قفزة البطالة تثير قلقا بشأن الاقتصاد البريطاني
تعتبر القفزة الاخيرة في معدل البطالة في بريطانيا مؤشرا على تباطؤ دوري في سوق العمل، الا ان تزامنها مع مؤشرات نمو باهت وضعف في الانتاجية وتراجع في ثقة المستهلكين، يظهر ان الاقتصاد البريطاني يواجه تحديات عميقة تؤثر على قدرته على استعادة النمو المستدام بعد سنوات من الصدمات المتراكمة.
كشفت بيانات مكتب الاحصاء الوطني البريطاني عن ارتفاع معدل البطالة الى 5.2% في الاشهر الثلاثة الاخيرة من عام 2025، وهو اعلى مستوى في خمس سنوات، مقارنة بـ 5.1% في الربع السابق.
بالتوازي مع ذلك، تباطأ نمو متوسط الاجور الاسبوعية الى 4.2% بعد ان كان 4.4%، ما يدل على فتور واضح في ديناميات سوق العمل، وفقا لمراقبين.
وعلى مستوى الاداء الكلي، لم يتجاوز النمو الاقتصادي 0.1% في الربع الرابع من 2025، فيما بلغ 1.3% خلال العام باكمله، متفوقا بشكل طفيف على 1.1% المسجل في 2024، لكنه يظل ضمن نطاق نمو ضعيف لا يعكس تعافيا قويا.
وقد جاء الدعم الفصلي من قطاع التصنيع، واستمر قطاع البناء في تسجيل اداء ضعيف، بينما استقرت الخدمات دون نمو يذكر للمرة الاولى منذ عامين.
تحديات تواجه الاقتصاد البريطاني
قال اقتصاديون ان ارتفاع البطالة يعزز التوقعات بان يتجه بنك انجلترا الى تخفيف السياسة النقدية خلال الاشهر المقبلة، خاصة بعد ان ابقى في اجتماعه الاخير على سعر الفائدة عند 3.75%.
اوضحوا ان تقديرات بعض المستثمرين تشير الى احتمال خفضها بربع نقطة مئوية الى 3.5% في اجتماع مارس المقبل، مع امكانية الوصول الى 3% خلال العام اذا استمرت مؤشرات الضعف.
بينما انخفض التضخم السنوي الى 3% في يناير الماضي، مقارنة بـ 3.4% في ديسمبر الماضي، لكنه ظل اعلى من مستواه في الولايات المتحدة (2.4%) ومنطقة اليورو (1.7%)، ما يضع صانعي السياسات امام معادلة دقيقة بين دعم النمو واحتواء ضغوط الاسعار الاساسية.
الاعباء الضريبية وتأثيرها
يرى اقتصاديون ان الزيادات الضريبية الاخيرة، اضافة الى رفع الحد الادنى للاجور وارتفاع مساهمات التامينات الاجتماعية، اسهمت في رفع تكلفة التوظيف، خاصة في قطاعات التجزئة والضيافة.
تشير تقديرات الى ان الاعباء الضريبية الاضافية بلغت نحو 40 مليار جنيه استرليني (54.1 مليار دولار)، ما دفع بعض الشركات الى تقليص خطط التوظيف.
تتزامن هذه التطورات مع تراجع مؤشر ثقة المستهلك الصادر عن "اس اند بي جلوبال" الى 44.8 نقطة في فبراير الماضي، دون مستوى 50 الفاصل بين النمو والانكماش المعنوي.
افاد المستهلكون بارتفاع مستويات الديون وتراجع توافر الائتمان، الى جانب انخفاض الرغبة في الانفاق الكبير الى ادنى مستوى في عشرة اشهر.
تداعيات خروج بريطانيا من الاتحاد الاوروبي
في موازاة هذه التحديات الداخلية، يبرز اثر خروج بريطانيا من الاتحاد الاوروبي (بريكست) كعامل هيكلي لا يزال يلقي بظلاله على الاداء الاقتصادي.
تبين دراسات حديثة اعدها باحثون في كلية لندن للاقتصاد بالتعاون مع اقتصاديين من جامعة ستانفورد ان النمو والاستثمار والانتاجية في المملكة المتحدة جاءت اضعف من اقتصادات متقدمة مماثلة منذ 2016، في ظل حالة ممتدة من عدم اليقين واعادة ترتيب العلاقات التجارية.
تقدر الكلفة التراكمية لهذا التحول بما يتراوح بين 6% و8% من الناتج المحلي الاجمالي بحلول 2025، ما يعكس اثرا تدريجيا تراكم عبر السنوات واسهم في تعميق ضغوط النمو الضعيف وسوق العمل.
الانتاجية وتأثيرها على سوق العمل
قال الخبير في الاقتصاد السياسي احمد ياسين ان ما تشهده بريطانيا يعكس ازمة ممتدة في الانتاجية، مشيرا الى ان مستويات الانتاجية في المملكة المتحدة ظلت متراجعة مقارنة بالتكتلات الاقتصادية الكبرى.
اوضح ياسين ان ضعف الانتاجية ينعكس مباشرة على سوق العمل، حيث لا تستطيع الشركات التوسع او رفع الاجور بوتيرة كافية، ما يؤدي الى فجوة بين تكاليف المعيشة والدخول.
اضاف ياسين ان اي تحسن حقيقي في معدلات التوظيف يتطلب اعادة تحفيز الاستثمار، ولا سيما الاستثمار الاجنبي المباشر، بما يسمح بتحديث القاعدة الانتاجية ورفع الكفاءة.
بين ياسين ان ارتفاع مستويات الدين الاسري يمثل عاملا اضافيا يضغط على النشاط الاقتصادي، في اقتصاد يعتمد بدرجة كبيرة على الاستهلاك الخاص.
مع تآكل القدرة الشرائية وارتفاع تكاليف المعيشة، يصبح المستهلك اكثر تحفظا في الانفاق، ما يؤدي الى تباطؤ الطلب المحلي، ومن ثم تراجع الحافز لدى الشركات للتوظيف او التوسع.
اكد ياسين على ان معالجة البطالة لا يمكن ان تتم بمعزل عن اصلاحات اعمق في بيئة الاستثمار والانتاجية.
العبء الضريبي وتأثيره على الشركات
قال الخبير الاقتصادي نهاد اسماعيل ان احد ابرز اسباب ارتفاع البطالة يتمثل في زيادة تكلفة قطاع العمل نتيجة رفع العبء الضريبي بنحو 40 مليار جنيه استرليني.
اشار اسماعيل الى ان هذه الاجراءات ادت الى تقليص هامش الربحية لدى الشركات، ما دفع بعضها الى الحد من التوظيف او تجميد خطط التوسع، خاصة في القطاعات كثيفة العمالة.
بين اسماعيل ان استمرار هذه السياسة قد يبقي معدلات البطالة عند مستويات مرتفعة نسبيا خلال الفترة المقبلة.
تحديات المديونية الحكومية
اضاف اسماعيل ان ارتفاع المديونية الحكومية يمثل تحديا موازيا، اذ من المتوقع ان يبلغ الانفاق العام نحو 1.37 تريليون جنيه استرليني في 2026، بما يعادل نحو 45% من الناتج المحلي الاجمالي.
يرى اسماعيل ان هذا المستوى من الانفاق، دون تحقيق نمو قوي في القطاع المنتج، قد يفاقم الضغوط المالية على المدى المتوسط.
اشار اسماعيل الى ان نظام الرعاية الاجتماعية يحتاج الى اصلاحات هيكلية لضمان استدامته، في ظل تزايد الضغوط على المالية العامة.
تعتبر مسالة بطالة الشباب كأحد المؤشرات الاكثر حساسية، اذ ارتفعت الى 14% للفئة العمرية بين 18 و24 عاما.
بين اسماعيل ان رفع الحد الادنى لاجور الشباب، بالتوازي مع زيادة تكاليف التوظيف، دفع بعض اصحاب الاعمال الى تفضيل توظيف ذوي الخبرة اذا كانت الاجور متقاربة، ما يقلص فرص الداخلين الجدد الى سوق العمل.
في ضوء هذه المعطيات، يتفق الخبيران على ان خفض اسعار الفائدة قد يوفر دعما قصير الاجل للنشاط الاقتصادي، لكنه لن يكون كافيا لمعالجة التحديات البنيوية المرتبطة بالانتاجية والاستثمار وتكلفة العمل.
تبقى قدرة الاقتصاد البريطاني على الخروج من مسار النمو الضعيف رهنا بمدى نجاح السياسات الاقتصادية في تحقيق توازن بين تحفيز الاستثمار، وضبط المالية العامة، وتحسين بيئة الاعمال، بما يسمح باعادة تنشيط سوق العمل بصورة مستدامة.







