الضمان الاجتماعي في الاردن: وعود بالاصلاح وقلق مجتمعي
فوجئ المواطن الاردني محمد نصار بان سنوات عمله العشر تحولت الى مصدر قلق بعد ان كشفت التعديلات الحكومية على الضمان الاجتماعي معادلة اربكت حساباته ودفعته الى سحب اشتراكاته خوفا من عدم الحصول على راتب تقاعدي عند سن الستين.
ودخلت تعديلات قانون الضمان الاجتماعي مرحلة حساسة من النقاش العام وسط جدل واسع يتقاطع فيه الاقتصادي بالاجتماعي والسياسي بالمعيشي وبينما تؤكد الحكومة ان هدفها تعزيز الاستدامة المالية للنظام يرى منتقدون ان المشروع يمس مدخرات المواطنين ويحملهم اعباء اضافية.
اشارت مصادر رسمية الى ان لجنة العمل النيابية تميل الى تثبيت سن التقاعد عند 62 عاما خلافا لما ورد في مشروع الحكومة الذي طالب بان يكون 65 عاما كما كشفت عن وجود تحفظات لدى بعض النواب مما اسهم في تاخير اقرار التعديلات واحالتها للنقاش الموسع داخل المجلس.
بنود خلافية
تتركز ابرز التعديلات الخلافية حول تشديد شروط التقاعد المبكر عبر رفع الحد الادنى للاشتراكات الى 360 اشتراكا فعليا مع فرض اقتطاع بنسبة 4% عن كل سنة تقل عن سن 65 عاما.
كما تتضمن رفعا تدريجيا لسن تقاعد الشيخوخة ليصل الى 65 عاما للذكور و60 عاما للاناث بعد ان كان سابقا 60 عاما للذكور و57 عاما للاناث الى جانب تغييرات اخرى طالت تامين التعطل والمهن الخطرة وتشديد الغرامات على المنشات.
اكد رئيس لجنة العمل النيابية اندريه حواري ان النقاش لا يزال مفتوحا موضحا ان التعديلات تتضمن اعادة تعريف الاجر وصاحب العمل وتوسيع الشمول ليشمل المنصات الالكترونية وادراج المكافات ضمن الضمان.
رؤية الحكومة
اضاف ان الهدف هو تحقيق عدالة اكبر خصوصا للفئات ذات الدخل المحدود من خلال ربط التقاعد المبكر بعدد الاشتراكات وليس العمر فقط.
في المقابل لم تخف الكتل النيابية المعارضة قلقها فقد طالبت كتلة جبهة العمل الاسلامي بسحب المشروع معتبرة انه يمس الامن الاجتماعي ويحمل المواطنين كلفة الاختلالات المالية من دون تقديم حلول جذرية لازمة الضمان.
ابدت ديمة طهبوب النائب عن حزب الجبهة مخاوفها من المضي في اقرار التعديلات في هذا التوقيت لافتة الى ان كتلتها سعت منذ القراءة الاولى الى دفع الحكومة لسحب مشروع القانون وواصلت متابعته من خلال مشاركتها في لجنة العمل وفي جلسات الحوار الوطني التي عقدت حوله.
موقف مؤسسة الضمان
بينت ان اسباب الرفض التي عرضتها الكتلة سابقا تستند الى اعتبار الظرف الحالي غير مناسب سياسيا واقتصاديا واجتماعيا داعية الى تاجيل النظر في المشروع الى حين صدور الدراسة الاكتوارية المرتقبة في غضون ستة اشهر مع توسيع دائرة الحوار والاستمرار فيه.
اما الحكومة فتدافع عن التعديلات وتعتبرها خطوة ضرورية واعلن رئيس الوزراء جعفر حسان عن ادخال تعديلات جوهرية ابرزها تاجيل رفع سن التقاعد الى عام 2030 بشكل تدريجي وصولا الى التطبيق الكامل في 2040 كما اكد ان اثر التعديلات لن يظهر قبل سنوات طويلة في محاولة لطمانة الشارع.
يرى الخبير الاقتصادي حسام عايش ان الاشكالية لا تكمن فقط في تعديل الشروط بل في طبيعة النظام نفسه الذي لا يزال يعتمد على نماذج تقليدية في سوق عمل تشهد تحولات عميقة بفعل التكنولوجيا ويطرح فكرة نموذج تمويلي ثلاثي يشمل مساهمة حكومية مباشرة والاشتراكات والعوائد الاستثمارية لضمان استدامة حقيقية.
قال ان التعديلات المقترحة على قانون الضمان الاجتماعي تعكس محاولة لتحقيق الاستدامة المالية لكنها لا تعالج جوهر المشكلة المرتبطة بتغير طبيعة سوق العمل مشيرا الى ان الاعتماد على الاشتراكات والعوائد الاستثمارية فقط قد لا يكون كافيا مستقبلا مما يستدعي البحث عن نموذج تمويلي اوسع يضمن استمرارية النظام وقدرته على خدمة الاجيال القادمة.
يرى خبير التامينات والحماية الاجتماعية موسى الصبيحي ان مؤشرات الدراسة الاكتوارية الاخيرة لم تكن مفاجئة بل هي نتيجة طبيعية لسياسات دفعت باتجاه اقتراب نقطة التعادل بين الايرادات التامينية والنفقات مؤكدا ان الوضع المالي لمؤسسة الضمان لا يزال مستقرا لكنه يستدعي اصلاحات جوهرية تتجاوز مجرد تعديل القانون لتشمل السياسات والاجراءات الكفيلة بالحفاظ على ديمومة النظام وتعزيز الحماية والعدالة الاجتماعية.
يقول الصبيحي ان الخلل الاساسي يكمن في النمو المتسارع لاعداد المتقاعدين مقارنة بالمشتركين مما ادى الى تراجع معدل الاعالة التامينية الى مستويات غير مقبولة محذرا من ان استمرار هذا الاتجاه الى جانب التوسع في التقاعد المبكر والانفاقات السابقة قد يؤدي الى تاكل الفوائض التامينية في السنوات المقبلة مما يفرض الحاجة الى معالجة عاجلة وشاملة للنظام باكمله.
في الايام الاخيرة ومع انتشار التفاصيل الاولية للتعديلات بدا كثير من الاردنيين يتخذون قرارات سريعة بدافع القلق كان ابرزها التوجه لسحب ارصدتهم الادخارية من الضمان في ظل شعور متزايد بعدم جدوى الاستمرار في الاشتراك وفق الصيغة المقترحة.
تحاول المؤسسة العامة للضمان الاجتماعي تهدئة هذه المخاوف اذ اكد مصدر رسمي ان الحوار حول التعديلات لا يزال مفتوحا ومستمرا في مختلف مراحله الدستورية سواء في الوقت الحالي او بعد احالة المشروع الى مجلس الامة مشددا على ان مشروع القانون ليس بصيغته النهائية بعد ولا يزال في عهدة الحكومة وديوان التشريع والراي مع استعداد المؤسسة لاعادة دراسته بناء على اي توجيهات رسمية.
اضاف المصدر نفسه ان المؤسسة تتابع يوميا ملاحظات المواطنين وتفاعلهم مع المشروع وتعمل على تضمينها في تقارير ترفع للادارة العليا الى جانب اطلاق استبيانات عامة للحصول على اراء مختلف الفئات كما اكد انها درست اكثر من 53 سيناريو مختلفا للوصول الى افضل صيغة ممكنة مع الابقاء على ابواب الحوار مفتوحة امام الجميع.
على صعيد الوضع المالي اكدت المؤسسة ان اوضاعها لا تزال امنة ومستقرة وان التعديلات المقترحة تاتي في اطار تخطيط استراتيجي طويل الامد يمتد لما بعد 25 عاما بهدف ضمان استدامة اموال المشتركين وقدرتها على الوفاء بالتزاماتها المستقبلية.
في ما يتعلق بظاهرة سحب الاشتراكات اوضح المصدر ذاته ان القانون لا يجيز ذلك دون مبرر قانوني واضح حفاظا على الهدف التاميني للنظام اذ تقتصر هذه الحالات على ظروف محددة مثل العجز الكامل او مغادرة المشترك الاجنبي البلاد نهائيا اضافة الى حالات اخرى نص عليها القانون بشكل صريح.







