ايران تسعى لفرض رسوم عبور في مضيق هرمز وعمان تتمسك بحرية الملاحة

{title}
راصد الإخباري -

بينما دخلت الهدنة بين واشنطن وطهران حيز التنفيذ لمدة اسبوعين، بدا فصل جديد من فصول الصراع يلوح في الافق، ليس عبر الصواريخ هذه المرة، بل عبر قوانين البحار، ففي سابقة قد تقلب موازين التجارة العالمية، تسعى طهران لفرض نظام رسوم مرور على السفن العابرة لمضيق هرمز، وهو ما يعده الخبراء الدوليون خرقا جسيما للاعراف الملاحية، فيما برز موقف عماني ضامن لحرية الملاحة دون قيود مالية.

قال مسؤولون ان ايران تسعى الان الى اضفاء الطابع الرسمي على سيطرتها على المضيق بوصف ذلك جزءا من استراتيجية جيوسياسية اوسع نطاقا بعد اسابيع من الصراع، وكجزء من مقترحاتها المرتبطة باتفاق سلام طويل الامد محتمل، تريد الحصول على سلطة فرض رسوم عبور على السفن التي تمر عبر مضيق هرمز.

اضاف مسؤولون ان هذه الرسوم لن تكون ثابتة، بل قد تختلف تبعا لنوع السفينة وطبيعة حمولتها والظروف السائدة، كما تعمل ايران على وضع اطار عمل قد يلزم السفن بالحصول على تصاريح او تراخيص قبل السماح لها بالمرور، وفقا لما ذكرته وكالة رويترز.

مقترح ايران لفرض رسوم العبور

في هذا السياق، كشف المتحدث باسم اتحاد مصدري النفط والغاز والبتروكيماويات الايراني، حميد حسيني، عن توجه طهران لفرض رسوم عبور على ناقلات النفط المحملة التي تمر عبر مضيق هرمز، واوضح في تصريحات لصحيفة فاينانشال تايمز ان ايران تسعى لتحصيل هذه الرسوم بالعملات المشفرة.

اكد حسيني ان الهدف من هذه الاجراءات هو مراقبة حركة الدخول والخروج عبر المضيق لضمان عدم استغلال هدنة الاسبوعين في نقل الاسلحة، وبينما اشار الى ان كل شيء يمكنه المرور، الا انه شدد على ان اجراءات التقييم ستستغرق وقتا لكل سفينة، مؤكدا ان الجانب الايراني ليس في عجلة من امره، مما قد ينعكس على انسيابية الحركة الملاحية.

اوضح حسيني انه عن الالية التنفيذية، على كل ناقلة ارسال تفاصيل شحنتها عبر البريد الالكتروني للسلطات المختصة، التي ستقوم بدورها بتحديد قيمة الرسم المطلوب بالعملات الرقمية.

الية تنفيذ الرسوم بالعملات الرقمية

حددت ايران تعريفة تبلغ دولارا واحدا لكل برميل نفط، مع اعفاء الناقلات الفارغة من الرسوم، وبرر حسيني اشتراط الدفع بالبيتكوين بانه اجراء لضمان سرية المعاملات وتفادي المصادرة او التتبع الناتج عن العقوبات الدولية.

صرح نائب وزير الخارجية الايراني، كاظم غريب ابادي، الاسبوع الماضي، بان البرلمان الايراني يعد بالفعل مشروع قانون يضفي سندا قانونيا على هذا النظام، ويشير هذا الى ان هذه الخطوة ليست مجرد كلام، بل جزء من خطة محكمة لتنظيم حركة الملاحة عبر المضيق وفرض رسوم عليها.

في المقابل، اعلن وزير النقل والاتصالات وتقنية المعلومات العماني، المهندس سعيد بن حمود المعولي، ان سلطنة عمان وقعت على اتفاقيات دولية تضمن عدم فرض اي رسوم على السفن التي تعبر مضيق هرمز، في اطار بلورة موقف السلطنة مما يثار بشان فرض رسوم عبور على مرور الشاحنات في مضيق هرمز.

موقف عمان من رسوم العبور

اوضح المعولي في تصريحات رسمية امام مجلس الشورى، جاءت وسط مناقشات اقليمية بشان رسوم الشحن البحري، ان السلطنة وقعت على جميع الاتفاقيات الدولية الخاصة بالنقل البحري، مشددا على ان هذه الاتفاقيات تقضي بعدم فرض رسوم على المرور بمضيق هرمز؛ لانه مضيق دولي عام.

اكد المعولي ان موقف السلطنة ثابت في دعم الملاحة الحرة والامنة عبر هذا الممر المائي الاستراتيجي، مشددا على ان المعاهدات الموقعة تمنع فرض اعباء مالية من طرف واحد على حركة التجارة العالمية.

بينما يرى الخبير اللوجيستي حسن ال هليل ان مضيق هرمز لم يعد مجرد ممر بحري حيوي، بل تحول الى اداة تاثير جيوسياسي تختبر عندها فاعلية قواعد القانون الدولي، ويشير الى ان الاطار القانوني، وعلى راسه اتفاقية قانون البحار، يضع حدودا واضحة تمنع فرض رسوم على السفن مقابل العبور، باستثناء الخدمات الفعلية الاختيارية، الا ان الاشكالية لا تكمن في النصوص بقدر ما تكمن في اليات التطبيق.

مضيق هرمز اداة للتاثير الجيوسياسي

اوضح ال هليل ان اي قيود لا تفرض بالضرورة بشكل مباشر او معلن، بل قد تظهر عبر اجراءات تشغيلية معقدة او تاخيرات غير رسمية، وهو ما يخلق اثرا اقتصاديا مماثلا للرسوم، من حيث رفع تكاليف الشحن والتامين.

اضاف ال هليل ان حساسية المضيق، بوصفه شريانا رئيسا لتدفقات الطاقة العالمية، تجعل من اي تصعيد، لو كان محدودا، عاملا مؤثرا في استقرار الاسواق وسلاسل الامداد.

حسب ال هليل، فان التحدي الحقيقي لا يتمثل في غياب القواعد، بل في قدرة النظام الدولي على فرضها في بيئة تتداخل فيها المصالح الاقتصادية مع الحسابات السياسية، مما يجعل من المضيق ساحة مفتوحة لاعادة تشكيل موازين النفوذ اكثر من كونه مجرد ممر تجاري.

القانون الدولي وحرية الملاحة

تعد مشروعية المقترح الايراني محل جدل كبير بموجب القانون البحري الدولي، اذ تنص اتفاقية الامم المتحدة لقانون البحار (UNCLOS)، التي تنظم قواعد المحيطات العالمية، بوضوح على ان المضايق المستخدمة للملاحة الدولية يجب ان تسمح بمرور السفن بحرية ودون انقطاع.

بموجب هذا الاطار، لا يجوز للدول المطلة على هذه المضايق فرض رسوم لمجرد السماح للسفن بالمرور، يسمح لها بفرض رسوم فقط على خدمات محددة، مثل الارشاد او مساعدة القاطرات، وحتى هذه الرسوم يجب ان تطبق بشكل موحد دون تمييز، وبالتالي، فان فرض رسوم عبور عامة، كما تقترحه ايران، يتعارض مع المعايير الدولية المقبولة على نطاق واسع.

مع ذلك، يبقى انفاذ هذه القوانين معقدا، لا سيما ان ايران والولايات المتحدة لم تصدقا رسميا على اتفاقية الامم المتحدة لقانون البحار، على الرغم من التزامهما التاريخي بمبادئها.

هرمز ليس كسويس او بنما

في العرف الملاحي، ثمة خط فاصل بين الممرات التي شقها الانسان وتلك التي اوجدتها الطبيعة، تفرض قنوات مثل السويس وبنما رسوما بوصفها مشاريع هندسية تتطلب صيانة وتشغيلا مستمرا، بينما تعامل المضايق الطبيعية كـمنفعة عامة للمجتمع الدولي.

حتى في حالات خاصة كالمضايق التركية، تقتصر الرسوم على خدمات تقنية محددة (كالارشاد) ولا ترقى لكونها ضريبة مرور، لذا، يصنف المقترح الايراني في هرمز على انه اجراء غير مسبوق يهدف الى تغيير هوية الممرات المائية الطبيعية وتحويلها الى اصول استثمارية سيادية.

تتجاوز دوافع طهران الرغبة في تحصيل الايرادات الى السعي لامتلاك نفوذ جيوسياسي خانق، فمن خلال نظام الرسوم المتغيرة، تهدف ايران لتحويل المضيق الى اداة التفاف على العقوبات الغربية.

الجغرافيا كسلاح في مواجهة العقوبات

جاءت تصريحات محمد مخبر، مستشار المرشد الاعلى، لتقطع الشك باليقين؛ حيث راى ان النظام الجديد للمضيق سيعطي طهران الحق في معاقبة الغرب بمنع سفنه من المرور او فرض قيود عليه، مما يحول هرمز من ممر تجاري الى منصة عقوبات بحرية مضادة.

لا يتوقف اثر هذه التهديدات عند حدود الممر المائي، بل يمتد ليهدد استقرار سلاسل التوريد العالمية، ويرى محللون ان مجرد طرح فكرة الرسوم يرفع تكاليف التامين البحري بشكل مستدام، هذا الضغط المالي سيترجم لاحقا الى ارتفاع في تكلفة الطاقة والسلع الاساسية عالميا، مما يضع الاقتصاد العالمي تحت رحمة الجبايات السياسية الجديدة.