المناصير يكتب : أرادوا للرصاصة أن تُشعل الفتنة… فأجابهم الأردن بقلبٍ واحد
راصد الإخباري -
بقلم الدكتور جابر أحمد سليمان المناصير
مدير الشؤون الإدارية والمالية للواء الجامعة
ليست كل رصاصة قادرة على تحقيق الغاية التي أُطلقت من أجلها، وليست كل جريمة تستطيع أن تصنع الانقسام الذي يريده مرتكبوها؛ فثمة أوطان إذا اشتدّت عليها المحن، كشفت عن معدنها الأصيل، وإذا حاولت الفتنة أن تتسلل إلى نسيجها، أجابتها بوعي أبنائها وتماسكهم وصلابة انتمائهم. والأردن واحد من تلك الأوطان التي لا تُقاس قوتها بغياب الأزمات، بل بقدرتها على مواجهتها دون أن تسمح لها بالنيل من وحدتها أو العبث بثوابتها الوطنية.
في الكرك، حيث تختزن الأرض ذاكرة الرجولة والكرامة، وحيث تتعانق حكايات المسلمين والمسيحيين في تاريخ أردني واحد، جاءت الجريمة الإرهابية التي استهدفت كنيسة بلدة حمود لتوجع الوطن في أعماقه، وتترك في وجدان الأردنيين جرحًا لا يخص طائفة دون أخرى، ولا منطقة دون سواها، بل يمسّ الأردن كله. فحين يُستهدف مكان للعبادة، لا تكون الجريمة اعتداءً على جدران أو شعائر فحسب، بل اعتداءً على حق الإنسان في الأمان والكرامة، وعلى القيم التي تجعل من الوطن بيتًا يتسع لجميع أبنائه.
لكن ما لم يدركه أصحاب الفكر الظلامي أن الرصاصة قد تستهدف جسدًا، لكنها لا تستطيع أن تُسقط وطنًا قرر أبناؤه أن يبقوا معًا.
لم تكن الكنيسة في هذه المحنة شأنًا يخص المسيحيين وحدهم، كما لم يكن الحزن حكرًا على أهالي الكرك؛ فالألم هنا أردني، والاعتداء يمسّ وجدان كل من يؤمن بأن كرامة الإنسان لا تتجزأ، وأن المواطنة ليست شعارًا يُرفع في المناسبات، بل عهدٌ راسخ يحمي الحقوق ويصون الكرامة ويجمع الناس على اختلاف معتقداتهم تحت راية واحدة. وفي الأردن، لا يحتاج المسيحي إلى إثبات أردنيته، ولا يحتاج المسلم إلى تبرير اعتزازه بوطنه؛ فكلاهما ابن هذه الأرض، وشريك في تاريخها وحاضرها ومستقبلها.
لقد حاولت أفكار التطرف، عبر التاريخ، أن تجعل من الاختلاف الديني بابًا للخصومة، وأن تحوّل التنوع إلى سلاح للفرقة، لكنها تتجاهل حقيقة يعرفها الأردنيون جيدًا: أن ما يجمعهم أعمق من كل خطاب تحريضي، وأن روابط الجوار والأخوة والمصير المشترك ليست علاقات طارئة يمكن لجريمة أن تمحوها.
فالأردنيون لم يبنوا وطنهم على أساس أن يكونوا نسخة واحدة، بل على أساس أن يكونوا شركاء في وطن واحد، يتسع لاختلافاتهم ويحمي حقوقهم ويصون كرامتهم.
وهنا تكمن المفارقة الكبرى؛ فالإرهاب الذي يسعى إلى نشر الخوف قد يترك جرحًا عميقًا، لكنه لا يملك أن يفرض على المجتمع كيف يقرأ جريمته، ولا أن يختار للأردنيين موقفهم منها. يستطيع أن يستهدف مكانًا، لكنه لا يستطيع أن يحدد هوية الوطن؛ ويمكنه أن يزرع الألم، لكنه لا يستطيع أن يجعل الكراهية قدرًا لشعب يعرف أن وحدته هي أحد أعمدة قوته واستقراره.
إن المرحلة الراهنة تتطلب منا موقفًا وطنيًا واعيًا يتجاوز الإدانة اللفظية إلى حماية المجتمع من كل ما قد يستثمر في الجريمة لإشعال الفتنة. ويتطلب ذلك رفض الشائعات والأخبار غير الموثقة، والابتعاد عن الاتهامات المتسرعة، وترك التحقيقات للجهات المختصة، ودعم مؤسسات الدولة في أداء واجبها، والتمسك بسيادة القانون والعدالة ومحاسبة مرتكبي الجريمة. فليس من الحكمة أن نواجه التطرف بتطرف مضاد، ولا أن نسمح للغضب المشروع بأن يتحول إلى ظلم جديد؛ بل إن الرد الأقوى هو أن نكون أكثر وعيًا، وأشد تمسكًا بالقانون، وأحرص على حماية كل أردني دون تمييز.
وفي هذا السياق، تبقى مسؤولية مؤسسات الدولة وأجهزتها الأمنية، في ظل قيادة جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين، ركيزة أساسية في حماية أمن الوطن واستقراره، فيما تقع على عاتق المجتمع مسؤولية موازية تتمثل في صيانة الجبهة الداخلية، وتعزيز الثقة، وإغلاق الأبواب أمام التحريض والتشكيك. فالأمن ليس مسؤولية جهة واحدة فحسب، والوحدة الوطنية ليست مهمة تُنجزها المؤسسات وحدها؛ إنها شراكة بين دولة تحمي بالقانون، ومجتمع يحمي بالوعي، ومواطن يدرك أن كلمته قد تكون جسرًا للتضامن أو ثغرةً تتسلل منها الفتنة.
أما الكرك، فستبقى أكبر من أن تختصرها جريمة، وأعمق من أن تنال من مكانتها رصاصة غدر. هذه المحافظة التي حملت في تاريخ الأردن معاني الكرامة والوفاء ستظل جزءًا أصيلًا من ذاكرة الوطن ووجدانه، وسيبقى أهلها شركاء في حكاية أردنية لا تُكتب بلون واحد، بل بألوان أبنائها جميعًا. وما يحتاجه الأردن اليوم هو أن تتحول مشاعر التضامن إلى سلوك يومي، وأن تصبح حماية الآخر قناعة راسخة، وأن يدرك كل فرد أن الدفاع عن حق مواطن في ممارسة شعائره بأمان هو دفاع عن حقه هو أيضًا في العيش بحرية وكرامة.
إن الوحدة الوطنية لا تعني أن نتشابه في كل شيء، بل أن نختلف دون أن نتخاصم، وأن نتنوع دون أن نتنازع، وأن نضع كرامة الإنسان فوق كل اعتبار. وهي ليست مجرد عبارة جميلة في خطاب رسمي، بل ممارسة تبدأ من البيت والمدرسة ومكان العمل، وتمتد إلى الإعلام ومنصات التواصل، حيث تصبح مسؤولية الكلمة أكثر أهمية في أوقات الأزمات. فالكلمة الواعية تطفئ نار الشائعة، والموقف المسؤول يحاصر التحريض، والوعي الوطني يمنع الجريمة من أن تتحول إلى أزمة اجتماعية أوسع من حدودها.
وأنا، إذ أكتب هذه الكلمات، لا أكتب عن وحدة وطنية نحتاج إلى اختراعها، بل عن حقيقة نحتاج إلى حمايتها، ولا أتحدث عن نسيج وطني هشّ، بل عن مجتمع أثبت عبر تاريخه أن اختلاف أبنائه لا ينتقص من انتمائهم، وأن قوة الأردن تكمن في قدرته على جمعهم حول ثوابته ومصالحهم المشتركة.
فالأوطان العظيمة ليست تلك التي لا تتألم، بل تلك التي لا تسمح للألم بأن ينتزع منها إنسانيتها، ولا تسمح للغضب بأن يعمي بصيرتها، ولا تسمح للفتنة بأن تحدد مستقبلها.
أرادوا للرصاصة أن تُشعل الفتنة، لكن الأردن أكبر من أن يُختزل في جريمة، وأقوى من أن تهزمه الكراهية، وأوعى من أن يسمح لأصحاب الفكر الظلامي برسم الحدود بين أبنائه. فحين يُصاب جزء من الوطن، لا يقف الجزء الآخر متفرجًا؛ وحين يُمسّ حق مواطن، تصبح حمايته مسؤولية الجميع؛ وحين تحاول الفتنة أن ترفع جدارًا بين الأردنيين، يكون الرد الأبلغ أن تتسع بينهم جسور الأخوة والاحترام والوفاء.
سلامٌ على أرواح الضحايا، والصبر لأهلهم، والشفاء للمصابين، والعدل الذي لا يتهاون مع الجريمة ولا يظلم بريئًا. وسلامٌ على الكرك وأهلها، وعلى كل أردني يرى في كرامة أخيه امتدادًا لكرامته، وفي أمن جاره جزءًا من أمن بيته، وفي وحدة وطنه أمانةً لا تقبل المساومة.
سيبقى الأردن عصيًّا على الفتنة، قويًا بوحدة أبنائه، راسخًا بقيمه، ومتماسكًا بإرادة شعبه؛ لأن هذا الوطن لم يجمع أبناءه تشابهُهم، بل جمعهم إيمانهم بأن مصيرهم واحد، وأن كرامتهم واحدة، وأن الأردن بيت الجميع.
حفظ الله الأردن، قيادةً وشعبًا وأرضًا، وأدام عليه نعمة الأمن والاستقرار، وجعل وحدته الوطنية حصنًا منيعًا في وجه الإرهاب والتطرف والكراهية، ليبقى وطنًا يعلو فيه صوت الحكمة على التحريض، وصوت القانون على الجريمة، وصوت الأخوة على الفتنة.







