بنسبة ١٠٪ من محصوله تضامناً مع الفقراء
مزارع مسيحي من عائلة الهلسا يخرج زكاة الحبوب
راصد الإخباري -
في لفتة إنسانية تعكس عمق التضامن الاجتماعي والروح الإسلامية الأصيلة، بادر مزارع من عائلة الهلسا، ذات الجذور العريقة في العمل الزراعي، إلى إخراج زكاة حبوب موسمه الحالي بنسبة عشرة في المئة من كامل المحصول، وذلك امتثالاً لأمر الله تعالى وتحقيقاً لمعنى التكافل بين أبناء المجتمع الواحد. وجاءت هذه المبادرة في وقت يشهد فيه الموسم الزراعي وفرة وإنتاجاً استثنائياً، ما دفع المزارع إلى مضاعفة نصيب الزكاة تعبيراً عن شكره للخالق وسعياً لنشر الخير والبركة في الأرض.
وقد فضّل المزارع، الذي رفض الإفصاح عن اسمه أو الظهور إعلامياً، أن يبقى عمله هذا سراً بينه وبين ربه، مؤكداً في اتصال هاتفي مع مراسلنا أن فعل الخير يجب أن يكون خالصاً لوجه الله تعالى، بعيداً عن أي مكاسب شخصية أو دعاية، مستشهداً بقوله تعالى: "إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاءً ولا شكوراً". هذا الموقف النبوي لاقى استحساناً واسعاً في الأوساط الزراعية والدينية، حيث رأى فيه كثيرون نموذجاً يحتذى به في زمن باتت فيه القيم المادية تتصدر المشهد على حساب الروح الجماعية.
وفي حديثه عن الموسم الزراعي، وصف المزارع الهلساوي هذا العام بأنه "ممتاز جداً" من حيث كمية الإنتاج وجودة الحبوب، مقارنة بالمواسم السابقة التي شهدت تقلبات مناخية أثرت على المحاصيل. وأضاف أن هذه الوفرة جاءت بفضل الله ثم الأمطار الغزيرة في أوقاتها المناسبة، ما جعل الأرض تمنح خيرها بكرم غير مسبوق، ورأى في ذلك فرصة ذهبية لتأكيد مبدأ التضامن الاجتماعي، قائلاً: "علينا من باب التراحم بين أبناء المجتمع أن نخرج من هذا الرزق للفقراء وممن لا يملكون أرضاً، حتى يعم الخير على الجميع وتسود مفاهيم المحبة والتآخي، فالمال لا يبقى والأجر يبقى".
وفي سياق تفصيلي للأرقام، كشف المزارع أنه حصل هذا الموسم على ما يزيد عن سبعة وعشرين طناً من القمح عالي الجودة، ليقرر إخراج زكاتها بواقع اثنين طن وسبعمائة كيلوغرام، وهو ما يعادل تماماً العشرة في المئة من الإجمالي. وأوضح أنه قام بتوزيع هذه الكمية مباشرة على الأسر الفقيرة والعائلات المتعففة في المنطقة، بالتنسيق مع لجنة الزكاة المحلية، لضمان وصول الحق إلى مستحقيه دون إبطاء، مؤكداً أن هذه الممارسة ليست وليدة اليوم، بل هي تقليد متوارث في عائلة الهلسا، إلا أنه حرص هذا العام على زيادة النسبة تأسياً بالسنة النبوية وحثاً على البذل في أوقات الخير.
هذا العمل الكريم لم يمر مرور الكرام بين أهالي المنطقة، حيث عبّر عدد من الفلاحين والوجهاء عن تقديرهم لهذه البادرة، داعين الله أن يجزيه خير الجزاء، وأن يجزي كل من يلتزم بهذا الفرض العظيم الذي يطرح الخير والبركة في الأرزاق ويزكي النفوس. وأكدوا أن مثل هذه المواقف تعيد الثقة في النسيج الاجتماعي، وتذكر الجميع بأن الزكاة ليست مجرد عبادة فردية، بل نظام اقتصادي متكامل يهدف إلى سد حاجة المحتاجين وتحقيق العدالة في توزيع الثروات، خصوصاً في المجتمعات الريفية التي تشكل الزراعة عماد حياتها.
ويبقى هذا المشهد النبيل شاهداً على أن الخير ما زال ينبض في عروق الأرض وأبنائها، وأن التمسك بالفرائض الدينية، وفي مقدمتها زكاة الحبوب، ليس مجرد التزام شعائري، بل هو استثمار في الروابط الإنسانية التي تضمن استقرار المجتمع وازدهاره. وإنها لدعوة صامتة لكل ميسور إلى الاقتداء بهذا المزارع الأمين، وإدراك أن البركة في المال ليست بكثرته، بل بصدق النية وحسن الإنفاق، عسى أن تعم هذه الروح كل ربوع الوطن، فتزكو الأرض وتزكو القلوب.







