من قصيدةٍ إلى نشيد

{title}
راصد الإخباري -

"سيمفونيّة" الفخر والانتماء.. نشيد الجامعة الأردنيّة الذي يزفُّ خرّيجيها من "فوج الهواشم" إلى المستقبل


فادية العتيبي- قبلَ أن يمتلئ بالتّصفيق والزّغاريد، يتهيّأُ ميدانُ تخرّج "فوج الهواشم" بأبهى حُلَله؛ وقد اكتملت تجهيزاتُه، فيما تنتظر المقاعد أصحابَها من الخرّيجين، إيذانًا بولادة ليلةٍ جديدةٍ من موسم الفرح الأكاديميّ في الجامعة الأردنيّة.

كلّ شيءٍ بات جاهزًا؛ جماهيرُ من أهالي وذوي  ومحبّي الخرّيجين يتزاحمون على المقاعد، فمنهم من يقف بحثًا عن اللّقطة التي ستبقى في الذّاكرة، وآخرُ يبعثُ ابتساماته فيما يترقّب من داخله اللّحظة التي طال انتظارها، وهناك من يحمل الورد، وآخرُ يهتف بعالي صوتِه باسم خرّيجه، لعلّ صوته يصلُ إليه، وكأنّه يقول له: أنا بالانتظار.

منصّة التّخرّج غدت مستعدّةً، ازدانت بأحدث التّصاميم وقد ازدحمت بشهاداتٍ طال انتظارها، فيما تستعدّ عدسات الكاميرات لاقتناص اللّحظة وتوثيق جمال تفاصيلها؛ حيث لم يتبقَّ سوى وصول موكب خرّيجي فوج الهواشم، ليكتمل المشهد وتبدأ حكاية الإنجاز.

يعمُّ السّكون، وتشعُّ الأضواء، وتتهيّأُ المواكب للدّخول، حينها يعلو صوت ذاك النّشيد، وتنسابُ كلماته خارجَ أسوار الميدان، وكأنّه جاء من ذاكرة الجامعة، مستحضرًا أعرق الحكايات وأجمل الذّكريات.

وعلى وقع: "المُنى عندنا ثوبها أخضر... باسم أردنّنا اسمها يكبر"، تشقُّ مواكب الخرّيجين طريقَها إلى الميدان، في مشهدٍ يفيض وقارًا، فتغدو الخطوات وكأنّها إيقاعٌ للحُلم الذي أوشك أن يبلغَ ذروتَه، وللعِلم الذي يتوِّج مسيرةَ أبنائِه وبناته.

يبدأ التّصفيق، وتعلو الزّغاريد والهتافات فرحًا وترحيبًا بالخرّيجين، الذين يتوقّف بهم الزّمن للحظةٍ؛ ليمنحهم مساحةً من التّأمّل بكلماته، ليتفكّرَ وشعورٌ بالفخر يتملّكه؛ محدّثًا نفسَه: "هنا بدأت خطواتنا الأولى، وهنا نطوي صفحة سنواتٍ من الدّراسة والمثابرة، وهنا أيضًا نُزَفُّ إلى مستقبلنا، وإلى ميادين العمل والعطاء، وقد تسلّحنا بأفضل الشّهادات، حاملين معنا إرثًا أكاديميًّا وإنسانيًّا يختزل أكثرَ من ستّة عقود".

هي لحظةٌ بالنّسبة لهم لا تشبه سواها؛ لحظةٌ يتلاقى فيها الماضي بالحاضر، ويُصافح فيها الحُلم الحقيقةَ، ويقف فيها الخرّيج أمام أهله وأساتذته وجامعته، شاهدًا على رحلةٍ بدأت بخطوةٍ، وانتهت اليوم بموكبٍ يعبُرُ الميدان نحو فصلٍ جديدٍ من الحياة.

كم هي جميلةٌ كلمات نشيد الجامعة الأردنيّة، وكم تحمل من هيبةٍ ووقارٍ وفَخَارٍ ورمزيّة، تجعل الخرّيجَ وكلَّ من يستمع إليها يحلّقُ في معانيها؛ فهي كلماتٌ تجاوزت حدود النّشيد لتمتدّ إلى فضاءٍ أرحب، تستحضر فيه الجامعة تاريخَها ورسالتَها، وتجعل الخرّيج يستشعر وهو يردّدها، أسمى معاني الوفاء والانتماء إلى صرحٍ أكاديميٍّ عريق؛ فيما يلتقي في كلماتها حبُّ الجامعة بحبِّ الوطن، والفخرُ بالإنجاز بالاعتزازِ بالانتماء.

لقد شكّل النّشيد علامةً فارقةً في تاريخ الجامعة الأردنيّة، بعد أن غدا طقسًا أصيلًا من طقوس التّخرّج، وجزءًا راسخًا من ذاكرة أفراحها السّنويّة؛ تستهلُّ به الجامعةُ واحدًا من أهمِّ أحداثها وأكثرِها هيبةً وبهجةً، لتتوِّج به حصادَ نجاحاتها وإنجازاتها، بما أعدّته من خرّيجين مؤهَّلين ومنافسين في مختلِف ميادين العمل.

ورغم بساطة كلماته وانسيابيّتها، يحمل النّشيد في مضمونه عمقَ الانتماء إلى أمّ الجامعات، ويختصرُ مسيرتَها ورسالتَها، كما يجسّد العلاقةَ الوثيقةَ بين المعرفة والوطن؛ لذلك تجدُه يسبقُ الكلماتِ ومراسمَ توزيع الشّهادات، ليُعلنَ بسيمفونيّةِ كلماته وألحانِه، بدءَ احتفالٍ لا يشبه سواه، وليغدوَ صوتًا مؤسّسيًّا يختصر حكاية الجامعة، وموعدًا تتلاقى عنده مشاعرُ الفخر والانتماء، كلّما فتحت الجامعة ميدانها لتزفَّ أبناءها وبناتها إلى المستقبل.

لكن قبلَ أن يصبحَ صوتًا يعلنُ دخول مواكب الخرّيجين وأعضاءِ الهيئة التّدريسيّة إلى ميدان التّخرّج، كانت له حكايةٌ أخرى؛ حكايةُ كلماتٍ كُتِبت لتختصر هويّة الجامعة ورسالتَها، ثمّ مضت مع الزّمن لتصبح جزءًا من طقوسها وذاكرتها.

تعود قصّة النّشيد، بحسب ما رواه مؤلّف كلماته الشّاعر الأردنيّ حيدر محمود، إلى سنواتٍ طويلةٍ مضت، حينها كلّف رئيس الجامعة الأردنيّة الأسبق الدّكتور عبد السّلام المجالي، رحمه الله، الشّاعرَ بكتابة نشيدٍ يليقُ بأوّل جامعةٍ في المملكة، ويختصر رسالتها وهُويّتها.

ويروي محمود في مقالٍ له نشرَته صحيفة «الدّستور» عام 2021، أنّ المطلوبَ لم يكن نصًّا احتفاليًّا عابرًا، وإنّما كلماتٍ تحملُ روحَ المكان، وتعبّرُ عن دوره في بناء الإنسان الأردنيّ، وهو ما دفعه إلى صياغة قصيدةٍ تتجاوزُ حدود المناسبة، لتصبح مع مرور الوقت جزءًا من وجدان الجامعة وذاكرة خرّيجيها.

وحين جاء دور اللّحن، تولّى الموسيقار السّوريّ الرّاحل شاكر بريخان صياغةَ اللّحن الأساسيّ للنّشيد ممّا أبرزَ حضورَ الكلماتِ وهيبتَها، لتبدأ رحلتُها من القصيدة إلى النّشيد، ويغدوَ صوتًا مألوفًا في مناسبات الجامعة وفي مقدّمتها حفلات التّخرّج.

ويستعيد محمود في مقاله، تلك اللّحظةَ التي استمع فيها إلى النّشيد مجدّدًا في رحاب الجامعة، معربًا عن اعتزازه بأن يكونَ صاحبَ الكلمات التي يردّدها خرّيجو الجامعة الأردنيّة جيلًا بعد جيل؛ وهو شرفٌ- بحسب ما عبّر- يختصرُ علاقةَ الشّاعر بالمكان الذي صارت كلماتُه جزءًا من ذاكرته.

ويُذكرُ أنّ الموسيقار الأردنيّ الرّاحل عامر ماضي قد تولّى في مرحلةٍ لاحقةٍ مهمّةَ إعادةِ صياغة التّوزيع الموسيقيّ للنّشيد وتحديثِ أدائه الأوركستراليّ، ليمنحه زخمه الموسيقيّ الذي يرافقه اليوم في حفلات التّخرّج الرّسميّة، ويضيف إلى اللّحن الأصليّ أبعادًا موسيقيّةً جديدةً رسّخت حضوره في الذّاكرة السّمعيّة للجامعة.

وهكذا، عبّرت كلمات حيدر محمود ولحنُ شاكر بريخان، ثمّ التّوزيع الموسيقيّ الذي أعاد صياغتَه عامر ماضي، من حدود العمل الفنّيّ إلى مدارات الذّاكرة المؤسّسيّة؛ وأصبح النّشيد أكثرَ من مقطوعةٍ فنّيّةٍ تُفتَتَحُ بها المراسم، ليشكّلَ جزءًا من هُويّة الجامعة وطقسًا يتكرّر كلّ عام، مع كلّ دفعةٍ جديدةٍ من الخرّيجين تَفتح لها الجامعة أبواب المستقبل.

وفي الجانب الآخر من الحكاية، تتحوّل الكلمات التي كتبها الشّاعر قبل سنواتٍ طويلةٍ إلى مشاعرَ حيّةٍ في صدور خرّيجين يقفون للمرّة الأولى على عتبة التّخرّج؛ مشاعرَ تتمثّلُ في هيبةِ اللّحظة، وفرحةِ الوصول، وفخرِ الانتماء إلى الجامعة الأردنيّة، بعد سنواتٍ من الجِدّ والاجتهاد والمثابرة.

ففي استطلاعٍ أجرَته صفحةُ أخبار الجامعة الأردنيّة خلال بروفة تدريبات حفل تخريج خرّيجي كلّيّتَي الطّبّ وطبّ الأسنان، تنوَّعت تصريحاتُ الخرّيجين لدى سماعهم نشيدَ الجامعة الأردنيّة أثناءَ عبور موكبِهم ميدانَ التّخرّج؛ فمنهم من كان ينتظر هذه اللّحظةَ بفارغ الصّبر، ومنهم من استشعر، منذ اللّحظة الأولى لوَقع النّشيد في أرجاء المكان، أنَّ سنوات التّعب باتت خلفه، فيما وجد آخرون في كلماته وألحانه ذاكرةً تختصر رحلةً أكاديميّةً كاملةً، وتستحضر وجوهَ الأساتذة والأهل والأصدقاء وكلّ التّفاصيل التي رافقتهم في طريقهم نحو التّخرّج.

وقال الأوّل على دفعته، خرّيج كلّيّة الطّبّ أحمد أبو الرّب، إنّه انتظر هذه اللّحظة طويلًا، مؤكّدًا أنّ سماعَه كلمات نشيد الجامعة لحظةَ دخوله ضمن موكب الخرّيجين كفيلةٌ بأن تنسيَه كلّ تعب السّنوات التي أمضاها في الدّراسة والمثابرة حتّى بلغ المرتبة الأولى على دفعته. وأضاف أنّ الشّعور في تلك اللّحظة "يصعُب وصفُه"، فبعد سنواتٍ من السّهر والاجتهاد، يأتي النّشيد ليَختَصرَ في دقائق رحلةً طويلةً من الأحلام والتّحدّيات، ويعلن الوصولَ إلى اللّحظة التي طالما انتظرها.

أمّا خرّيج كلّيّة الطّبّ محمد المنسي، فقال: إنّ سماع النّشيد يمنحه شعورًا بالانتصار؛ "فما إن أسمعه حتّى أشعرَ بأنّني أحصد ثمرةَ ستّ سنواتٍ درستُها في أروقة كلّيّتي وجامعتي"، بحسب قوله، مشيرًا إلى أنّ النّشيد بالنّسبة له ليس مجرّد كلماتٍ تُردّد في حفل التّخرّج، بل إعلانٌ لاكتمال رحلةٍ من العمل والتّعب، وبدء مرحلةٍ جديدةٍ من الحياة.

بدورها، قالت خرّيجة كلّيّة الطّبّ منار سليمان إنّها كانت طوال سنوات دراستها تحفظ مقتطفاتٍ من نشيد الجامعة الأردنيّة، من شدّة تعلّقها به وحبّها لكلماته، منتظرةً اليوم الذي ستردّده فيه وهي تعبُر موكب الخرّيجين.

وأضافت أنّ أكثر ما يميّز تلك اللّحظة بالنّسبة لها هو أن تعبُر أمام أعين ذويها وأساتذتها، ممّن كانوا سندًا لها وداعمًا في كلّ مراحل رحلتها الجامعيّة؛ لتصبح كلمات النّشيد في تلك اللّحظة بالنّسبة لها بمثابة رسالةِ امتنانٍ لكلّ من آمن بها ورافقها حتّى وصلت إلى هذه اللّحظة.

أما خرّيج كلّيّة طبّ الأسنان عمر إبراهيم، فأوضح أنّ نشيد الجامعة الأردنيّة، بما تحمله كلماته الموزونة من معانٍ، يبعث في نفسه الفخرَ والاعتزاز والانتماء إلى جامعةٍ عريقةٍ، لطالما شكّلت حلمًا لكثيرٍ من الطّلبة الرّاغبين في الدّراسة فيها.

وقال إنّه يعتبر نفسَه وزملاءَه من المحظوظين بانتمائهم إلى هذه الجامعة، لا سيّما أنّهم يتخرّجون ضمن "فوج الهواشم"، وهو لقبٌ يراه مِن أجمل الألقاب التي يمكن أن يحملها الخرّيج، لما يحمله من معاني الفخر والمسؤوليّة في آنٍ واحد.

وأكّد إبراهيم أنّ هذا اللّقب يُحمِّلُه وزملاءَه مسؤوليّةً مضاعفةً لتمثيل الأردنّ والجامعة الأردنيّة بأفضل صورةٍ بين أقرانهم في أسواق العمل الإقليميّة والدّوليّة، مختتمًا حديثه بالقول: "نحن أصحاب اللّقب، ونحن أبناء الجامعة الأردنيّة، ونحن أصحاب السّبق بأن ظفرنا بلقب فوج الهواشم أيضًا".