لبنان يواجه استحقاقات مالية جديدة وسط خلافات حول خطة الانقاذ
تستمر القضايا المالية والنقدية المعلقة في لبنان في خلق المزيد من الاستحقاقات الحيوية التي تضاف إلى جداول أعمال السلطات التنفيذية والتشريعية والنقدية، وذلك بعد أن تراجعت نسبيا خلف تداعيات الحرب وتصدرت نتائجها على المستويات كافة.
بينما يعكف الفريق الاقتصادي الحكومي على إعداد تحسينات لمشروع قانون الفجوة المالية، بما يشمل مناقشة تحفظات حاكم مصرف لبنان، أدت التعديلات الجديدة على قانون إصلاح المصارف، التي أحالتها الحكومة إلى المجلس النيابي خلال الشهر الجاري، إلى تجدد الخلافات في أروقة القطاع المالي، والتي تتركز حول خطة الإنقاذ ومعالجة الأزمات الهيكلية المستمرة منذ سبع سنوات، والمتجلية في عدم الالتزام بالإصلاحات المطلوبة لعقد اتفاق مع صندوق النقد الدولي.
كشفت معلومات تابعتها "الشرق الأوسط" مع مسؤول مالي معني، أن التطورات وتداعياتها منحت لبنان مهلة جديدة تمتد حتى موعد الاجتماعات الخريفية للمؤسسات المالية الدولية لإنجاز تشريعات خارطة طريق استعادة الانتظام المالي واسترداد الودائع، بما يشمل الإصلاحات المنشودة في الجهاز المصرفي، والتزام متطلبات مكافحة تبييض الأموال، خصوصا لجهة كبح الاقتصاد غير النظامي وإقفال قنوات مرور الأموال غير المشروعة، ومعالجة التضخم النقدي من خلال إخضاعها للتحقق من المصدر إلى المستفيد.
برز تطور استثنائي من شأنه التأثير على المداولات اللاحقة في اللجان النيابية والهيئة العامة لمجلس النواب، حيث أقر صندوق النقد في تقرير محدث، بوصف الأزمة التي أصابت القطاع المصرفي بأنها "نظامية"، ومساواتها بأزمات مشابهة أصابت دولا أخرى، مما سيسهم في مطابقة الإصلاحات ومسؤولياتها مع التوصيف الدولي ومحاكاة الخطط المعتمدة في تجارب الدول المشابهة.
أوضح المسؤول المالي أن تصنيف صندوق النقد الدولي سيحسم الجدليات الداخلية التي أدت إلى إطالة الفشل في اعتماد الخطة المتكاملة للخروج من الأزمات المالية والنقدية، واحتواء تداعياتها المعيشية والاجتماعية، معتبرا ذلك ممرا إلزاميا وحيدا لاستعادة الثقة بالقطاع المالي ككل، والعودة المتدرجة إلى التعافي الاقتصادي، خصوصا بعد الخسائر الجسيمة الناتجة عن الحروب.
أكد المسؤول المالي أن هذه المقاربة تكتسب أهمية إضافية في ظل النقاشات المرتبطة بإعادة هيكلة القطاع المالي، لا سيما مشروع قانون استعادة الانتظام المالي واسترداد الودائع المحال من قبل الحكومة إلى المجلس النيابي، مشيرا إلى أن الاعتراف بالطابع النظامي للأزمة يفرض إعادة النظر في بعض التوجهات المطروحة، بما يضمن توزيعا أكثر عدالة للمسؤوليات والأعباء بين مختلف الأطراف المعنية.
يتفق هذا التطور في التوصيف الدولي لطبيعة الأزمة مع المطالعة القضائية لمجلس الشورى قبل أكثر من سنتين، والتي استخلصت أن لبنان لا يواجه أزمة مصرفية عادية، بل أزمة نظامية، محملا الدولة المسؤولية الأولى عن الأزمة المالية نتيجة اعتماد سياسة الاقتراض من مصرف لبنان لتمويل العجز في موازناتها.
جرى تجديد التداول بهذه المطالعة خلال اجتماع رئيس الجمهورية جوزيف عون مع مجلس إدارة جمعية المصارف برئاسة الدكتور سليم صفير، وإبلاغه الاستعداد لتحمل المصارف مسؤولياتها وللمشاركة في تحمل الخسائر، ضمن سياق لا يحول الإصلاح إلى تصفية، أو تحويل إعادة الهيكلة إلى تحميل غير عادل للقطاع والمودعين معا، مما يقتضي العدالة في توزيع المسؤوليات والأعباء، والحرص على حماية حقوق المودعين، والحفاظ على مقومات استمرارية القطاع.
شدد عون على أهمية الوصول إلى حل عادل وشامل للأزمة المصرفية بما يرضي الجميع ويحفظ الحقوق على حد سواء، مؤكدا أهمية الإصلاح من دون تدمير أو المس بهذا القطاع، ومشددا على أنه من واجب الدولة الوقوف إلى جانب القطاع المصرفي وإصلاحه وإعادة هيكلته للمحافظة على الوضع الاقتصادي وضمان حقوق المودعين، وبأنه من دون قطاع مصرفي سليم لن تكون هناك استثمارات ولن يكون بلد.
لم يتردد حاكم البنك المركزي كريم سعيد في إظهار تحفظاته على مندرجات مهمة واردة في المشروع الحكومي، مؤكدا حينها أن المشروع يحتاج إلى مزيد من التوضيح والتعزيز فيما يتعلق بالتزامات الدولة، وباعتبار الدولة الجهة النهائية التي استخدمت هذه الأموال على مدى سنوات طويلة، فإن مساهمتها يجب أن تكون محددة بشكل صريح وقابلة للقياس وملزمة قانونا ومقترنة بجدول زمني واضح وموثوق.
أشار الحاكم إلى معضلة توزيع الأعباء والمسؤوليات المالية بين الدولة ومصرف لبنان والمصارف التجارية، فضلا عن العناوين المحورية التي تخص خفض العجز المالي من خلال إزالة المطالبات غير النظامية، وتصنيف الودائع ضمن فئات محددة بوضوح، وعمليات السداد عبر مزيج من المدفوعات النقدية والأدوات المالية المدعومة بالأصول على مراحل وضمن حدود السيولة المتاحة.
تبين المصارف أنها تسعى إلى نيل حقها الطبيعي في المشاركة بالنقاشات التي تقرر مصيرها وتبيان مقاربتها القائمة على تلازم هدفي حماية المودعين واستمرارية القطاع وتفهم ملاحظاتها الواردة ضمن مذكرتها إلى المسؤولين، والتي تستخلص أنه عوضا عن التوزيع العادل للمسؤوليات أخرج مشروع القانون المحال إلى مجلس النواب الدولة وهي المسؤولة الأولى عن الفجوة من أي مساهمة واضحة في الخسائر ولم يكتف المشروع بذلك بل ألحق الأذى بالقطاع المصرفي والمودعين على حد سواء.
على سبيل المثال، يرد في مشروع القانون وجوب تنقية أصول غير منتظمة أي أنها غير مستحقة السداد للمودعين، ويقترح حسمها من بند الودائع وعدم إعادتها إلى أصحابها بينما يحمل المصارف في المقابل قيمتها بوصفها خسارة فتقع الخسارة الفعلية على الطرفين معا أي أصحاب الحسابات والبنوك وتكون النتيجة دفع المصارف نحو التصفية بدل تمكينها من إعادة الودائع.
وفي الخلاصة، يلفت المسؤول المالي إلى أن التجارب الدولية تظهر أن الأزمات النظامية يمكن أن تتحول إلى نقطة انطلاق لإعادة بناء أنظمة مالية أكثر صلابة وحداثة إذا توافرت الإرادة السياسية والإصلاحات الجدية، ومن هنا تبدو المرحلة الحالية فرصة لإعادة صياغة نموذج اقتصادي ومالي جديد يعيد للبنان موقعه ودوره المالي في المنطقة ويؤسس لاستعادة الثقة الداخلية والخارجية على حد سواء.
أضاف المسؤول عينه أنه يصبح من الضروري اعتماد مقاربة تشاركية ومتوازنة تعيد بناء الثقة بالقطاع المالي والمصرفي وتحافظ في الوقت نفسه على حقوق المودعين والمستثمرين واستمرارية المؤسسات المالية، مؤكدا أن إعادة النهوض الاقتصادي لا يمكن أن تتحقق عبر سياسات تصادمية أو حلول ظرفية بل من خلال رؤية إصلاحية شاملة تعترف بحجم الأزمة الحقيقي وتؤسس لمسار تعاف تدريجي ومستدام.







