من الوصمة إلى الانتماء: "صُنع بعزيمة" يمهد طريق الاندماج الاجتماعي للنزلاء


من خلف القضبان… بداية حكاية جديدة

{title}
راصد الإخباري -
 – نجوى صالح الشناق 


في صباحٍ هادئ داخل أحد أحياء عمّان، يقف (أ.م.ك) أمام مشغله الصغير لتنجيد الأثاث في منطقة مرج الحمام، يراقب قطع القماش وهي تتحول إلى أثاثٍ جديد بلمسة يدٍ خبيرة. قبل سنوات، لم يكن يتخيل أن تلك المهارة التي تعلمها خلف جدران مركز إصلاح وتأهيل الموقر ستكون المفتاح الذي يعيد رسم ملامح حياته.
ثلاثة أعوام قضاها داخل المشاغل المهنية في المركز، لم تكن مجرد وقتٍ يمرّ ببطء، بل كانت رحلة مراجعة وتعلّم وبناء جديد. هناك تعلّم كيف يصنع بيديه، وكيف يعيد بناء ثقته بنفسه. يقول بابتسامة هادئة: "الخطأ علّمني أكثر مما أوجعني… داخل المركز تعلمت كيف أستثمر وقتي، وكيف أملك مشروعي بدل أن أضيّع عمري.”
بعد الإفراج عنه، لم ينتظر طويلًا، خلال أشهر قليلة افتتح مشغله الخاص، واليوم يعمل معه خمسة من زملائه الذين تدربوا معه داخل المركز نفسه. بالنسبة له، لم تكن الحرفة مجرد عمل، بل فرصة لاستعادة مكانه في المجتمع.
هذه القصة ليست استثناءً، بل نموذج لما يمكن أن تصنعه فرصة حقيقية عندما تلتقي بالإرادة. فمن داخل مراكز الإصلاح والتأهيل الأردنية تتحرك قصص الإبداع والريادة بصمت، ليتحول العمل اليدوي والفني إلى وسيلة للتأهيل وإعادة الدمج مع المجتمع. 
لكن الطريق بعد الإفراج لا يكون دائمًا سهلًا؛ فكثير من المفرج عنهم يصطدمون بتحديات العمل ونظرة المجتمع، ما يجعل العودة إلى الحياة الطبيعية رحلة مليئة بالعقبات.
"صُنع بعزيمة" لإعادة الاندماج وكسر الوصمة الاجتماعية
استجابةً للتحديات التي تواجه النزلاء بعد الإفراج، أطلقت مديرية الأمن العام الأردنية متجر "صُنع بعزيمة"، منصة وطنية إلكترونية لتسويق منتجات نزلاء مراكز الإصلاح والتأهيل. يهدف المتجر إلى تمكين النزلاء اقتصاديًا واجتماعيًا، وتحويل مهاراتهم الحرفية والفنية إلى مصدر دخل حقيقي، ما يمنحهم فرصة لإعادة تعريف صورتهم أمام المجتمع بعيدًا عن الوصمة الاجتماعية، ويعزز قدرتهم على التعايش والاندماج مجددًا في سوق العمل.
ويُعد " صُنع بعزيمة "  أول حاضنة أعمال وطنية رقمية داخل بيئة إصلاحية في الأردن، توظف التكنولوجيا لدعم النزلاء بشكل مستدام. ولا يقتصر على التسويق الرقمي، إذ افتُتح معرض دائم في عمّان – منطقة الوحدات، يتيح تواصلًا مباشرًا بين المجتمع والنزلاء ويكسر الحواجز النفسية المرتبطة بالوصمة الاجتماعية. كما توفر المنصة تجربة شراء سهلة تشمل الدفع الإلكتروني والتوصيل محليًا ودوليًا، ما يوسع نطاق المنتجات ويبرز قيمة جهود النزلاء.
وخلال زيارة "راصد الإخباري" لمتجر "صُنع بعزيمة" في عمّان، أكّد فريق العمل أن الهدف الأساسي هو تعزيز التعايش بين المجتمع والنزلاء، إذ يمنح شراء أي منتج مصنع داخل المراكز الإصلاحية فرصة للمجتمع للمشاركة في قصة إنسانية عن بداية جديدة، بينما يطوّر النزلاء مهاراتهم الاقتصادية والاجتماعية
ويعرض المشروع منتجات النزلاء المصنوعة في المشاغل المهنية، مع توفير فرص عمل يومية تتراوح بين 4 و6 ساعات، ما يمنحهم خبرة عملية وينظم أوقاتهم مع الحفاظ على جودة وابتكار المنتجات. ويشير فريق العمل إلى أن 80% من العوائد تعود مباشرة للنزلاء، فيما تُستخدم 20% لتغطية تكاليف المواد الخام، ويُمنح النزيل كامل العائد في بعض الحالات مثل اللوحات الفنية، مما يعكس التزام المشروع بتمكينهم اقتصاديًا وتعزيز مهاراتهم واستقلاليتهم.
وقد حصد فريق عمل المشروع المركز الثاني في جائزة الحسين بن عبد الله الثاني للعمل التطوعي لعام 2025 ضمن فئة أفضل فريق عمل تطوعي متميّز، مؤكدًا أن هذا الإنجاز يعكس نجاح المبادرة في تعزيز الاندماج الاجتماعي للنزلاء وكسر الوصمة المرتبطة بالماضي.

الأرقام  تكشف نجاح الاندماج 

تكشف بيانات مشروع "صُنع بعزيمة" عن نمو متسارع في مشاركة النزلاء في الإنتاج، إذ ارتفعت نسبة المشاركين المؤهلين من 1.6% عام 2021 إلى 1.9% عام 2022، ثم قفزت إلى 6.3% عام 2023، قبل أن تصل إلى 15.2% عام 2024، وتبلغ نحو 19.8% في عام 2025.

كما شهدت منتجات المشروع إقبالًا متزايدًا؛ ففي البداية كان الطلب يتركز على أربعة منتجات فقط، لتتوسع لاحقًا إلى 73 منتجًا متنوعًا يشمل الحرف اليدوية، والأعمال الخشبية، واللوحات الفنية، وغيرها.
 وتعكس هذه الأرقام ليس النمو الاقتصادي فحسب، بل التحوّل الحقيقي في شراكة المجتمع مع النزلاء، حيث أصبح العمل والإنتاج جزءًا أساسيًا من عملية إعادة التأهيل والتمكين الاجتماعي.

قصص نجاح رافقت مشروع "صُنع بعزيمة"

خلف كل حرفة يتقنها نزيل قصة تغيير تبدأ داخل المشاغل المهنية وتمتد خارج أسوار المركز، باحثة عن فرصة حقيقية لبناء حياة جديدة. فـ(س.م.ي)، الذي أُدخل عام 2018 بجرم مالي، التحق بعد ثلاثة أشهر بمرسم الفن التشكيلي، حيث ابتكر لوحات تمزج بين الفن التشكيلي والخيال الحر. وتم عُرض هذه الأعمال ضمن فعاليات مشروع "صُنع بعزيمة" وبيعت بأسعار مرتفعة بعد تقييمها فنيًا، ما ساعده على تسديد جزء من ديونه، ويطمح اليوم إلى افتتاح مرسمه الخاص.
أما (أ.م.ل)، التي أُدخلت عام 2020 بجرم الإيذاء، فقد التحقت بالمشاغل المهنية بعد جلسات دعم نفسي، وأبدعت في صناعة صائدة الأحلام ضمن مجال التطريز والكروشية، إضافة إلى فن الكيك، لتصبح اليوم تقوم بتدريب زميلاتها على هذه الحرف، محولة تجربتها الصعبة إلى مصدر إلهام.
هذه القصص الصغيرة مجتمعة ترسم صورة مشروع لا يقتصر على بيع المنتجات، بل يعيد بناء جسور الثقة بين الإنسان والمجتمع.

بعد الإفراج… فرصة ثانية ومسار جديد

يقول فريق عمل "صُنع بعزيمة": "نحن نؤمن بأن لكل نزيل فرصة ثانية، وأن العمل اليدوي والفني يمكن أن يكون أداة للتغيير. هدفنا تمكين النزلاء من تطوير مهاراتهم وتحويلها إلى منتجات تحمل رمزية وطنية وقصصًا إنسانية، تعيد بناء الثقة بالنفس وتكسر الحواجز المرتبطة بالوصمة الاجتماعية".
ويضيف الفريق أن دور المشروع لا يقتصر على ما يقدمه داخل مراكز الإصلاح، بل يسعى لأن يكون منصة دائمة للتمكين بعد الإفراج. إذ يهدف المشروع إلى دعم الخريجين للاستمرار في العمل، سواء عبر تأسيس مشاريع صغيرة أو الاندماج في سوق العمل، مستفيدين من المهارات والخبرات المكتسبة داخل المركز، لتتحول الورشة الصغيرة داخل المركز إلى بداية طريق جديد خارج أسواره، حيث يصبح العمل لغة مشتركة بين النزيل والمجتمع.
إدماج خريجي مراكز الإصلاح… طريق الحد من العود الجرمي
تشير الأرقام الرسمية إلى أن إعادة إدماج نزلاء مراكز الإصلاح بعد الإفراج تمثل تحديًا اجتماعيًا واقتصاديًا. فقد أظهرت دراسة وزارة العدل الأردنية (2018–2020) أن نحو 39% من المفرج عنهم يعودون لارتكاب الجرائم، ويرجع ذلك أساسًا إلى غياب فرص العمل (50%)، والنظرة السلبية للمجتمع (46%)، واستمرار العلاقة مع رفقاء السوء (36%). وتشير البيانات إلى أن غالبية مرتكبي الجرائم تتراوح أعمارهم بين 18 و41 عامًا، وكان كثير منهم المعيلين الرئيسيين لأسرهم قبل دخول مراكز الإصلاح.
و يرى تقرير مكتب مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان (OHCHR – 2025 OHCHR (2025) أن التمييز ونقص الفرص الاقتصادية والعقبات القانونية تحد من إعادة الإدماج، ويقدم توصيات لتعزيز فرص العمل والمشاركة في برامج الدعم الاجتماعي. كما ويؤكد قرار مجلس حقوق الإنسان رقم 57/9 (2024) أن إعادة الإدماج قضية حقوق إنسان أساسية، داعيًا الدول إلى مراجعة سياساتها لمعالجة هذه العوائق.

كيف يدعم القانون إعادة دمج النزلاء 

تتبنى المملكة الأردنية في إدارة المؤسسات العقابية رؤية تقوم على أن العقوبة ليست غاية بحد ذاتها، بل وسيلة للإصلاح وإعادة التأهيل. لذلك لم تعد مراكز الإصلاح تقتصر على العزل، بل أصبحت توفر برامج تدريب وتعليم تساعد النزلاء على اكتساب مهارات تمكّنهم من العودة إلى المجتمع بعد الإفراج.
وفي هذا السياق، يوضح الدكتور المحامي صخر الخصاونة أن قانون مراكز الإصلاح والتأهيل الأردني رقم 9 لسنة 2004 لم يقتصر على تنفيذ العقوبة، بل نصّ على برامج إصلاحية وتأهيلية تهدف إلى تمكين النزيل من العودة إلى المجتمع والعيش بكرامة، من خلال التدريب على المهن والحرف داخل مراكز الإصلاح.
ويشير الخصاونة إلى أن التحدي الأكبر الذي يواجه النزيل السابق غالبًا ما يكون اجتماعيًا، إذ قد تتحول الوصمة المجتمعية إلى عقبة تعرقل حصوله على فرص عمل وتحدّ من اندماجه مجددًا في المجتمع.
كما يلفت إلى أن بعض القيود القانونية، مثل تسجيل القيود الجرمية أو صعوبة الحصول على شهادة عدم محكومية، قد تؤثر في فرص العمل. ومع ذلك، عمل المشرّع الأردني خلال السنوات الأخيرة على تطوير منظومة العدالة الجزائية من خلال توسيع نطاق وقف تنفيذ العقوبة وتسهيل إجراءات رد الاعتبار، إضافة إلى اعتماد العقوبات البديلة مثل الخدمة المجتمعية.
ويؤكد الخصاونة أن تعزيز إعادة الإدماج يتطلب أيضًا تطوير برامج للرعاية اللاحقة، بما يضمن دعم النزلاء بعد الإفراج عنهم ويساعدهم على الاندماج الحقيقي في المجتمع.

الوصمة والهوية الجديدة.. تحديات الاندماج بعد الإفراج

ترى الاستشارية النفسية والأسرية حنين البطوش أن الخروج من مراكز الإصلاح يمثل مرحلة انتقالية حرجة، إذ لا تعني الحرية وحدها، بل إعادة بناء الهوية النفسية والاجتماعية. كثير من المفرج عنهم يعيشون صراعًا داخليًا بين شعورهم بالارتياح للانعتاق وقلقهم من نظرة المجتمع أو الخوف من الفشل، مصحوبًا أحيانًا بانخفاض الثقة بالنفس أو شعور بالذنب.
وتؤكد البطوش أن الوصمة الاجتماعية تمثل العقبة الأكبر أمام الاندماج، وتجعل الفرد تحت ضغط مستمر لإثبات قدرته على التغيير. كما يشكل الحصول على فرصة عمل مستقرة تحديًا إضافيًا، خاصة مع تحفظ بعض المؤسسات على توظيفهم رغم رغبتهم الحقيقية في بدء حياة جديدة.
وتشير إلى أن نجاح الاندماج يرتبط بوجود بيئة داعمة تشمل الأسرة والمجتمع وبرامج الدعم النفسي والاجتماعي، حيث تعمل الأسرة كخط أمان أساسي، وتمنح فرص العمل والمبادرات المجتمعية للفرد فرصة لإثبات ذاته واستعادة كرامته.
وتعتبر البطوش أن مبادرات التمكين الاقتصادي، مثل مشروع "متجر النزلاء”، ليست مجرد فرصة عمل، بل أداة لإعادة الثقة بالمفرج عنهم وتغيير الصورة الذهنية السائدة عنهم، وتعزز الإيمان بإمكاناتهم على التغيير وبدء حياة جديدة بكرامة واستقلالية.
ومن هنا، يمثل إدماج النزلاء بعد الإفراج عنهم خطوة أساسية لإعادة بناء هويتهم ومكانتهم في المجتمع. ويُظهر مشروع "صُنع بعزيمة" كيف يمكن للإبداع والمهارات المهنية أن تتحول إلى فرص حقيقية للاندماج الاجتماعي وكسر الوصمة الاجتماعية. وتؤكد التجربة أن الدعم النفسي، التمكين الاقتصادي، والعمل المنتج يمنح النزلاء القدرة على إعادة تعريف أنفسهم والمساهمة بفعالية في محيطهم الاجتماعي. فالرسالة الأساسية أصبحت واضحة: الإصلاح لا يقتصر على تنفيذ العقوبة فحسب، بل يشمل تمكين الإنسان وإعطاؤه فرصة ثانية ليصبح شريكًا فاعلًا في مجتمعه، معززًا للتعايش والاستقرار الاجتماعي.