسة والبيت والشارع ، في دور العبادة ومنصات الإعلام ومنابر السياسة..
للتذكير فقط، الأردن مصنف دولياً على قائمة الاعتدال الديني والسياسي، الملك في خطابة الأخير أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة دحض الرواية الإسرائيلية وأكد على حماية الأردن للإرث والمجتمعات المسيحية في موطنها الأصلي، بلدنا يستعد للإحتفال بمرور ألف عام على عمودية السيد المسيح في نهر الأردن عام 2030 لإطلاق الحج المسيحي إلى المغطس.
هذا المشهد يستدعي سؤالًا مهماً: هل الجريمة التي حدثت في الكرك مجرد عمل فردي معزول عن سياقاته وأهدافه التي ذكرتها سلفا أم أنه جريمة مخطط لها ومنظمة، وبفعل فاعلين جرى توظيفهم في سياق حلقات مستمرة لتهشيم صورة الدولة وتقسيم المجتمع؟ الإجابة (وإن لم تتوفر المعلومات الكافية حتى الآن) تبدو واضحة تماماً، بقي أن نعرف من هم "المقاولون " ومن يقف وراءهم، ثم أن نبدأ على الفور تجفيف المستنقعات التي أخرجتهم، نحن الأردنيين لا نخاف، لا نهرب من وطننا، نخرج من المحنة أقوى، ونواجه الفتنة بالحكمة، لكن لابد أن نحذر، هذه مرحلة تستدعي تفعيل لواقط الانتباه.







