الصين وامريكا ترسمان ملامح هدنة تجارية بحذر

{title}
راصد الإخباري -

بدات الصين والولايات المتحدة الدخول في مرحلة جديدة من ادارة الحرب التجارية بينهما. واعلنت بكين استعدادها للعمل مع واشنطن على خفض متبادل للرسوم الجمركية المفروضة على سلع بمليارات الدولارات. وتعتبر هذه الخطوة محاولة من اكبر اقتصادين في العالم لتثبيت الهدنة التجارية الهشة وتخفيف الضغوط على الاقتصاد العالمي بعد سنوات من التصعيد.

كشفت وزارة التجارة الصينية ان الجانبين اتفقا مبدئيا على مناقشة اطار لخفض الرسوم الجمركية بشكل متبادل على منتجات ذات حجم متقارب. واوضحت ان قيمة السلع المشمولة قد تتجاوز 30 مليار دولار لكل طرف. ودعت بكين الولايات المتحدة الى الالتزام بالتعهدات التي تم التوصل اليها خلال المفاوضات الاخيرة والى تمديد الهدنة التجارية المبرمة العام الماضي.

يمثل هذا التطور تحولا مهما بعد مرحلة من المواجهة التجارية الحادة خلال عام 2025. وتبادل الطرفان خلالها فرض رسوم جمركية وقيود تصدير وعقوبات طالت قطاعات استراتيجية من التكنولوجيا الى المعادن الحيوية والطيران والزراعة. ودفعت الضغوط الاقتصادية العالمية و تداعيات الحرب الايرانية وارتفاع اسعار الطاقة وتباطؤ النمو في الصين والولايات المتحدة الجانبين تدريجيا نحو تبني مقاربة اكثر حذرا.

بين الرئيس الاميركي دونالد ترمب الذي سعى الى العودة من الصين بانجازات اقتصادية ملموسة قبل انتخابات التجديد النصفي. انه يركز على تقديم القمة باعتبارها بداية مرحلة جديدة من "الصفقات الكبرى" مع الصين. فيما حرصت بكين على اظهار نفسها شريكا اقتصاديا مسؤولا يسعى الى استقرار التجارة العالمية.

ورغم ان الاسواق كانت تامل في اختراقات اكبر خاصة في ملفات التكنولوجيا والرسوم الجمركية. فان مجرد اعلان الجانبين استعدادهما لخفض الرسوم يعد اشارة مهمة الى ان الحرب التجارية دخلت مرحلة اكثر مرونة مقارنة بالاعوام الماضية. وحتى الان تبدو الخطوات المطروحة محدودة نسبيا مقارنة بحجم التبادل التجاري الضخم بين البلدين.

اشار تشيوي تشانغ من شركة "بينبوينت" لادارة الاصول الى ان تخفيض الرسوم على سلع بقيمة 30 مليار دولار تقريبا لن يكون كافيا لتغيير توقعات النمو الاقتصادي بصورة جوهرية. ووصفه بانه "خطوة ايجابية في الاتجاه الصحيح" تمنح المستثمرين العالميين اشارات على استقرار العلاقات الثنائية.

يدرك الطرفان ان الاقتصاد العالمي لم يعد قادرا على تحمل موجة جديدة من التصعيد التجاري خاصة مع استمرار الضغوط التضخمية العالمية وتباطؤ التجارة الدولية وارتفاع تكاليف التمويل والطاقة. وزادت الحرب الايرانية من تعقيد المشهد الاقتصادي العالمي. وتبدو واشنطن وبكين اكثر حرصا حاليا على منع التوترات الاقتصادية من التحول الى ازمة اوسع تهدد النمو العالمي.

اعلنت الصين رسميا شراء 200 طائرة من شركة "بوينغ" الاميركية في اول صفقة صينية كبرى للطائرات الاميركية منذ نحو عقد. وتمثل هذه الخطوة اختراقا مهما في قطاع ظل لسنوات من ابرز ضحايا التوترات التجارية بين البلدين. وكانت شركة "بوينغ" قد فقدت عمليا الوصول الى ثاني اكبر سوق طيران في العالم خلال سنوات المواجهة التجارية.

اعلنت وزارة التجارة الصينية ان الولايات المتحدة ستقدم للصين ضمانات لتوريد قطع غيار ومكونات محركات الطائرات في اطار صفقة "بوينغ". ويشير هذا الى تخفيف جزئي لبعض القيود المرتبطة بسلاسل الامداد الصناعية والتكنولوجية. وبدا ان الجانبين يحاولان ايضا اعادة فتح قنوات التعاون التي تضررت بشدة خلال الحرب التجارية.

اعلنت الصين اعادة تسجيل بعض مصدري لحوم الابقار الاميركيين واستئناف استيراد بعض منتجات الدواجن. وتحدث البيت الابيض عن التزام صيني بشراء ما لا يقل عن 17 مليار دولار من المنتجات الزراعية الاميركية بين عامي 2026 و2028. وتحمل هذه التفاهمات اهمية خاصة لترمب سياسيا لان القطاع الزراعي يمثل جزءا اساسيا من قاعدته الانتخابية التقليدية.

اوضحت وزارة التجارة الصينية ان بكين ستتعاون مع الولايات المتحدة لمعالجة "المخاوف المشروعة والمعقولة" المتعلقة بقيود تصدير المعادن الحيوية. وشددت في الوقت نفسه على ان هذه القيود "مشروعة وقانونية" وتطبق وفقا للقوانين الصينية. ويعكس هذا الموقف استمرار التنافس الاستراتيجي العميق بين البلدين.

يرى محللون ان ما يجري حاليا ليس "نهاية للحرب التجارية" بل اعادة تنظيم للصراع الاقتصادي بين القوتين الكبريين عالميا. وتحاول واشنطن وبكين تقليل كلفة المواجهة على اقتصادهما واسواقهما دون التخلي عن التنافس الاستراتيجي في التكنولوجيا والطاقة وسلاسل الامداد. وتبدو الهدنة التجارية الحالية اقرب الى "ادارة للتوتر" منها الى شراكة اقتصادية مستقرة وطويلة الامد.

يدرك الطرفان ان استمرار التصعيد المفتوح يحمل مخاطر كبيرة على الاقتصاد العالمي خاصة في بيئة دولية مضطربة بفعل الحروب وارتفاع اسعار الطاقة وتباطؤ التجارة العالمية. وتعكس التحركات الاخيرة بين بكين وواشنطن محاولة لبناء مساحة محدودة من التعاون البراغماتي وتسمح بخفض الضغوط الاقتصادية ومنح الاسواق قدرا من الاستقرار.