قراءة سياسية وإدارية في مستقبل الإدارة المحلية الأردنية


البلديات الحديثة في ظل القانون الجديد

{title}
راصد الإخباري -


بقلم : م.ناصر عبيدات


مع اقتراب الانتخابات البلدية المقبلة، يقف الأردن أمام مرحلة جديدة في الإدارة المحلية، لا يقتصر التحدي فيها على انتخاب مجالس جديدة، بل يمتد إلى إعادة تنظيم العلاقة بين رئيس البلدية والمدير التنفيذي، وترسيخ مفهوم الإدارة المؤسسية القائمة على القانون والكفاءة والمساءلة.

لقد اعتاد المواطن الأردني أن يرى في رئيس البلدية صاحب القرار الأول، والمرجع الذي يلجأ إليه في الخدمات والمعاملات وحل المشكلات. وهذا الدور يرتبط بطبيعة مجتمعنا العشائري، حيث تتداخل العلاقات الاجتماعية مع العمل العام، ويجد الرئيس نفسه أحيانًا أمام ضغوط تتجاوز حدود اختصاصه.

لكن القانون الجديد يفتح الباب أمام نموذج مختلف، يقوم على الفصل بين دور المجلس البلدي في رسم السياسات وممارسة الرقابة ضمن اختصاصاته، ودور المدير التنفيذي في إدارة الجهاز الإداري وتنفيذ الأعمال وفق الصلاحيات القانونية.

وهنا يبرز التحدي الحقيقي: كيف سيتقبل المجتمع وجود مدير تنفيذي لا يستجيب للضغوط الاجتماعية، بل يحتكم إلى القانون والإجراءات؟ وكيف سيتعامل الرئيس المنتخب مع صلاحيات تختلف عما اعتاده سابقًا؟

إن هذا التحول، إذا طُبّق بصورة سليمة، يمكن أن يسهم في الحد من المحسوبيات والتدخلات غير المشروعة، وتعزيز العدالة في تقديم الخدمات، بحيث يصبح المواطن متساويًا أمام الإجراءات، بصرف النظر عن القرابة أو النفوذ.

ومن وجهة نظري، فإن اختيار المدير التنفيذي من خارج المنطقة الجغرافية للبلدية قد يكون خيارًا يستحق الدراسة؛ لما يوفره من استقلالية اجتماعية نسبية، ويخفف من الحرج والضغوط الناجمة عن العلاقات الشخصية والعشائرية. غير أن نجاح هذا التوجه يبقى مرتبطًا بالكفاءة والنزاهة، ووضوح الصلاحيات، ووجود رقابة ومساءلة فعليتين.

إن نجاح البلديات الحديثة لا يتحقق بمجرد تغيير التشريعات، بل يحتاج إلى تأهيل الرؤساء والأعضاء والمديرين التنفيذيين، وتوعية المواطنين بطبيعة المرحلة الجديدة، ووضع آليات واضحة لحل الخلافات ومنع تضارب الصلاحيات.

فالهدف ليس إضعاف رئيس البلدية أو تعزيز سلطة المدير التنفيذي، وإنما بناء مؤسسة بلدية يعرف فيها كل طرف حدود اختصاصه، ويتحمل مسؤولية قراراته، وتكون مصلحة المواطن هي الأولوية.

إننا أمام فرصة لإرساء إدارة محلية أكثر كفاءة ونزاهة، لكن نجاحها سيعتمد على قدرتنا على تحويل النصوص القانونية إلى ممارسة يومية، تتقدم فيها المصلحة العامة على الاعتبارات الشخصية، ويصبح فيها القانون مرجع الجميع دون استثناء