مخاوف من مجاعة عالمية تلوح في الافق هل العالم على حافة ازمة غذاء
مع تصاعد التوترات العالمية تثار تساؤلات حول ما إذا كان العالم يواجه موجة جديدة من الغلاء واحتمالية مجاعة وشيكة ام ان هذه المخاوف مبالغ فيها.
بين تحذيرات مبكرة من ازمة غذاء عالمية يكشف تحليل نشرته مجلة فورين بوليسي الامريكية وآخر من موقع بلومبيرغ صورة معقدة لصراع قد يعيد تشكيل اسعار الغذاء عالميا.
بحسب التحليلات لا يقتصر دور دول الخليج على تصدير النفط والغاز فقط بل يمتد ليشمل منظومة الغذاء العالمية اذ تعتبر هذه الدول من ابرز المنتجين لمكونات اساسية في صناعة الاسمدة وعلى راسها الاسمدة النيتروجينية مثل اليوريا والامونيا التي يعتمد عليها المزارعون لزيادة انتاج المحاصيل.
الغاز الطبيعي والاسمدة
ويعد الغاز الطبيعي عنصرا حاسما في تصنيع هذه الاسمدة مما يعني ان اي اضطراب في امداداته او في طرق نقله لا يؤثر فقط على اسواق الطاقة بل يمتد مباشرة الى الزراعة والانتاج الغذائي.
وفي مقالها في فورين بوليسي قالت ايرثارين كوزين المديرة التنفيذية لمعهد انظمة الغذاء من اجل المستقبل ان العالم دخل بالفعل المرحلة الاولى من ازمة غذاء عالمية حتى وان لم تظهر بعد في رفوف المتاجر.
وتستند كوزين التي شغلت سابقا منصب المدير التنفيذي لبرنامج الاغذية العالمي التابع للامم المتحدة في تحليلها الى فكرة ان ازمات الغذاء تبدا قبل ارتفاع الاسعار بكثير عندما تتضرر اساسيات الانتاج الزراعي.
تداعيات اغلاق مضيق هرمز
وقد ادى اغلاق مضيق هرمز بعد شهر من الحرب بين الولايات المتحدة واحدى الدول الى ارتفاع اسعار الاسمدة النيتروجينية والفوسفاتية بنسبة كبيرة.
ويعود ذلك الى اضطراب في امدادات الامونيا والكبريت وهي مواد ضرورية لمعالجة هذه الاسمدة وصناعتها من بعض الدول المنتجة فالفوسفور لا يمكن تصنيعه مثل النيتروجين بل يجب استخراجه ومعالجته مما يجعله شديد الحساسية لسلاسل الامداد.
مع ارتفاع التكاليف وعدم اليقين بمستقبل الصراع توضح الكاتبة ان المزارعين يبداون في تعديل سلوكهم وقراراتهم فيقللون استخدام الاسمدة او يزرعون محاصيل اقل استهلاكا لها مثل الصويا والبقوليات بدلا من القمح والارز والذرة وفي بعض الاحيان يؤجلون الزراعة.
تغيير قرارات المزارعين
هذا التغيير في قرارات المزارعين بحسب كوزين هو ما يصنع الازمة الحقيقية اذ يؤدي تقليل استخدام الاسمدة الى انخفاض المحاصيل الذي بدوره يؤدي الى شح الامدادات مما يؤدي الى ارتفاع اسعار المواد الغذائية.
وحذرت الكاتبة من ان المزارعين في بعض الدول بداوا يدرسون تغيير خططهم بالتحول من محاصيل كثيفة الاستهلاك للاسمدة مثل القمح والذرة والارز الى محاصيل اقل استهلاكا مثل الصويا والذرة الرفيعة.
وتشير الكاتبة الى ان العالم سيعاني نقصا حادا في الحبوب الاساسية لاحقا.
عوامل مناخية
تحذر كوزين من عامل كارثي آخر بجانب نقص الاسمدة والحرب وهو عوامل مناخية مثل ظاهرة النينيا التي تسبب جفافا حادا في مناطق زراعية رئيسية مما يضاعف المخاطر على المحاصيل.
وخلصت الكاتبة الى ان العالم يركز على النتائج والعلامات الظاهرة لازمة الغذاء ارتفاع الاسعار بينما يجب ان يركز على الاسباب المبكرة خاصة الوصول الى الاسمدة.
تحذر من ان امام العالم اقل من 3 اشهر قبل ان تتاثر قرارات الزراعة بشكل حاسم مما قد يقود الى ازمة غذاء حقيقية.
تحليل بلومبيرغ
بدوره يقدم الصحفي خافيير بلاس وهو كاتب عمود لدى بلومبيرغ ومتخصص في شؤون الطاقة والسلع الاولية عوامل اخرى تجعل من ازمة غذاء وشيكة غير مرجحة نسبيا برايه.
يخفف بلاس الذي شارك بكتابة كتاب عن تجارة المواد الخام العالمية من المخاوف المنتشرة من تكرار ازمة مشابهة لما حصل بعد الحرب في اوكرانيا فبينما اندلعت الحرب حينها في سلة خبز العالم فان الحرب الان تجري في منطقة صحراوية مما يقلل من تاثيرها المباشر على الانتاج الزراعي.
ذكر ان بعض الدول مسؤولة عن جزء كبير من صادرات القمح والشعير والذرة عالميا اضافة الى جزء كبير من صادرات زيت دوار الشمس.
اسعار الحبوب
يشير الكاتب اعتمادا على تحليل اقتصادي الى ان اسعار الحبوب لا تعكس ازمة وشيكة فمنذ اندلاع الحرب طرات بعض التغييرات على اسعار القمح والذرة والصويا والارز.
هذه الزيادات براى الكاتب طفيفة مقارنة بقفزات كبيرة حصلت في السابق.
كما يلفت بلاس الى ان اسعار الارز الغذاء الاساسي لنحو نصف سكان العالم تقترب من ادنى مستوى لها منذ سنوات مما يوفر نوعا من الاستقرار الغذائي العالمي.
تكاليف الطاقة والتعبئة
يضيف ان تكاليف الطاقة والكهرباء والتغليف لا تشهد حاليا نفس الارتفاعات الحادة التي شهدها العالم قبل سنوات مما يخفف الضغط على سلاسل الغذاء.
مع ذلك لا ينفي بلاس المخاطر المستقبلية خصوصا فيما يتعلق بالاسمدة فقد ارتفعت اسعار اليوريا في السوق الامريكي بنسبة كبيرة مقارنة بما قبل الحرب نتيجة تعطل الامدادات عبر بعض الممرات المائية ونقص الغاز في اسيا.
لكن بلاس يخفف من حدة هذه المخاوف موضحا ان المزارعين لن يوقفوا استخدام الاسمدة فجاة بل سيقلصونها تدريجيا مما يعني ان التاثير على الانتاج سيكون محدودا في البداية كما يشير الى ان هناك انواعا اخرى من الاسمدة التي لم تشهد ارتفاعات مماثلة.
الدعم الحكومي للاسمدة
يؤكد ان كثيرا من الدول النامية خصوصا في اسيا تدعم اسعار الاسمدة مما يعني ان الازمة قد تكون مالية على الحكومات اكثر من كونها ازمة غذاء مباشرة.
يقارن بلاس بين الاوضاع الان وبين العوامل التي ادت لازمة الغذاء في السابق حين قفزت الاسعار بشكل حاد بسبب نقص المعروض وضعف المخزونات مشيرا الى ان الوضع اليوم مختلف جذريا.
فمخزونات القمح العالمية تبلغ حاليا نحو كمية كبيرة مقارنة بكمية اقل بكثير خلال تلك الازمة كما ارتفعت مخزونات الارز الى كمية كبيرة مقابل كمية اقل بكثير انذاك.
تحذير اخير
لكن التحذير يبقى قائما اذا طال امد الحرب وارتفعت تكاليف الطاقة والاسمدة اكثر فقد تتحول هذه المخاطر الى ازمة حقيقية.







