بعد “نبض البلد”: قراءة في سجال المحافظين والليبراليين ولماذا يغيب الطريق الثالث ؟
راصد الإخباري -
بقلم : اسمى السردي
شاهدت السجال الذي دار بين طلال الشرفات و رومان حداد الذي دار على "نبض البلد” اعتقد أن هذا سجال كان اشبه ب مرآة صريحة لانقسام يتشكل بهدوء داخل المجتمع الأردني. بين طرح الذي يضع الهوية والقيم في مركز الدولة، وطرح الذي ينطلق من الفرد وحرياته، بدا المشهد وكأننا أمام طريقين متوازيين لا يلتقيان.
لكن الإشكالية الحقيقية ليست في اختلاف الطرحين، بل في عجزهما معًا عن إنتاج صيغة قادرة على الاستمرار.
المحافظون يتحدثون بلغة الاستقرار. يرون أن الدولة لا يمكن أن تُفهم خارج سياقها الاجتماعي، وأن العشيرة والقيم ليست مجرد موروث، بل شبكة أمان تحمي المجتمع من التفكك. بالنسبة لهم، أي قفز نحو "تحرير الفرد” دون اعتبار لهذه البنية، هو مغامرة قد تهدد التوازن الهش.
في المقابل، الليبراليون يتحدثون بلغة الحقوق. يعتبرون أن الدولة الحديثة لا تُبنى على الانتماءات الموروثة، بل على مواطن حر متساوٍ أمام القانون. بالنسبة لهم، استمرار هيمنة البنية الاجتماعية التقليدية هو ما يعيق التحديث ويؤخر بناء دولة مدنية حقيقية.
هذا التباين يبدو حادًا… لكنه في جوهره غير مكتمل.
لأن كل طرف يبالغ في ما يخشاه:
- المحافظ يخشى التفكك، فيبالغ في الحماية.
- الليبرالي يخشى القيد، فيبالغ في التحرير.
والنتيجة؟ خطابان متقابلان، لكن بلا جسر.
المفارقة أن كليهما يتحدث عن "الدولة”، لكنهما يقصدان شيئًا مختلفًا تمامًا. المحافظ يرى الدولة امتدادًا للمجتمع، بينما يراها الليبرالي إطارًا ينظم الأفراد. وبين الامتداد والإطار، تضيع المساحة التي يمكن أن تُبنى فيها سياسة واقعية.
وهنا يظهر الغائب الأوضح: الطريق الثالث.
ليس كحل وسط رمادي، بل كتصور مختلف تمامًا. تصور يعترف بأن المجتمع ليس عبئًا يجب التخلص منه، ولا سلطة يجب أن تُفرض بلا حدود. بل هو واقع يجب تنظيمه، وتطويره، دون كسره.
الطريق الثالث يقول:
- لا يمكن بناء دولة حديثة دون احترام البنية الاجتماعية.
- ولا يمكن حماية المجتمع دون ضمان حرية الفرد.
هو لا يختار بين الهوية والحرية، بل يعيد تعريف العلاقة بينهما.
في السياق الأردني، هذا الطرح ليس ترفًا فكريًا، بل ضرورة سياسية. لأن الواقع نفسه مركّب:
مجتمع فيه عشيرة، لكنه أيضًا متعلم؛ محافظ في قيمه، لكنه منفتح بحكم الضرورة؛ مرتبط بتاريخه، لكنه مضطر للتكيف مع عالم متغير.
الاستمرار في تقديم هذا الواقع كخيار ثنائي بين "محافظ” و"ليبرالي” هو تبسيط مخل، بل ومكلف. لأنه يدفع باتجاه استقطاب لا يعكس حقيقة المجتمع، ولا يخدم استقراره.
السؤال لم يعد: من يقنع أكثر؟
بل: من يستطيع أن يبني نموذجًا يعيش؟
حتى الآن، لا يبدو أن أيًا من الطرفين يمتلك الإجابة الكاملة. المحافظ يملك قاعدة اجتماعية لكنه يفتقر إلى مرونة التحديث، والليبرالي يملك وضوحًا فكريًا لكنه يفتقر إلى الامتداد الشعبي.
وبين هذا وذاك، يبقى الفراغ مفتوحًا.
الفراغ الذي لا يُملأ بالشعارات، بل برؤية قادرة على الجمع بين ما يبدو متناقضًا.
ربما لم يكن سجال "نبض البلد” حاسمًا، لكنه كان كاشفًا.
كشف أن المشكلة ليست في اختلاف التيارات… بل في غياب مشروع قادر على استيعابها.
وهنا، تحديدًا، يبدأ دور الطريق الثالث.







