ندوة حواريّة في الجامعة الأردنيّة تناقش
فرص الذّكاء الاصطناعيّ ومخاطره
راصد الإخباري -
سناء الصمادي- أكّد مشاركون في ندوة حواريّة أنّ الذكاء الاصطناعيّ أصبح أداة معرفيّة متقدمة تسهم في بناء المعرفة وتطويرها، وأنّ التّعامل معه لم يعد خيارًا أو ترفًا فكريًّا، بل ضرورة تفرضها المتغيرات المتسارعة في مختلف المجالات العلميّة والعمليّة.
وشدّدوا على أنَّ الذكاء الاصطناعيّ شريك للعقلِ البشريّ وليسَ بديلًا عنه، إذ تَبقى للإنسان القدرة على تحديد المعنى والغاية والمقاصد الأخلاقيّة التي لا تستطيع الآلة امتلاكها.
جاء ذلك خلالَ النّدوة الحواريّة التي نظَّمتها اللجنة الثقافيّة في الجامعة الأردنيّة بعُنوان "الذكاء الاصطناعيّ: الفرص والمخاطر"، برعاية نائب رئيس الجامعة الأردنيّة لشؤون الاعتماد والتّصنيف الدّولي والاستدامة، الأستاذ الدكتور فالح السواعير، وبمشاركة نخبة من الأكاديميين والخبراء والمتخصصين من الأردنّ ولبنان، لمناقشة التّحولات المعرفيّة والعلميّة التي أحدثتها تِقْنيات الذكاء الاصطناعيّ وأثرها في التّعليم والبحث العلميّ وقطاع الأعمال، إلى جانب التّحديات والمخاطر المرتبطة باستخداماته المتسارعة.
وشهدت النّدوة حضور رئيس هيئة اعتماد مؤسسات التّعليم العالي وضمان جودتها الأستاذ الدكتور ظافر الصرايرة، وعدد من الأعيان وعمداء الكُليّات وأعضاء الهيئة التّدريسية والباحثين والطّلبة والمهتمين بموضوعات الذّكاء الاصطناعي وتطبيقاته في مختلف المجالات.
وقدّم الأستاذ الدكتور غسان مراد من الجامعة اللبنانية مداخلة تناول فيها الأبعاد الفلسفية والمعرفيّة للذكاء الاصطناعيّ، مشيرًا إلى أنَّ التطورات في علوم الحاسوب فتحت المجال أمامَ محاولات لمحاكاة العقل البشريّ، وأنَّ البشرية تعيشُ اليوم مرحلة تجديد معرفيّ تماثلُ في أهميّتها الثورات العلميّة الكُبرى التي شهدها التاريخ.
وأضافَ أنَّ التّطورات التكنولوجيّة المتسارعة تفرض إعادة النَّظر في العديد من المفاهيم المرتبطة بالمعرفة واللغة والتَّعلم، في ظلِّ ما وصفه بحالة الالتباس اللغويّ والمعرفيّ التي ترافقُ التّحولات الرقمية الرَّاهِنة.
من جانبِهِ، تناولَ عضو مجمع اللغة العربيّة الأستاذ الدكتور مأمون الحطاب العلاقة بينَ المنهج والذكاء الاصطناعيّ، مؤكّدًا أهميّة تطوير المناهج التّعليميّة والبحثيّة بما يواكب التّحولات التقنية الحديثة، مع الحفاظ على البعد الإنسانيّ والقيمي في إنتاج المعرفة، كما دعا إلى بلورة أطر أخلاقيّة واضحة لاستخدامات الذكاء الاصطناعيّ تنطلقُ من القيم الإنسانيّة والإسلاميّة وتضمن توظيف هذه التّكنولوجيا لخدمة الإنسان والمجتمع.
واستعرضَ الأستاذ الدكتور نضال الرشيدات تجرِبة بحثيّة في توظيف الذّكاء الاصطناعيّ في المجال الطّبي، مُبيِّنًا أنَّ هذه التّقنيات أحدثت تطورًا كبيرًا في التّشخيص المُبكِّر للأورام من خلال تحليل الصور الطبيّة، مثل: الأشعة السينية والرنين المغناطيسي والتصوير المقطعي.
وأوضحَ أنَّ البحث اعتمد على استخدام الشّبكات العصبية الالتفافية (CNNs) لتصنيف الصور الطبيّة والكشف عن الأورام، لما تمتلكه من قدرة على استخراج السّمات المهمة والتّعرف على الأنماط المعقدة المرتبطة بوجود الأورام، الأمر الذي يسهمُ في رفعِ دقة التَّشخيص وتقليل احتماليّة الأخطاء البشريّة ودعم الأطباء في اتّخاذ القرارات العلاجيّة المناسبة.
كما قدَّم الأستاذ الدكتور إبراهيم الجراح من الجامعة الأردنيّة ورقة تناولت أثر الذكاء الاصطناعي في مستقبل البحث العلميّ، مؤكدًا أنَّ هذه التّقنيات توفر للباحثين أدوات متقدمة لمراجعة الأدبيات العلمية وتحليل البيانات وإدارة المعرفة والتّصميم الإلكترونيّ، بما يسهم في توفير الوقت والجهد ورفع كفاءة الإنتاج العلميّ.
بدوره، استعرضَ الرئيس التنفيذي لشركة الأتمتة خالد خليفة تطبيقات الذكاء الاصطناعيّ في بيئة الأعمال، مُوضِّحًا أثرها في رفع مستويات السّرعة والإنتاجية داخلَ الشركات والمؤسسات.
وأشارَ إلى أنَّ المؤسسات التي تواكب التّطورات في هذا المجال تتمكنُ من إنجاز أعمالها بكفاءة أعلى، لا سيّما في مجالات خدمة العملاء وإعداد التقارير الماليّة والإداريّة، مما ينعكس إيجابًا على جودة الإنجاز وسرعته.
وناقش المتحدثون رؤى الكليات العلمية وقطاع الأعمال حولَ إدماج الذكاء الاصطناعيّ في مختلف المجالات، مؤكِّدين أنَّ مستقبل البحث العلميّ يشهدُ تحوّلًا جذريًا يتطلبُ إعادة النّظر في آليات العمل البحثيّ التقليديّة.
وأشاروا إلى أنَّ الطّموح لم يعدْ يقتصر على استخدام الذكاء الاصطناعيّ كأداة مساعدة، بل يتجه نحوَ إعادة تشكيل منظومة البحث العلميّ بأكملها من خلالِ توسيع قدرات الباحثين على الاستكشاف والتحليل وتعزيز جودة المُخرَجات العلميّة.
وأكد المشاركون أنَّ المشهد البحثيّ العالميّ يتغير بوتيرة متسارعة، ما يستوجب من الجامعات والباحثين مواكبة هذه التّحولات والاستفادة من الإمكانات التي توفرها تقنيات الذكاء الاصطناعيّ، مشيرين إلى أنَّ هذه التقنيات باتت تسهم في تطوير أساليب البحث العلميّ وتسريع عمليات مراجعة الأدبيات وتحليل البيانات ودعم اتخاذ القرار.
وفي ختام النّدوة، أجمعَ المشاركون على أنَّ الذكاء الاصطناعيّ يمثل فرصة كبيرة لتطوير التّعليم والبحث العلمي والقطاعات الإنتاجية المختلفة، شريطة أن يتمّ توظيفه ضمنَ إطار أخلاقيّ ومعرفيّ يضمنُ الحفاظ على دور الإنسان بوصفه محور العمليّة المعرفيّة وصاحب القرار والمسؤولية.
وأكدوا أنَّ الآلة قادرة على إنجاز العمليّات الحسابيّة والتحليليّة بسرعة وكفاءة، لكنّها تبقى عاجزة عن امتلاك المعنى والغرض الأخلاقيّ والرؤية الإنسانيّة الشاملة، ما يجعل العلاقة بينَ الإنسان والذكاء الاصطناعيّ علاقة تكامل وشراكة لا إحلال واستبدال.







