البرلمان الجزائري يصادق على قانون تجريم الاستعمار بعد تعديلات
صادق مجلس الأمة الجزائري، وهو الغرفة العليا للبرلمان، الأحد، بصفة نهائية على مشروع قانون تجريم الاستعمار بعد إدخال تعديلات عليه، وذلك عقب نقاشات مستفيضة في أبعاده السياسية والتشريعية والتاريخية.
بذلك يكون البرلمان الجزائري قد أنهى جدالا حادا استمر بين غرفتيه لأكثر من 4 أشهر بشأن مواد مثيرة في مشروع القانون الذي طرح نصه في وقت بلغت فيه الأزمة الدبلوماسية مع باريس ذروتها، ووظفته الجزائر في سياق ردودها على ما عدته استفزازات من جانب الدولة المستعمرة سابقا.
أظهرت أبرز التعديلات التي اعتمدها أعضاء المجلس إعادة صياغة المادة التاسعة من المشروع عبر حذف عبارة والاعتذار عن جرائم الاستعمار، في خطوة وصفها مراقبون بأنها فرصة للمناورة القانونية والقضائية، تسعى الجزائر من خلالها لانتزاع اعتراف فرنسي رسمي بجرائم الحقبة الاستعمارية وتجاوز العقبات التي قد تعترض المسار الدبلوماسي الهادف إلى دفع باريس إلى الإقرار بمسؤوليتها عن احتلال الجزائر بوصفه جريمة ضد الإنسانية.
قانون تجريم الاستعمار: تفاصيل التعديلات وأبعادها
كان المجلس الشعبي الوطني، وهو الغرفة البرلمانية السفلى، قد صادق على المشروع في ديسمبر 2025، في ظرف شهد تصاعدا في التوترات مع فرنسا، التي تأججت في يوليو 2024، إثر إعلان الإليزيه اعترافه بسيادة المغرب على الصحراء، واعتبر مشروع القانون هذا حلقة من حلقات هذا التوتر.
يهدف النص التشريعي أساسا إلى التعامل مع الاستعمار بوصفه جريمة دولة، وتثبيت ذلك قانونيا، مع توثيق الانتهاكات مثل القتل والتعذيب والتهجير والتجارب النووية الفرنسية في صحراء الجزائر.
قانون تجريم الاستعمار: مطالب بتعويض الضحايا
في صيغته الأولى، تضمن القانون مطالب واضحة موجهة لفرنسا، أبرزها تقديم اعتذار رسمي عن جرائم الاستعمار ودفع تعويضات مادية شاملة للضحايا، لكن لما أحيل إلى الغرفة البرلمانية العليا في مارس الماضي، بغرض المناقشة والمصادقة، تم حذف بندي الاعتذار والتعويض بعد خلافات داخل البرلمان.
فهم من هذه الخطوة أن الجهات العليا في البلاد هي من أمرت بصيغة منقحة للنص، للحفاظ على خط الرجعة في العلاقة مع فرنسا، بمعنى أن الرئاسة في البلاد ارتأت أنه ما زالت هناك فرصة لتحسين العلاقات مع باريس، وأن قانون التجريم كان سيقضي عليها.
كما أعيدت صياغة البند 28 لضمان تصنيف الاغتصاب والاستعباد الجنسي بوصفها جرائم لا تسقط بالتقادم، ويعد إدراج الاستعباد الجنسي تحديدا سابقة قانونية تملأ فراغا تشريعيا دام طويلا، حيث كان التعامل مع هذه التجاوزات يقتصر سابقا على الطروحات التاريخية والمنشورات الصحافية.
خيانة من تعامل مع الجيش الفرنسي
أما فيما يخص تعاون جزائريين مع الجيش الفرنسي، فقد وصف في المادة السابعة بأنه خيانة بدلا من خيانة عظمى، كما ورد في الصيغة الأولية.
على الرغم من تخلي الجزائر عن تفصيل الاعتذار في النص القانوني، فإن حدة الأزمة لم تنحسر، بل تضاعفت في الأيام الأخيرة إثر اتهام باريس بـ إرهاب الدولة من طرف رئيس النيابة الفرنسية المتخصص في قضايا الإرهاب أوليفييه كريستن، وكان يشير ضمنا، خلال حوار صحافي، إلى قضية خطف واحتجاز اليوتيوبر الجزائري المعارض أمير بوخرص المقيم في فرنسا بوصفه لاجئا سياسيا.
تعود وقائع القضية إلى شهر أبريل 2024، وقد شهدت تطورا لافتا بحبس موظف قنصلي جزائري بباريس بعد اتهامه باختطاف بوخرص الشهير بـ أمير دي زاد، والأسبوع الماضي، مدد القضاء الفرنسي حبسه لسنة أخرى، الأمر الذي أثار سخطا شديدا لدى الجزائريين.
الجزائر تتهم باريس بالإرهاب
بخصوص الاتهام بـ إرهاب الدولة، الذي طال أيضا إيران وروسيا، فقد أفاد رئيس حركة البناء الوطني عبد القادر بن قرينة، وهو أحد أبرز الحلفاء السياسيين للرئيس عبد المجيد تبون، في بيان الأحد، بأن تصريحات كريستين ادعاء خطير يمثل سقطة قانونية وسياسية كبيرة تعكس خلفيات استفزازية حاقدة.
ندد بن قرينة بما وصفه بأنه تطاول سافر يمس بسيادة مؤسسات الدولة الجزائرية، وموقف عدائي يندرج ضمن سلسلة محاولات يائسة للتشويش على الحركية الدبلوماسية النشطة للجزائر، وعلى انتصاراتها المحققة على الأصعدة الوطنية والإقليمية والدولية.
خريطة انتخابية جديدة في الجزائر
من ناحية أخرى، دخلت الجزائر مرحلة العد التنازلي للانتخابات التشريعية المقررة في 2 يوليو المقبل، بصدور القانون المحدد للدوائر الانتخابية وعدد المقاعد البرلمانية في العدد الأخير من الجريدة الرسمية، ويأتي هذا النص التشريعي قبل 3 أشهر من موعد الاقتراع، ليضع القواعد النهائية للتنافس على مقاعد المجلس الشعبي الوطني و مجلس الأمة.
وفقا للمادة الثالثة من القانون، اعتمد المشرع الجزائري مبدأ التناسب السكاني قاعدة أساسية لتوزيع المقاعد، استنادا إلى نتائج آخر إحصاء رسمي، وبموجب هذا النظام، يخصص مقعد برلماني لكل حصة ديمغرافية قوامها 120 ألف نسمة، مع منح مقعد إضافي عن كل فائض عددي يتجاوز 60 ألف نسمة.
في خطوة لضمان تمثيل المناطق ذات الكثافة السكانية المنخفضة، اشترط القانون ألا يقل تمثيل أي ولاية عن مقعدين، وهو إجراء استفادت منه 21 ولاية يقل عدد سكانها عن 200 ألف نسمة، من إجمالي 69 ولاية تشكل الخريطة الإدارية للبلاد، أما الجالية الوطنية بالخارج، فقد حافظت على ثقلها السياسي بتخصيص 12 مقعدا لتمثيلها في الغرفة السفلى.
توزيع المقاعد في البرلمان الجزائري
أظهر جدول توزيع المقاعد تباينا يعكس الثقل الديمغرافي للمدن الكبرى، حيث تصدرت العاصمة الجزائر القائمة بـ31 نائبا، تليها ولاية سطيف بـ17 نائبا، ثم وهران بـ16 نائبا، كما برزت ولايات باتنة والبليدة والشلف وتيزي وزو، بوصفها كتلا انتخابية وازنة، بـ11 مقعدا لكل منها، بينما بلغ تمثيل ولايات كبرى أخرى مثل قسنطينة وتلمسان وبجاية، 9 مقاعد.
على صعيد الغرفة العليا، حدد القانون آليات تشكيل مجلس الأمة الذي يضم 118 عضوا منتخبا يمثلون الولايات التسع والستين.
اعتمدت المادة السابعة معيارا مزدوجا للتمثيل؛ حيث يخصص مقعد واحد للولايات التي لا يتجاوز عدد سكانها 250 ألف نسمة، ومقعدان للولايات التي تتخطى هذا النصاب.
بعيدا عن المسار الانتخابي، يبقى الثلث الرئاسي صمام أمان لتعزيز الخبرات داخل البرلمان، حيث يخوّل الدستور لرئيس الجمهورية تعيين الثلث المتبقي من الأعضاء من بين الكفاءات الوطنية والشخصيات العلمية والمهنية، لضمان توازن بين التمثيل الشعبي والخبرة التكنوقراطية في صناعة القرار التشريعي.







