تاثير الحرب الايرانية على اسعار الطاقة والمواطنين في المانيا وفرنسا
في مشهد يذكر بازمات الطاقة السابقة. تواجه أوروبا تحديا جديدا نتيجة للحرب الإسرائيلية الأمريكية على إيران وما تبعها من اضطرابات في أسواق النفط العالمية.
وارتفعت أسعار النفط إلى مستويات غير مسبوقة مدفوعة بمخاوف من تعطل الإمدادات. مما دفع الحكومات الأوروبية للتحرك لتجنب انتقال الأزمة إلى الداخل.
وأعلنت فرنسا وألمانيا بالتنسيق مع وكالة الطاقة الدولية وشركائهما في مجموعة السبع عن الإفراج عن مخزونهما الاستراتيجي من النفط. وتهدف هذه الخطوة إلى تهدئة الأسواق المحلية وكبح جماح الأسعار. لكنها تعكس في الوقت نفسه هشاشة التوازن الطاقي الأوروبي أمام الصدمات الجيوسياسية.
تداعيات ارتفاع اسعار الطاقة على المستهلكين والاقتصاد في اوروبا
السؤال المطروح في باريس وبرلين اليوم لا يقتصر على تأثير هذه الخطوة على الأسواق العالمية. بل يشمل انعكاساتها المباشرة على المواطنين والاقتصاد في البلدين.
في فرنسا. انعكس الارتفاع السريع في أسعار الطاقة على سلوك المستهلكين. فقد شهدت محطات الوقود إقبالا كبيرا من السائقين للتزود بالوقود. مع ارتفاع الأسعار إلى أكثر من 2 يورو للتر الواحد. وهو مستوى حساس سياسيا واجتماعيا يذكر باحتجاجات السترات الصفراء.
اقتصاديا. يؤثر ارتفاع أسعار الطاقة على مختلف القطاعات. فقد زادت تكلفة النقل. وظهر ذلك تدريجيا في أسعار المواد الغذائية والخدمات. وتواجه الشركات ضغوطا بسبب ارتفاع تكاليف التشغيل. مما يهدد هوامش الربح ويؤثر على دينامية السوق.
فرنسا تلجا للاحتياطي النفطي لمواجهة ازمة الطاقة
أكدت الحكومة الفرنسية أن اللجوء إلى الاحتياطيات النفطية هو إجراء مؤقت وليس حلا طويل الأمد.
ومنذ انضمامها إلى وكالة الطاقة الدولية عام 1992. يلزم القانون فرنسا بالاحتفاظ باحتياطي نفطي لا يقل عن 90 يوما من الواردات. وتتجاوز فرنسا حاليا هذا الحد بقليل. إذ يبلغ احتياطيها 118 يوما من صافي الواردات. وفق وزارة الاقتصاد والمالية. ويمثل هذا حوالي 16 مليون طن من المواد الهيدروكربونية.
وبعد قطع روسيا إمدادات الغاز التي كانت تمثل 40% من استهلاك أوروبا إبان الحرب الأوكرانية. قرر الأوروبيون وقف واردات النفط الروسي.
كيف تواجه فرنسا نقص الغاز الروسي
يشير جون بيير فافينيك المتخصص في جيوسياسة الطاقة وقطاع النفط. إلى الإجراءات التي اعتمدتها الدول الأوروبية للتكيف مع نقص الغاز الروسي من خلال استبداله بالغاز الأمريكي والنرويجي والجزائري. بجانب تقليل الاستهلاك وتطوير الطاقات المتجددة.
ويؤكد فافينيك أن فرنسا التي كانت رائدة في مجال الطاقة النووية ببناء 60 مفاعلا بين عامي 1975 و1990 أهملت هذا المصدر من الطاقة. والآن يجري إحياؤه من خلال بناء محطات طاقة جديدة في السنوات القادمة.
وتقول ماريا المتقاعدة في قطاع الصحة إن ارتفاع الأسعار يفرض عليها إعادة ترتيب أولوياتها بوتيرة يومية. موضحة أن معاشها التقاعدي لم يعد كافيا لتغطية احتياجاتها الأساسية بسبب الزيادة المستمرة في تكاليف الطاقة والغذاء.
تاثير ارتفاع تكاليف المعيشة على المواطنين في فرنسا
وتضيف ماريا أن هذا الواقع يضعها أمام خيارات صعبة كالمفاضلة بين شراء الأدوية أو تدفئة المنزل. مشيرة إلى أن غلاء المعيشة يمثل عبئا ثقيلا عليها وعلى كل من يعتمد على دخل محدود في فرنسا.
من جانبه يؤكد الموظف بابتيس أن راتبه لم يشهد أي زيادة منذ سنوات عدة. في وقت ارتفعت فيه تكاليف المعيشة بشكل ملحوظ خاصة الوقود والكهرباء والمواد الغذائية.
ويقول بابتيس إنه لم يعد قادرا على الادخار أو التفكير في تحسين وضعه المعيشي. حيث اضطر لتقليص مصاريفه والتخلي عن بعض العادات البسيطة في السابق.
المانيا تبحث عن حلول لمواجهة ارتفاع اسعار الطاقة
في ألمانيا حيث يشكل قطاع الصناعة العمود الفقري للاقتصاد. تبدو تداعيات الأزمة أكثر تعقيدا. فقد أعلنت برلين الإفراج عن جزء من احتياطاتها النفطية في إطار التنسيق الدولي.
ورغم أن ألمانيا تمتلك احتياطات تغطي نحو 90 يوما من الاستهلاك. فإن الارتفاع السريع في أسعار الوقود أثار قلقا واسعا.
وأشارت تقديرات اقتصادية إلى أن هذه التطورات قد تؤدي إلى زيادة معدلات التضخم خلال العام الجاري. مع تأثير محدود على النمو الاقتصادي.
اجراءات لمواجهة ارتفاع اسعار الطاقة في المانيا
تبحث الحكومة الألمانية عن مزيج من الإجراءات يتراوح بين الرقابة على الأسعار وإلغاء رسوم تخزين الغاز وخفض ضريبة الكهرباء. إلى جانب العمل على خفض سعر الكهرباء لقطاع الصناعة وتقليل البيروقراطية.
وأشارت الناطقة باسم وزارة الاقتصاد سوزانا اونغراد إلى أن أمن الإمدادات الألمانية مضمون حاليا. لأن البلاد تستورد كميات قليلة من النفط الخام من الخليج والتي يمكن تعويضها من النرويج أو بريطانيا أو كازاخستان.
وأوضحت اونغراد أن ألمانيا ستعمل على الإفراج عن جزء من احتياطها النفطي بناء على طلب وكالة الطاقة الدولية من دولها الأعضاء بحصة تبلغ 4.9%. أي 2.647 مليون طن (نحو 19.4 مليون برميل نفط).
قانون لتعديل اسعار الوقود في المانيا
وحول ضبط الأسعار في السوق أكدت أن الحكومة الألمانية تتخذ إجراءات ضد أسعار الوقود المفرطة مستندة في ذلك إلى اللوائح القانونية. مسلطة الضوء على موضوع فرض قانون على تعديل أسعار الوقود في المستقبل.
ويقوم هذا القانون على السماح لمحطات الوقود بزيادة الأسعار مرة واحدة في اليوم في الساعة الثانية عشرة مع إمكانية خفضها في أي وقت وبأي عدد من المرات.
وتعليقا على التصريحات الحكومية أوضحت الخبيرة في الاقتصاد الدولي نجاة عبد الحق أن الهدف من الإفراج عن جزء من الاحتياطي النفطي هو تهدئة الرأي العام. خاصة وأن مجمل الاحتياطي الألماني يكفي 90 يوما فقط. معتبرة أن سبب ارتفاع الأسعار يعود إلى خطر الندرة وليس الندرة نفسها.
كيف يتكيف الالمان مع ارتفاع اسعار الطاقة
وتقول انتشه ابنة الستين عاما إنها بدأت تفكر مليا قبل استقلال سيارتها لشراء مستلزمات البيت أو زيارة ابنتها التي تسكن في الطرف الآخر لمدينة برلين.
وتضيف انتشه أنها بدأت باستخدام المواصلات العامة رغم صعوبة التنقل مما يكلفها وقتا أطول ويشعرها في كل مرة بإرهاق جسدي.
وتؤكد انتشه أن ارتفاع الأسعار لم يقتصر على المحروقات بل وصل إلى الحاجيات الأساسية. وتخشى من قيام شركات تأجير البيوت برفع الأجرة الشهرية مما يضعها أمام تحديات حقيقية لأن راتبها بالكاد يكفي حتى نهاية الشهر حسب قولها.
حلول بديلة لمواجهة ارتفاع تكاليف الطاقة
من جهته عبر ماتياس صاحب الشركة الناشئة عن فرحته لتحسن الطقس ما يجعله يعتمد على دراجته الهوائية للوصول إلى مكتبه الذي يبعد نحو 15 كيلومترا عن مكان إقامته.
لكنه يضطر لاستخدام سيارته عندما يكون لديه أكثر من موعد في اليوم. ويؤكد ماتياس أن الكثير من زبائنه يفضلون اللقاءات عبر الإنترنت لتفادي استخدام سياراتهم بعدما ارتفعت أسعار المحروقات بشكل مفاجئ.
أما إياد صاحب أحد أشهر المطاعم العربية في برلين فعبر عن خيبة أمله الكبيرة تجاه سياسة الحكومة الحالية التي تصر على موقفها تجاه العقوبات المفروضة على روسيا. ما يحول دون العودة لاستيراد الغاز الروسي. وهذا يزيد برأيه من استمرار رفع أسعار المواد الغذائية نتيجة ارتفاع تكاليف النقل.
وكالة الطاقة الدولية تطرح مخزونات النفط الاستراتيجية
وبدأت الدول الأعضاء في وكالة الطاقة الدولية طرح مخزونات النفط الاستراتيجية التي أعلنت أنها ستطرحها في منتصف مارس/آذار الجاري. وسيتم توفير ما مجموعه 426 مليون برميل معظمها من النفط الخام.
لكن الواقع أن تأثير هذه القرارات لا يقاس فقط بالأرقام أو بحجم البراميل التي تضخ في السوق. فبين القلق من تآكل القدرة الشرائية وارتفاع الأسعار وبين مخاوف الشركات من ارتفاع تكاليف الإنتاج تحاول أوروبا إيجاد حل لمعادلة دقيقة: كيف يمكن امتصاص الصدمة دون الوقوع في أزمة أعمق؟
استراتيجية المانيا لمواجهة نقص الامدادات
هنا يرى الخبير الاقتصادي فولفغانغ مولكه أن الحكومة الألمانية لم تعلن بعد عن استراتيجية محددة لمواجهة احتمالية نقص الإمدادات. غير مستبعد تأثير الحرب على آفاق نمو الصناعة الألمانية كلما طال أمدها.
ويؤكد أن على برلين التركيز على الجهود المبذولة لإنهاء الحرب. مشيرا إلى أن خفض ضريبة الطاقة قد يكون خيارا لدعم الصناعة.
وأفادت تقارير رسمية بإفلاس شركة كل 20 دقيقة العام الماضي. ليصل عدد الشركات الألمانية المفلسة إلى أكثر من 24 ألفا بزيادة فاقت 10.3%.
تحديات تواجه الشركات الالمانية
ويعتقد مولكه أن عدد حالات الإفلاس سيبقى عند مستوى مرتفع. قائلا : الأزمات هي فقط عامل مسرع. الشركات التي تعمل في المنافسة الدولية تعاني من ارتفاع التكاليف في ألمانيا وقد لا تتمكن أحيانا من مجاراة المنافسين. ومع ذلك يبقى الوضع الجيوسياسي خطرا دائما على التطور الاقتصادي وبالتالي على حالات الإفلاس أيضا.
رغم أن الإفراج عن الاحتياطات النفطية يوفر متنفسا مؤقتا للأسواق. فإن خبراء الطاقة يجمعون على أنه لا يمكن أن يشكل حلا دائما. لأنها ص ممت لمواجهة صدمات قصيرة الأمد.
كما أن تأثير هذه الخطوة على الأسعار يظل محدودا زمنيا إذ يعتمد أساسا على تطورات الوضع الجيوسياسي. فإذا استمرت التوترات أو تصاعدت قد تعود الأسواق إلى حالة الاضطراب مما يعني عودة الضغط على المستهلكين والحكومات على حد سواء وفق المحللين.
الاحتياطات الاستراتيجية سلاح ذو حدين
وعند سؤال فافينيك وهو أستاذ في المدرسة الفرنسية للبترول والمحركات عما إذا كان لقرار وكالة الطاقة الدولية تأثير حقيقي على أسعار النفط أشار إلى الولايات المتحدة كمثال. وتمتلك الأخيرة ما يسمى بالاحتياطي البترولي الاستراتيجي ويبلغ مليار برميل. واستخدم مرة واحدة فقط عام 2005 بعد إعصار كاترينا الذي دمر منشآت إنتاج النفط ومصافيه مما أدى إلى نقص حاد في النفط الخام والوقود.
ويعتقد فافينيك أن استخدام المخزونات الاستراتيجية سلاح ذو حدين يهدف إلى إرسال رسالتين. الأولى أن الوضع خطير والثانية مفادها أنه لا داعي للقلق لأن الأمور تحت السيطرة.
وفي المحصلة تكشف هذه الأزمة مرة أخرى عن التحدي الذي تواجهه أوروبا مرارا: تحقيق التوازن بين تأمين الإمدادات على المدى القصير وتسريع التحول الطاقي على المدى الطويل.
بين هذين المسارين يبقى المواطن الأوروبي في قلب الأزمة يتحمل تكلفة التقلبات الداخلية والتوترات الخارجية وينتظر حلولا تتجاوز منطق إدارة الأزمات نحو بناء استقرار دائم.







