الشرطة التركية تقتحم مقر حزب الشعب الجمهوري وتفاقم أزمة المعارضة
في أجواء مشحونة، اقتحمت الشرطة التركية مقر حزب الشعب الجمهوري، أكبر أحزاب المعارضة، بناء على طلبين متتاليين من الرئيس السابق للحزب، كمال كليتشدار أوغلو، الذي عاد لرئاسته بقرار قضائي أثار جدلا واسعا.
أفادت مصادر بأن قوات الشرطة حاصرت مبنى الحزب منذ صباح اليوم، في حين تحصن رئيس الحزب، أوزغور أوزيل، الذي عزله القضاء مؤقتا، وعدد من النواب والأعضاء داخل المبنى وأغلقوا بوابته الرئيسية، بينما تجمع مؤيدون للحزب في الخارج.
تظاهر أعضاء من الحزب ومواطنون أمام المقر، رافضين دخول الشرطة، ورفعوا صورة أوزيل، مرددين هتافات: "نحن جنود مصطفى كمال (أتاتورك)".
بعد ساعات من الانتظار، اقتحمت الشرطة المبنى وحطمت بوابته الرئيسية، وأطلقت قنابل الغاز المسيل للدموع والرصاص المطاطي على الموجودين بالداخل، فيما بقي أوزيل في مكتب رئيس الحزب بالطابق الـ12 قبل أن يخرج بعد نحو ساعة ونصف، وأعلن أوزيل بعد مغادرته المقر الانطلاق مع نواب وأعضاء الحزب في مسيرة إلى مبنى البرلمان، ووجه دعوة إلى الجمهور للتجمع أمام مبنى البرلمان "دفاعا عن إرادتهم".
أثناء عملية الاقتحام، التي جرت بعد الظهر، أصيب العديد من الأشخاص جراء كثافة الغاز المسيل للدموع خلال عملية الإخلاء، التي قوبلت بمقاومة من داخل المبنى.
قال أوزيل في مقطع فيديو عبر حسابه على منصة "إكس" من داخل مكتبه في مقر الحزب أثناء اقتحام الشرطة، إن كليتشدار أوغلو اتصل به مساء السبت، واتفقا على أن يلتقيا في الساعة 12 ظهرا بالتوقيت المحلي، مضيفا: "لكننا فوجئنا في السابعة صباحا بقدوم أشخاص يشبهون المافيا، تصدى لهم الجمهور ومنعوهم من دخول الحزب، ثم عادوا مرة أخرى بحراسة الشرطة لاقتحام الحزب وإخراجنا بالقوة".
أضاف أوزيل: "نحن نتعرض لهجوم، وجريمتنا أننا جعلنا (الشعب الجمهوري) الحزب الأول في تركيا بعد 47 عاما، وهناك تحالف بين من لا يطيقون نجاحنا في الحزب، ومن لا يطيقون نجاحنا في الانتخابات المحلية"، وتابع: "لن نرفع أيدينا ضد الشرطة، لكننا قلنا إنه لا أحد سوى مندوبي الحزب يستطيع إزاحتنا من هذه المقاعد التي وضعونا فيها، وإذا طردونا من هنا فسنبقى في الساحات، والانتخابات تحسم في الشوارع والساحات، ولن نتوقف من الآن فصاعدا، وسنواصل مسيرتنا نحو السلطة في الساحات".
لدى مغادرته مقر الحزب متوجها في مسيرة إلى البرلمان، قال أوزيل: "عندما نعود إلى هنا مرة أخرى، لن تجرؤ الحكومة ولا ذراعها القضائي ولا المتعاونون معها على فعل ذلك مجددا".
خاطب أوزيل حشدا من أنصاره في حديقة بالقرب من البرلمان من فوق حافلة، قائلا: "نحن (الشعب الجمهوري) لا ننهزم، والاستسلام لا يليق بحزب أتاتورك، وسنلقن تحالف من يريدون الاستيلاء على حزب أتاتورك، ومن يريدون تسليمه، درسا قاسيا، ولن نتوقف بعد الآن، وسنوجد في الشارع، وسنحقق مطلب الشعب بإجراء الانتخابات، وسنفوز بحكم تركيا".
اتهم أوزيل كليتشدار أوغلو بـ"التوسل إلى قاضي حزب (العدالة والتنمية) ليمنحه السلطة التي لم يمنحها له المندوبون في المؤتمر العام الـ38 للحزب الذي انعقد في نوفمبر (تشرين الثاني) 2023"، في إشارة إلى قرار المحكمة بـ"البطلان المطلق" لانتخابات زعامة الحزب، وتابع متحدثا عن كليتشدار أوغلو وأنصاره: "قلنا لهم ألا يقدموا على ذلك، وحذرناهم من المشاركة في خطة تسليم حزب (الشعب الجمهوري) إلى حزب (العدالة والتنمية)، بسبب طموحاتهم الشخصية وعجزهم عن تقبل الهزيمة، لكننا لم نفلح في إقناعهم".
حمل أوزيل بشدة على الشرطة، وقال: "عار على شرطة الدولة، وعار على من جمعوا أبناء الوطن لاقتحام بيت أجدادهم، وعار على من اقتحموه مع الشرطة، وعار على من أمروا باستخدام الغاز المسيل للدموع والهراوات ضد أبناء هذا الحزب".
بدوره، وجه رئيس بلدية إسطنبول المحتجز، المرشح الرئاسي لحزب "الشعب الجمهوري"، أكرم إمام أوغلو، رسالة من داخل محبسه في سجن سيليفري عبر منصة "إكس"، هاجم فيها كليتشيدار أوغلو والرئيس رجب طيب إردوغان، دون ذكرهما بالاسم، قائلا: "نحن على دراية تامة بجميع المناورات غير القانونية التي يقوم بها مدبرو الانقلاب، والتحضيرات للانتخابات المبكرة، والجهود المبذولة للسيطرة على حزب المعارضة الرئيسي"، وتابع: "لم نخسر أي انتخابات قط، وبإرادة الشعب، أصبحنا الحزب الرائد في تركيا، وأقف مع رفيقي رئيسنا أوزغور أوزيل، وسنواصل معا النضال بعزيمة وإصرار"، مضيفا أنه "لا توجد أوقات يائسة، بل أناس يائسون، ولا تقلقوا من الصعوبات التي نواجهها لحماية المستقبل، والجمهورية، والديمقراطية".
استنكر عدد من النواب المقربين من كمال كليتشدار أوغلو، اقتحام الشرطة لمبنى الحزب، وقال النائب عن مدينة إسطنبول، أوغوز كان ساليجي، إن "دخول قوات الأمن إلى مقر الحزب مبالغ فيه، وتجاوز للحدود، ووصمة عار في التاريخ".
نددت أحزاب المعارضة باقتحام مبنى حزب "الشعب الجمهوري"، واعتبرته "انتهاكا للديمقراطية والقانون"، وأعلن حزب "الديمقراطية والمساواة للشعوب"، المؤيد للأكراد، رفضه اقتحام الشرطة لمقر حزب "الشعب الجمهوري" بالقوة، وإخراج قيادات الحزب ونوابه والمواطنين بأمر من ولاية أنقرة.
قال الحزب في بيان، إن "الإصرار على هذه الأساليب القمعية أمر غير مقبول، ولا يمكن حل أي قضية سياسية بكسر الأبواب واستخدام الغاز المسيل للدموع".
أضاف الحزب: "يجب أن نؤكد بوضوح أن حزب (الشعب الجمهوري) هو مركز ثقل مهم في التوازن السياسي والديمقراطي لهذا البلد، وأن أي اضطراب داخل حزب المعارضة الرئيسي يؤثر بشكل مباشر على النظام السياسي في تركيا، ونعتقد أن على جميع الفاعلين السياسيين إدراك هذه الحقيقة".
بدوره، دعا نائب رئيس حزب "الحركة القومية" (الحليف للحزب الحاكم) المسؤول عن الشؤون القانونية والانتخابية، فتي يلديز، إلى إلغاء المادة 121/ الفقرة 1 من قانون الأحزاب السياسية، مؤكدا أن "الالتباس في الاختصاص القضائي بين لجان الانتخابات والمحاكم المدنية لا يمكن حله إلا بإلغاء هذه المادة".
في الوقت ذاته، غير موقع البرلمان التركي الرسمي تعريف أوزيل من رئيس حزب "الشعب الجمهوري" إلى "رئيس كتلة حزب الشعب الجمهوري"، بناء على قرار المحكمة الصادر، الخميس الماضي، بالبطلان المطلق للمؤتمر العادي الـ38 للحزب، والمؤتمرات الاستثنائية والعادية اللاحقة عليه.
قدم نواب مقربون من كليتشدار أوغلو حكم المحكمة إلى البرلمان، لتأكيد عودته إلى رئاسة الحزب، بينما انتخب أوزيل بالأغلبية رئيسا للمجموعة البرلمانية للحزب خلال اجتماعها السبت، في خطوة تمنع كليتشدار أوغلو من ترؤس اجتماعاتها في البرلمان.
كشفت مصادر قريبة من كليتشدار أوغلو عن أنه يجهز لـ"عملية تطهير" في الحزب، الذي يخطط لدخول مقره الرئيسي الاثنين، قد تشمل إقصاء إمام أوغلو وتفعيل ملفات سابقة لرفع الحصانة البرلمانية عن بعض النواب، من بينهم أوزيل، بسبب تحقيقات في ملفات قضائية.
حسب المصادر، سيتجاهل كليتشدار أوغلو مطلب أوزيل عقد مؤتمر عام للحزب في غضون 45 يوما، وأدلى رؤساء بلديات المدن الكبرى، المنتمون للحزب، بتصريحات مماثلة، بمن فيهم رئيس بلدية أنقرة، منصور ياواش.







