الذكاء الاصطناعي هل ينقذ الاقتصاد من أزمة الديون الحكومية؟

{title}
راصد الإخباري -

يرى اقتصاديون أنه في حال تحقق نمو كبير في الإنتاجية بفضل الذكاء الاصطناعي، فقد يمنح هذا الاقتصادات الكبرى فرصة لترتيب أوضاعها المالية الصعبة، لكن هذا النمو لن يكون كافيا لحل المشكلة بشكل كامل.

تبدو المخاطر كبيرة، حيث يتجاوز الدين العام 100% من الناتج المحلي في معظم الاقتصادات الغنية، ومن المتوقع أن يرتفع أكثر بسبب ارتفاع تكاليف شيخوخة السكان وفوائد الديون والضغط لزيادة الإنفاق على الدفاع ومواجهة تغير المناخ.

أظهر صناع السياسات في الولايات المتحدة تفاؤلهم بالنمو الذي يدفعه الذكاء الاصطناعي، ويشير الاقتصاديون إلى أن التكنولوجيا قد تساعد في إخراج الاقتصادات من الركود الإنتاجي المستمر منذ 2008 عن طريق رفع كفاءة العمال وإتاحة وقتهم للتركيز على مهام أكثر إنتاجية.

الذكاء الاصطناعي والنمو الاقتصادي

أضاف الاقتصاديون أن النمو الاقتصادي المرتفع قد يجعل الإنفاق الحكومي وأعباء الدين أكثر قابلية للإدارة، ويساعد على مواجهة ضغوط مستثمري السندات الأكثر تشددا.

لتقدير تأثير الذكاء الاصطناعي على المالية العامة على المدى الطويل، شاركت منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية وثلاثة اقتصاديين بارزين تقديرات أولية مع رويترز.

قالت فيليز أونسال، نائبة مدير السياسات الاقتصادية والبحوث في منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية، إنه إذا أدت طفرة الإنتاجية الناتجة عن الذكاء الاصطناعي إلى زيادة فرص العمل، فإنها ستخفض الدين في دول المنظمة من الولايات المتحدة إلى ألمانيا واليابان بنحو 10 نقاط مئوية من نحو 150% من الناتج المتوقع في 2036، مبينة أن هذا لا يزال ارتفاعا حادا مقارنة بالمستوى الحالي البالغ 110%.

تأثير الذكاء الاصطناعي على الوظائف

أوضحت أونسال أن التأثير يعتمد على ما إذا كان خلق الوظائف سيفوق في النهاية أي فقدان للوظائف نتيجة الأتمتة، إضافة إلى ما إذا كانت الشركات ستنقل أرباحها الأعلى عبر زيادة الأجور وكيفية إدارة الحكومات لإنفاقها الإجمالي.

في الولايات المتحدة، توقع اقتصاديان آخران أن ينمو الدين بوتيرة أبطأ ليصل إلى نحو 120% خلال العقد المقبل مقارنة بنحو 100% حاليا في أفضل السيناريوهات، فيما رأى أحدهم أنه لن يطرأ تغيير كبير.

قالت إدانا أبيو، إحدى هؤلاء الاقتصاديين والتي عملت سابقا في الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك وتعمل الآن مديرة صندوق في فيرست إيغل للاستثمار، إن الإنتاجية تشبه السحر فهي تدعم الديناميات المالية بشكل كبير، مضيفة أن المشاكل المالية أكبر بكثير مما يمكن للإنتاجية وحدها معالجته.

تحديات النمو وقيود الذكاء الاصطناعي

حتى الآن، تفترض وكالة التصنيف الائتماني ستاندرد آند بورز عدم وجود تأثير كبير على المالية العامة بحلول نهاية العقد.

قال مارك باتريك، رئيس قسم الاقتصاد الكلي ومخاطر الدول في تشارترز للتأمين والمعاشات الأميركية، إن المسار الذي تأمل فيه الإدارة الأميركية هو أن تنقذنا الصدفة، مضيفا أن هذا ليس أمرا يمكن الاعتماد عليه.

لم يقدم الاقتصاديون تقديرات لبقية الدول، إلا أن الذكاء الاصطناعي قد يعزز الإنتاجية في بريطانيا بمستوى مشابه للولايات المتحدة، لكنه سيكون أقل بنحو النصف في إيطاليا واليابان بسبب انخفاض معدلات التبني وصغر القطاعات التي يمكن أن تستفيد من الذكاء الاصطناعي، وفق أبحاث منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية.

الديناميات المالية والذكاء الاصطناعي

أفاد الاقتصاديون بأنه في النهاية، ستحدد الديناميات المالية مدى قدرة الإنتاجية المدفوعة بالذكاء الاصطناعي على موازنة ارتفاع الديون، فيما تظل التحديات الديمغرافية الأكبر.

قال كيفن كانغ، رئيس قسم الأبحاث الاقتصادية العالمية في فانغارد، ثاني أكبر مدير أصول في العالم، إن أصل مشكلة الديون يكمن في شيخوخة السكان والحقوق المرتبطة بها، مضيفا أن معالجة ذلك تتطلب إعادة تنظيم النظام المالي، وأن الذكاء الاصطناعي لا يعدو كونه كسبا للوقت.

يتوقع كانغ أن يعزز الذكاء الاصطناعي نمو الاقتصاد الأميركي إلى معدل متوسط 3% حتى 2040، في حين يرى الاحتياطي الفيدرالي إمكانية نمو حوالي 2%، ويقدر أن النمو الأعلى وإيرادات الضرائب المرتفعة ستبطئ نمو الدين الأميركي ليصل إلى نحو 120% من الناتج بحلول أواخر الثلاثينيات، وهو أقل بكثير من التقدير الأعلى البالغ 180% إذا أخفق الذكاء الاصطناعي وتباطأ النمو وارتفعت تكاليف الاقتراض بفعل ضغط السوق.

تحديات الضرائب والإنفاق

كشفت البيانات أن المستثمرين في السندات كانوا سريعين في معاقبة الحكومات على الإفراط المالي منذ أن ارتفعت عوائد السندات بشكل حاد بعد الجائحة في الاقتصادات الغنية.

أشارت أبيو إلى أن انخفاض الهجرة في الولايات المتحدة زاد من التحدي الديمغرافي، مبينة أن صدمة سوق العمل تعادل أي نمو في الإنتاجية بالذكاء الاصطناعي، لكنها أضافت أنها ستكون أكثر قلقا من دون الذكاء الاصطناعي.

أوضح الاقتصاديون أنه ينبغي أن ترفع مكاسب الإنتاجية على مستوى الاقتصاد الإيرادات، لكن إذا قلت فرص العمل أو المنافسة وذهب معظم الأرباح ورأس المال الذي غالبا ما تفرض عليه ضرائب أقل من العمل فقد تكون الإيرادات أقل من المتوقع.

مستقبل الذكاء الاصطناعي والاقتصاد

قال الاقتصاديون إنه على جانب الإنفاق يمكن لتحسين كفاءة القطاع العام أن يساعد في خفض التكاليف، لكن هناك خطر ارتفاع الإنفاق بالتوازي مع النمو.

لهذا السبب، يتوقع كينت سمترز، مدير مجموعة تحليل ميزانية بن وارتون في جامعة بنسلفانيا، أن يكون أثر الذكاء الاصطناعي على الدين الأميركي محدودا خلال عقد من الزمن.

أضاف سمترز أنه حتى لو كان النمو أعلى مما يتوقع حاليا فلن يكون لذلك أثر كبير على تقليص الإنفاق على الضمان الاجتماعي الذي يشكل خمس الإنفاق الفيدرالي لأن المطالبات مرتبطة بالأجور المتوسطة، كما أن تكاليف العمالة الأخرى التي تغطيها الحكومة سترتفع إذا رفعت الإنتاجية أجور القطاع الخاص.

قالت فيليز أونسال من منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية إنه من المهم جدا معرفة ما إذا كانت الأجور سترتفع، مضيفة أن احتمال ارتفاع الأجور أكبر إذا لم يؤدي الذكاء الاصطناعي إلى زيادة التوظيف.

أكد الاقتصاديون أنه بالطبع هناك تكاليف الدين التي ستعتمد على ما إذا كانت الإنتاجية ستزيد من أسعار الفائدة الحقيقية وهو نقاش بدأ يظهر بالفعل في الاحتياطي الفيدرالي ومدى استمرار النمو في تجاوز أي زيادة محتملة.

قال كريستيان كيلر، رئيس قسم الأبحاث الاقتصادية العالمية في باركليز، إنه من الواضح أن أحدا لا يمتلك كرة بلورية فقد تقلب أي صدمة النقاش رأسا على عقب بسرعة، مضيفا أن الركود قد يعني أن طفرة الذكاء الاصطناعي قد لا تأتي بسرعة كافية قبل أن تقلق السوق بشأن المسار المالي.