تمويل المنشات الصغيرة يقود النمو غير النفطي في السعودية

{title}
راصد الإخباري -

كشفت بيانات حديثة عن تحول كبير في هيكل التمويل بالمملكة العربية السعودية. وأظهرت البيانات تحقيق التسهيلات الائتمانية للمنشآت الصغيرة والمتوسطة والصغيرة جدا مستويات قياسية بنهاية العام الماضي. وأكدت البيانات ضخ البنوك وشركات التمويل نحو 467.7 مليار ريال في هذا القطاع خلال العام الماضي. وبينت البيانات تحقيق قفزة سنوية بنسبة 33 في المائة مما يؤكد انتقال هذه المنشآت إلى قلب النشاط الاقتصادي.

وأوضحت البيانات أن هذه المنشآت أصبحت المحرك الأبرز للنمو غير النفطي وخلق الفرص الوظيفية. وأضافت البيانات أنه على أساس سنوي ارتفع حجم التسهيلات بنسبة 33 في المائة. وكشفت البيانات مقارنة بنحو 351.7 مليار ريال في العام السابق. وأشارت النشرة الشهرية للبنك المركزي السعودي "ساما" إلى هذه الزيادة.

وبينت البيانات أن القطاع المصرفي يستحوذ على الحصة الأكبر من هذا التمويل. وأظهرت البيانات أن حجم التسهيلات المقدمة عبر البنوك بلغ نحو 446.6 مليار ريال. وأكدت البيانات تسجيل نمو سنوي بنسبة 34 في المائة. وأشارت البيانات إلى أن حجم التسهيلات المقدمة من شركات التمويل بلغ نحو 21.1 مليار ريال بزيادة سنوية قدرها 15.4 في المائة.

نمو قطاعات المنشات الصغيرة والمتوسطة

أظهرت البيانات تباينا في معدلات النمو على مستوى أحجام المنشآت. وأكدت البيانات ارتفاع حجم التسهيلات المقدمة للشركات المتوسطة بنسبة 18 في المائة على أساس سنوي ليصل إلى 220.9 مليار ريال. وسجلت الشركات الصغيرة نموا بنسبة 34 في المائة لتبلغ 163.5 مليار ريال. وارتفعت التسهيلات الموجهة للمنشآت الصغيرة جدا بنسبة 97 في المائة لتصل إلى 83.3 مليار ريال.

ويعزى هذا النمو اللافت إلى عدة عوامل متداخلة. وأبرز هذه العوامل هو وضوح التوجه الاستراتيجي ضمن رؤية 2030 التي وضعت المنشآت الصغيرة والمتوسطة في صلب مستهدفات التنويع الاقتصادي. وأشارت البيانات إلى الأدوار التمكينية المتزايدة للجهات المعنية بتطوير القطاع. وأكد الدكتور حسين العطاس الخبير الاقتصادي على دور الهيئة العامة للمنشآت الصغيرة والمتوسطة (منشآت) في تعزيز بيئة الأعمال وربط المنشآت بمصادر التمويل.

وفي تصريح له أكد العطاس أن بلوغ هذا المستوى من التسهيلات يعكس تحولا هيكليا في فلسفة التمويل داخل الاقتصاد السعودي. وأشار إلى وجود أربعة محركات رئيسية تقف خلف هذا النمو. وتتمثل هذه المحركات في وضوح الرؤية الاقتصادية وتعزيز البيئة التنظيمية والتوسع في برامج الضمانات الائتمانية وتحول نظرة القطاع المصرفي تجاه هذا القطاع.

دور برنامج كفالة في دعم التمويل

ويعتبر برنامج "كفالة" أحد العوامل المحورية في هذا التحول. وأسهم البرنامج في خفض المخاطر المرتبطة بالإقراض. وفتح المجال أمام البنوك لزيادة انكشافها على قطاع المنشآت الصغيرة والمتوسطة. وتحسنت جودة البيانات المالية وتطورت ممارسات الحوكمة مما عزز ثقة الجهات التمويلية في هذا القطاع.

وعلى صعيد استدامة هذا النمو أكد العطاس أن السوق تشهد إعادة بناء لدور المنشآت الصغيرة والمتوسطة في الاقتصاد وليس مجرد توسعا ائتمانيا مؤقتا. وتوقع استمرار النمو على المدى المتوسط. وأشار إلى وجود تحديات قد تؤثر على وتيرة هذا التوسع مثل ضعف الخبرة الإدارية لدى بعض المنشآت واحتمالية تعثرها في حال سوء إدارة التمويل.

وأضاف أن من بين التحديات أيضا مخاطر تمركز التمويل في قطاعات محددة دون تنويع كاف وتأثيرات ارتفاع أسعار الفائدة مستقبلا. وأضاف أن الجهات المعنية تدرك هذه التحديات. وبين أن هذا يفسر التركيز المتزايد على رفع مستوى الحوكمة وتعزيز كفاءة الإدارة وربط التمويل بالأداء التشغيلي الفعلي.

انعكاسات التوسع على الاقتصاد الكلي

ولا تقتصر أهمية هذا التوسع على الأرقام فحسب بل تمتد انعكاساته إلى الاقتصاد الكلي. ويسهم هذا التوسع في رفع مساهمة المنشآت الصغيرة والمتوسطة في الناتج المحلي غير النفطي. ويلعب دورا محوريا في خلق فرص العمل باعتبارها من أكثر القطاعات كثافة في التوظيف.

ويرى العطاس أن هذا النمو يعزز من تنويع القاعدة الاقتصادية عبر دعم دخول منشآت جديدة إلى قطاعات واعدة. وتشمل هذه القطاعات التكنولوجيا والصناعة والخدمات. ويعمل هذا النمو على رفع القيمة المضافة المحلية وتقليل الاعتماد على الواردات أو الشركات الكبرى.

وبالنظر إلى المستقبل يتوقع العطاس أن يستمر نمو التسهيلات بوتيرة صحية خلال السنوات القادمة. وسيكون هذا النمو مدعوما بالتوسع في الحلول التمويلية الرقمية واستمرار التكامل بين القطاعين الحكومي والمصرفي وتحسن نضج السوق وارتفاع جودة المنشآت. ويرجح أن تسهم المشروعات الكبرى والتوسع في الاقتصاد غير النفطي في خلق فرص تمويلية جديدة.

التحول الرقمي ودعم المنشات الصغيرة

وفي السياق ذاته يرى الرئيس الأول لإدارة الأصول في شركة "أرباح المالية" محمد الفراج أن هذا التطور لم يكن وليد الصدفة بل جاء نتيجة تكامل بين التوجهات الحكومية الطموحة وسعيها لرفع مساهمة هذا القطاع في الناتج المحلي إلى 35 في المائة وبين استجابة القطاع المصرفي الذي قاد هذا النمو واستحوذ على الحصة الأكبر من التمويل.

وأوضح أن برامج الضمان والتحفيز وبنك المنشآت الصغيرة والمتوسطة لعبت دورا محوريا في خفض المخاطر الائتمانية وتعزيز شهية الإقراض لدى البنوك. وأضاف أن التحول الرقمي ودخول شركات التقنية المالية شكلا بدورهما نقطة تحول مهمة من خلال تسهيل الوصول إلى التمويل وخفض التكاليف التشغيلية.

ورغم هذه المؤشرات الإيجابية يلفت الفراج النظر إلى تحديات قائمة مبينا أن التوسع السريع في التمويل يتطلب قدرا من الحذر الاستراتيجي خصوصا فيما يتعلق بمخاطر الائتمان واحتمالات التعثر في ظل تقلبات أسعار الفائدة واشتداد المنافسة في بعض القطاعات لا سيما التجزئة. ويرى أن المرحلة المقبلة تستدعي التحول من النمو الكمي القائم على زيادة حجم التمويل إلى النمو النوعي الذي يركز على جودة الائتمان واستدامة المشروعات وقدرتها على التكيف مع المتغيرات الاقتصادية.

وأشار إلى أن الاتجاه المستقبلي سيشهد تناميا في دور أدوات التمويل البديلة مثل رأس المال الجريء بما يخفف الضغط على الميزانيات البنكية إلى جانب توجيه التمويل نحو قطاعات استراتيجية تشمل التقنية والسياحة والصناعة لضمان تحقيق قيمة مضافة حقيقية للاقتصاد الوطني. ولفت الفراج إلى أن التطورات المسجلة خلال العام الماضي تعكس بدء جني ثمار هذا التوسع مع بروز جيل جديد من الشركات سريعة النمو وارتفاع مساهمة المنشآت في الصادرات غير النفطية إلى جانب تنامي استخدام أدوات مثل الصكوك الموجهة للمنشآت الصغيرة كخيار تمويلي طويل الأجل بتكلفة مناسبة.

وختم الفراج بالقول إن قطاع المنشآت الصغيرة والمتوسطة لم يعد قطاعا هامشيا بل بات محركا رئيسيا للابتكار والنمو في الاقتصاد السعودي مؤكدا أن الحفاظ على هذا الزخم يتطلب مواصلة تطوير البيئة التنظيمية وتعزيز مرونة آليات السداد بما يضمن استدامة النمو وتماشيه مع مستهدفات التنمية الاقتصادية على المدى الطويل.