العجارمة : عمل رئيس وزراء سابق تعتبر سابقة خطيرة
راصد الإخباري -
عمان - الاربعاء - 18 آذار 2029 - في تطور لافت على الساحة السياسية الأردنية، أطلق الوزير الأسبق والخبير الدستوري الدكتور نوفان العجارمة تحذيراً قانونياً ووطنياً من تداعيات ما يتم تداوله حول عمل أحد رؤساء الوزراء السابقين لدى دولة أجنبية، واصفاً هذه الخطوة -إن صحت- بأنها تمثل "سابقة خطيرة" في تاريخ الحياة السياسية الأردنية، لما تحمله من إشكاليات قانونية وأخلاقية تتعلق بحماية أسرار الدولة والحفاظ على هيبتها وسمعتها، خصوصاً أن من يشغل هذا المنصب الرفيع يعتبر الرجل الثاني في الدولة بعد جلالة الملك، ويعد مستودعاً للسلطة العامة وخازناً لأسرارها، مما يفرض عليه التزامات أخلاقية وقانونية حتى بعد مغادرته المنصب.
جاءت تصريحات العجارمة، وهو الفقيه الدستوري والوزير الأسبق، في منشور مطول نشره عبر صفحته الرسمية على موقع التواصل الاجتماعي "فيسبوك"، وتابعته وكالة عمون الإخبارية ، حيث أعرب عن استغرابه واستنكاره لما يتم تداوله بهذا الشأن، مؤكداً أنه على حد علمه، لم يسبق لأي رئيس وزراء أردني منذ تأسيس الدولة أن عمل لدى أي دولة أجنبية بعد تركه المنصب. وأشار العجارمة إلى أن هذه الواقعة، إذا ثبتت، لا يمكن قياسها على اعتبارات قانونية عادية، نظراً لحساسية الموقع الذي كان يشغله هذا المسؤول، والذي يطلع بحكم وظيفته السابقة على معلومات سيادية غاية في الدقة والحساسية، تشمل وثائق عسكرية واقتصادية وسياسية، بل وقد تمتد لتشمل خصوصيات المواطنين أنفسهم.
وأكد العجارمة في منشوره أن المسؤولية القانونية لا تنتهي بانتهاء الخدمة، مستنداً في ذلك إلى نص المادة (12) من قانون حماية أسرار ووثائق الدولة رقم (50) لسنة 1971، والتي تحظر بشكل قاطع على أي مسؤول تخلى عن وظيفته لأي سبب كان، إفشاء أية معلومات أو أسرار حصل عليها أو عرفها بحكم وظيفته، وكان إفشاؤها محظوراً وفق أحكام هذا القانون . وأوضح أن هذا النص القانوني يؤكد استمرار واجب التحفظ الوظيفي حتى بعد انتهاء العلاقة الوظيفية، مما يعني أن أي مسؤول كبير اطلع على أسرار الدولة يبقى ملتزماً بعدم الإفصاح عنها أو استغلالها مدى الحياة، فكيف إذا انتقل هذا المسؤول للعمل مباشرة لدى دولة أجنبية قد تتعارض مصالحها مع مصالح الأردن؟
وبعيداً عن الجوانب القانونية البحتة، شدد العجارمة على البعد الأخلاقي والديني لهذه القضية، معتبراً أن الالتزام بعدم إفشاء الأسرار وحماية مصلحة الوطن يمثل واجباً خُلقياً ودينياً قبل أن يكون التزاماً قانونياً، ويجب أن يُمارس بوازع من الضمير والأخلاق وليس خوفاً من العقاب. واستشهد في هذا السياق بالآية القرآنية الكريمة: (ما جعل الله لرجلٍ من قلبين في جوفه)، لافتاً إلى أن هذه الآية تدل دلالة واضحة على استحالة الجمع بين ولاءين متناقضين في آن واحد . فانتقال رئيس وزراء أسبق للعمل لدى دولة أخرى، خاصة إذا كانت تلك الدولة تتبنى سياسات مختلفة أو متعارضة مع مصالح الأردن، سيخلق حتماً حالة من تضارب الولاءات والمصالح، وهو ما ينعكس سلباً على سمعة الدولة وهيبتها، ويضع هذا المسؤول السابق في موقف لا يُحسد عليه أمام التاريخ والوطن.
وأضاف العجارمة أن رئيس الوزراء، سواء كان في الخدمة أو بعد تركها، يظل مطالباً بالحرص على اعتبار الوظيفة التي كان يشغلها، ويجب ألا يصدر منه ما يمكن أن يُعد مناقضاً للثقة الواجبة فيه والاحترام المطلوب له، فهو موظف عام تحوطه سمعة الدولة وترفرف عليه مثلها العليا. وأشار إلى أن كثيراً من التصرفات، حتى لو بدت شخصية، قد تؤثر تأثيراً بالغاً في سمعة الدولة واحترامها وهيبتها، مما يحتم على المسؤولين الكبار توخي أقصى درجات الحذر في تحركاتهم وخياراتهم بعد ترك المنصب. ودعا إلى عدم التضحية بالوطن "من أجل حفنة دولارات، أو بيعه بثمن بخس دراهم معدودة"، على حد تعبيره .
وفي ختام منشوره الذي لقي اهتماماً واسعاً في الأوساط السياسية والقانونية ، وجه العجارمة دعوة صريحة إلى رئاسة الوزراء الحالية، باعتبارها صاحبة الولاية العامة، إلى ضرورة وضع ضوابط وقيود صارمة تنظم عمل كبار المسؤولين السابقين خارج المملكة. وطالب بأن يشمل ذلك رؤساء الوزراء والوزراء وقادة الأجهزة الأمنية والعسكرية، وكل من شغل وظيفة عامة برتبة وراتب وزير، بحيث لا يُسمح لهم بالعمل خارج البلاد إلا بعد الحصول على موافقة خطية مسبقة من رئاسة الوزراء، تضمن عدم تعارض المصالح أو الإضرار بالمصلحة الوطنية العليا . وتأتي هذه الدعوة في إطار تعزيز مبدأ المساءلة والحفاظ على سيادة الدولة، وضمان عدم استغلال المناصب الحساسة السابقة لتحقيق منافع شخصية على حساب الأمن الوطني، خاصة في ظل تشابك العلاقات الدولية وتعقيد المشهدين الإقليمي والدولي المحيط بالأردن.
وتثير قضية عمل المسؤولين السابقين لدى جهات خارجية إشكالية قانونية وأخلاقية كبرى، تتقاطع مع مفاهيم تضارب المصالح وحماية الأمن الوطني، وهي قضية تحظى باهتمام كبير في العديد من الدول التي تضع قيوداً صارمة على عمل كبار مسؤوليها السابقين لفترات زمنية محددة، لضمان عدم استغلال المعلومات الحساسة التي اطلعوا عليها خلال فترة توليهم مناصبهم . وبالتالي، فإن دعوة العجارمة تمثل مبادرة مهمة لسد أي ثغرات قانونية محتملة، وتأكيداً على مبدأ أن من تقلد أرفع المناصب في الدولة يبقى مديناً بالولاء لوطنه، وخازناً أميناً لأسراره، حتى بعد أن يغادر موقعه الرسمي، حفاظاً على هيبة الدولة ومكانتها في المحافل كافة.







