لماذا الفيدرالي الامريكي قد لا يخفض الفائدة مع ندرة راس المال

{title}
راصد الإخباري -

يسود اعتقاد قوي في مجتمعات الاستثمار وبين متابعي الاسواق العالمية بان رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي الامريكي ومعه صناع السياسة النقدية يتمسكون بمستويات الفائدة المرتفعة لسبب واحد وهو محاربة التضخم. غير ان قراءة معمقة لما يدور خلف كواليس اسواق المال تكشف ان المعركة الحقيقية تقع في مكان اخر تماما بعيدا عن ارقام مؤشر اسعار المستهلكين الذي تترقبه الصناديق شهريا اذ ان الشبح الحقيقي الذي يواجه الاقتصاد العالمي اليوم يحمل اسما مغايرا وهو ندرة راس المال الهيكلية.

وتشير البيانات الضمنية لاسواق السندات الى حقيقة قد تبدو صادمة للوهلة الاولى فالاسواق العالمية عبر تريليوناتها تؤكد بصوت واحد ان التضخم طويل الاجل بات تحت السيطرة. حيث تقف توقعات التضخم المستقبلية المشتقة من الفارق بين العوائد الاسمية والحقيقية عند مستوى 2.3 في المئة فقط وهذا يعني ان العالم لن يعود لمشهد عام 2022 المرعب وان تحركات الاحتياطي الفيدرالي الراهنة مدفوعة بمتغيرات هيكلية اعمق واطول استدامة من مجرد تقلبات اسعار السلع.

ولتبسيط الفكرة هنا ينقسم العائد على السندات الى شقين اساسيين الاول هو العائد الاسمي وهو الرقم المجرد الذي يراه المستثمر على شاشات التداول ويتسلمه بصفته فائدة دورية. اما الشق الثاني والاهم فهو العائد الحقيقي وهو القوة الشرائية الفعلية للمال بعد استقطاع معدلات التضخم وبحسبة اقتصادية بسيطة فان الفارق بين هذين العائدين يعرف في الاوساط المالية بمصطلح وهو بمثابة الترمومتر الذي يترجم توقعات اسواق المال للتضخم على المدى الطويل. فعندما يقف هذا الفارق اليوم عند مستويات منخفضة تاريخيا نحو 2.3 في المئة فان الاسواق تبعث برسالة واضحة ومطمئنة بان شبح التضخم بات تحت السيطرة تماما مما يعني ان استمرار الارتفاع الحاد في العوائد الحقيقية للسندات لا يعود الى الخوف من غلاء الاسعار بل الى ندرة الرساميل واشتداد التنافس العالمي عليها.

وتكمن الحكاية الحقيقية في سوق السندات الامريكية المحمية من التضخم التي تعكس العائد الحقيقي الصافي بعيدا عن ضوضاء الاسعار. ففي الربع الاخير من عام 2025 خرج مزاد سندات الخزانة لاجل 30 عاما المحمية من التضخم بعائد حقيقي بلغ 2.65 في المئة وهو الاعلى لهذه الشريحة منذ ربع قرن اكتوبر 2001. ووفقا للقاعدة البدائية للاقتصاد بان العائد يرتفع عندما ينخفض السعر نتيجة ضعف الطلب فان هذه القفزة تعني ان ملاذات الاستثمار الاعلى امانا على وجه الكوكب لم تعد تشهد ذات التهافت التاريخي من قبل صناديق التقاعد والمصارف المركزية.

هذا المشهد يعلن رسميا نهاية الحقبة التي عرفها الاقتصاد العالمي طيلة عقدين باسم فائض المدخرات العالمي وهي المرحلة التي تميزت بتدفق مدخرات الصين واليابان ودول الخليج نحو ادوات الدين الامريكية بحثا عن الامان مما سمح للاحتياطي الفيدرالي بطباعة الدولار واغراق الاسواق بتمويل رخيص ودون تكلفة تذكر. اليوم استقرت التزامات صناديق المعاشات الكبرى والاهم من ذلك ان السياسة النقدية باتت تواجه منافسا شرسا استقطب الفوائض المالية نحو وجهات جديدة اكبر اغراء واعلى عائدا.

وتتحرك الرساميل العالمية اليوم باتجاه تمويل قفزات تكنولوجية وجيوسياسية غير مسبوقة حيث يلتهم قطاع الذكاء الاصطناعي وميزانيات الدفاع المتصاعدة والبنية التحتية للجيل المقبل من الاتصالات الجزء الاكبر من السيولة المتاحة. وتجاوز الانفاق الراسمالي للشركات التكنولوجية العملاقة خصوصا مايكروسوفت وغوغل وميتا وامازون حاجز 300 مليار دولار في 2025 الذي وجه بصفة رئيسية لبناء مراكز البيانات والشرائح الفائقة وتامين الطاقة التشغيلية لها ولا تزال هذه الاستثمارات مستمرة لهذا العام ايضا.

هذا التحول الهيكلي نقل العالم من بيئة يتجاوز فيها حجم الاموال حجم الفرص المتاحة الى عالم جديد باتت فيه الفرص والمشروعات الاستراتيجية تفوق حجم الرساميل المتوفرة مما يرفع تلقائيا من التكلفة الطبيعية للمال.

هذا الواقع يقود الى المفهوم الاهم في ادبيات البنوك المركزية وهو او المعدل المحايد للفائدة وهو النقطة النقدية التي لا يكون عندها الاقتصاد محفزا ولا مقيدا. والمؤشرات الحالية تدل على ان هذا المعدل قد ارتفع هيكليا مما يضع الادارة النقية للاحتياطي الفيدرالي امام معضلة حقيقية فاجراء اي خفض كبير في اسعار الفائدة سيعيد السياسة النقدية الى النطاق التيسيري. وفي ظل اقتصاد يعاني نقصا هيكليا في راس المال مقابل انفاق تكنولوجي ودفاعي هائل فان هذا الخفض سيشعل تضخما هيكليا جديدا ناتجا عن تفوق الطلب على العرض في سوق راس المال.

وفي المقابل فان المبالغة في رفع الفائدة قد تضغط على معدلات النمو والتوظيف وتحدث تصدعات في النظام المالي مما يجعل الخيار الثالث والاعلى واقعية امام الاحتياطي الفيدرالي هو الابقاء على تكلفة الاقتراض مرتفعة وعند مستوياتها الحالية لفترة اطول مما تتمناه وترجوه الاسواق التي لا تزال تحن الى عصر السيولة الرخيصة لعامي 2020 و2021.

السنوات العشر المقبلة لن تشبه باي حال من الاحوال العقود الماضية فالفائدة الصفرية او المنخفضة للغاية لم تكن قاعدة ثابتة في طبيعة الكون بل كانت ظاهرة تاريخية ولدتها ظروف ديموغرافية واقتصادية دولية محددة وقد انتهت صلاحيتها.

ومع دخول العالم مرحلة تتسم بندرة المال واشتداد المنافسة الدولية على رؤوس الاموال فان الاستراتيجيات الاستثمارية التي بنيت على فرضية عودة التمويل المجاني ستواجه ضغوطا تصحيحية قاسية وبات السؤال الجوهري الذي يواجه الصناديق والمستثمرين اليوم هل تعكس المحافظ الاستثمارية واقعا ولى كانت فيه الفائدة عند مستويات الصفر ام انها مصممة للتعامل مع عالم جديد استقرت فيه تكلفة راس المال عند عتبة 4 في المئة فما فوق الاجابة عن هذا التساؤل هي التي ستحدد ملامح الثروات والمستقبل المالي للعقد المقبل.