نهاية الحياد الاقتصادي.. التكتلات السياسية تعيد تشكيل عالم الاعمال
لم يعد النقاش يدور حول استمرار العولمة من عدمه. بل حول من يملك القدرة على اعادة هندستها. فعلى مدى ثلاثة عقود بعد الحرب الباردة. حكمت الكفاءة الاقتصادية قرارات الانتاج والتجارة والاستثمار. واعتمدت الشركات على سلاسل امداد تعمل وفق منطق "في الوقت المناسب". بينما عمقت الدول اندماجها في النظام التجاري المتعدد الاطراف.
غير ان هذا النموذج دخل مرحلة اعادة تشكل متسارعة. خصوصا مع عودة دونالد ترمب الى البيت الابيض وتبنيه سياسة تجارية اكثر صدامية. فقد فرضت ادارته بالفعل تعريفات جمركية اضافية على واردات صينية وعالمية استراتيجية. ووسعت نطاق القيود التجارية في قطاعات صناعية حساسة.
كما اعاد ترمب طرح تعريفات شاملة على بعض الواردات. وفتح جبهات ضغط متزامنة على شركاء تقليديين. من انتقاده العلني للفوائض التجارية الاوروبية. الى ضغوط مباشرة على كندا في ملفات صناعية. ومطالبته كوريا الجنوبية والهند باعادة موازنة ترتيبات تجارية ودفاعية قائمة.
نهاية اولوية الكفاءة الخالصة
وآخر فصول سياسة ترمب التجارية فرضه رسوما جمركية مؤقتة بنسبة 10% بعد ان الغت المحكمة العليا الامريكية جانبا كبيرا من رسومه الجمركية. والتي استندت الى قانون الطوارئ الاقتصادية. ثم رفع ترمب هذه النسبة الى 15%. وهي النسبة القصوى المسموح بها قانونيا.
وفي السياق الامني. اثار احياء ملف غرينلاند بوصفها اولوية استراتيجية امريكية. وربط استمرار الدعم لاوكرانيا بشروط تفاوضية اكثر تشددا. تساؤلات في اوروبا بشان استقرار المظلة الامريكية طويلة الاجل.
ودفعت هذه التطورات عددا من الدول الى تسريع مراجعة تموضعها الاقتصادي. والبحث عن اطر تكتلية اكثر استقرارا. واقل تعرضا لتقلبات القرار السياسي الامريكي.
صعود "اقتصادات التكتلات"
هكذا لم تعد الكفاءة وحدها تحكم حركة التجارة والاستثمار. بل صعد مفهوم "الامن الاقتصادي" ليصبح محددا مركزيا في قرارات التمركز الصناعي وتخصيص راس المال. فيما تتقدم "اقتصادات التكتلات" كنمط تنظيمي يعيد توزيع المخاطر والمكاسب على اسس سياسية اكثر وضوحا.
حذر صندوق النقد الدولي في تقريره عن التفتت الجيو اقتصادي لعام 2023 من انقسام الاقتصاد العالمي الى كتل متنافسة قد يخفض الناتج العالمي بنسبة تراوح بين 2% و7% على المدى الطويل. تبعا لدرجة الانقسام وعمقه القطاعي. ويعكس هذا التقدير ادراكا متزايدا بان اعادة رسم خرائط التجارة لا تمر من دون كلفة في الكفاءة الاجمالية.
واظهرت دراسة نشرها الباحثان سيرا اير وسونيل اونزورغ من جامعة ميونخ عام 2024 بعنوان "التفتت الجيو اقتصادي والدول الوسيطة" ان التجارة العالمية باتت تميل الى التركز داخل دوائر سياسية متقاربة ايديولوجيا. وان الشركات تعيد توجيه سلاسل الامداد نحو شركاء ينظر اليهم باعتبارهم موثوقين سياسيا.
اعادة هيكلة سلاسل الامداد
وبينت الدراسة ان الاعتبارات الجيوسياسية اصبحت متغيرا تفسيريا مهما في نماذج تدفقات التجارة الثنائية. الى جانب العوامل التقليدية مثل المسافة وحجم السوق.
ولم يعد صانع القرار يوازن بين التكلفة والكفاءة فقط. بل بات يضع "الامن الاقتصادي" في صلب الحسابات.
ففي خطاب القته في بروكسل في يونيو/حزيران 2023. شددت رئيسة المفوضية الاوروبية اورسولا فون دير لاين على ان اوروبا لا تسعى الى فك الارتباط مع الصين. بل الى "ازالة المخاطر".
كيف يتغير الواقع؟
ونقلت صحيفة فاينانشال تايمز البريطانية في 20 يونيو/حزيران 2023 عنها قولها "لا نريد الانفصال عن الصين. لكننا بحاجة الى تقليل المخاطر". ويجسد هذا التصريح انتقالا مفاهيميا من اقتصاد تحكمه اعتبارات الكلفة الحدية الى اقتصاد تعيد السياسة فيه تعريف حدود المخاطرة المقبولة.
تتبلور في المشهد الراهن 3 دوائر رئيسية ضمن ما يمكن تسميته "اقتصادات التكتلات". ولا يتشكل هذا التبلور بمعزل عن تصاعد الشكوك في استقرار التحالفات الغربية التقليدية. فمع تزايد استخدام الادوات الجمركية والضغوط السياسية في ادارة العلاقات الاقتصادية. تميل الدول الى اعادة تموضعها داخل دوائر اكثر قابلية للتنبؤ واقل عرضة للتقلبات الجيوسياسية. وهو ما يعزز منطق الاصطفاف الاقليمي والكتلي.
- تتمثل الدائرة الاولى في الكتلة الغربية التي تضم الولايات المتحدة والاتحاد الاوروبي وكندا واليابان واستراليا. وقد اقر الكونغرس الامريكي قانون الرقائق والعلوم عام 2022. وبدا تطبيقه العملي خلال 2023 و2024 عبر ضخ عشرات المليارات من الدولارات لدعم تصنيع اشباه الموصلات محليا.
آثار اقتصادية كلية
وذكرت وكالة رويترز في 9 ابريل/نيسان 2024 ان وزارة التجارة الامريكية شددت القيود على تصدير الرقائق المتقدمة الى الصين. مؤكدة ان الخطوة تهدف الى حماية الامن القومي.
ويعكس هذا المسار انتقال السياسة الصناعية من دورها التقليدي الداعم للتنافسية الى اداة صريحة لاعادة هندسة الاعتماد المتبادل.
- اما الدائرة الثانية فتتمحور حول اسيا بقيادة الصين. وقد تعززت عبر اتفاقية الشراكة الاقتصادية الاقليمية الشاملة. واوضح الباحث الفرنسي سيباستيان جان. في دراسة نشرها المعهد الفرنسي للعلاقات الدولية عام 2024 حول اعادة تشكيل انماط التجارة. ان البيانات لا تشير الى انهيار شامل في التجارة العالمية. بل الى اعادة توجيهها داخل دوائر اقليمية.
هل نشهد نهاية العولمة؟
وبين ان الصين تواصل توسيع مبادرة "الحزام والطريق". وتعمل على تنويع اليات التسوية التجارية بالعملات الوطنية. في محاولة لتقليص التعرض للمخاطر المرتبطة بالنظام المالي القائم.
- تتجسد الدائرة الثالثة في توسع مجموعة بريكس. فقد تناولت دراسة منشورة في "مجلة بريكس للاقتصاد" عام 2024 بقلم الباحث محمد سعيد مسالة ازالة الدولرة داخل الكتلة.
واشار الباحث الفرنسي الى ان دول البريكس تسعى الى تعزيز التجارة بالعملات المحلية. لكنها لا تزال تعتمد على الدولار في نسبة كبيرة من تعاملاتها. ما يعكس انتقالا تدريجيا في البنية النقدية الدولية بدلا من قطيعة فورية مع النظام القائم.
لم يقتصر التحول على اعادة توزيع المصانع جغرافيا. بل امتد الى فلسفة ادارة المخاطر ذاتها. فقد اوضح الباحثان "توني داي" و"تشانغ س. تانغ" في مقال نشر لهما في مجلة "اسيا بوليسي" في يناير/كانون الثاني 2024 ان مفهوم "ازالة المخاطر" يتجاوز فكرة نقل خطوط الانتاج. اذ باتت الشركات تقيم المخاطر السياسية واللوجستية والتمويلية بصورة منهجية.
واكد الباحثان ان الشركات تفضل تنويع الموردين حتى لو ارتفعت التكاليف. بما يعكس تحولا من تعظيم الكفاءة الى تعظيم المرونة.
كما بينت دراسة للبنك الدولي نشرت عام 2025 بعنوان "التفتت الجيوسياسي والصداقة في اعادة توجيه سلاسل الامداد" ان القرب السياسي اصبح مؤشرا احصائيا مهما في تفسير تدفقات التجارة والاستثمار.
واظهرت النتائج ان الدول التي تتقاسم مواقف سياسية متقاربة تزيد تجارتها البينية بمعدلات تفوق تلك المسجلة بين دول متباعدة ايديولوجيا. ما يعزز فرضية ان الاصطفاف السياسي بات عاملا محددا في تخصيص الموارد عالميا.
تقدم المكسيك مثالا واضحا على تاثير منطق "التحالفات". فقد اصبحت في عام 2023 اكبر شريك تجاري للولايات المتحدة. متقدمة على الصين.
ونقلت صحيفة "نيويورك تايمز" في 7 فبراير/شباط 2024 ان شركات امريكية كبرى نقلت جزءا من عملياتها الى المكسيك لتقليل الاعتماد على الصين. ويعكس هذا التحول تبني سياسة "القرب الجغرافي" المدعومة باعتبارات امنية. ضمن اطار اعادة تموضع سلاسل القيمة.
وفي اوروبا. اطلقت المفوضية الاوروبية استراتيجية للمواد الخام الحيوية عام 2023 بهدف تقليص الاعتماد على الصين في المعادن النادرة.
ونقلت صحيفة "لوموند" الفرنسية في 16 مارس/اذار 2023 ان بروكسل تسعى الى تامين سلاسل الامداد عبر شراكات مع دول افريقية واميركية لاتينية. في محاولة لتنويع مصادر التوريد وتقليص تركز المخاطر.
اما في الخليج. فتتبنى عدد من الدول استراتيجيات توازن دقيقة بين الاستثمارات الصينية والعلاقات الاستراتيجية مع الغرب.
وذكرت وكالة بلومبرغ في 12 اكتوبر/تشرين الاول 2024 ان الامارات توسع تعاونها التكنولوجي مع الصين. مع الحفاظ على شراكات امنية وثيقة مع الولايات المتحدة.
ويجسد هذا النهج ما وصفه اير واونزورغ بمفهوم "الدولة الوسيطة". التي تستفيد من موقعها بين الكتل لتعظيم مكاسبها وتقليل كلف الاصطفاف الحاد.
ويحذر صندوق النقد الدولي من ان ازدواجية سلاسل الامداد وتكرار الاستثمارات الصناعية قد تؤديان الى ضغوط تضخمية وارتفاع في تكاليف الانتاج. ما ينعكس على مستويات الاسعار العالمية.
وتشير تقديرات حديثة الى ان وتيرة نمو التجارة بين دول متباعدة جيوسياسيا باتت ابطا من نمو التجارة داخل الدوائر المتقاربة سياسيا. ما يعكس تحولا قابلا للقياس في انماط الترابط العالمي.
واكد معهد بيترسون للاقتصاد الدولي. في ورقة بحثية. ان السياسات الصناعية المدفوعة باعتبارات الامن القومي قد تقوض النظام التجاري متعدد الاطراف وتؤدي الى خسائر في الكفاءة العالمية.
في المقابل. يرى بعض الباحثين ان اعادة توزيع الانتاج قد تعزز المرونة وتقلل المخاطر النظامية. واشار تقرير لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية عام 2023 حول سلاسل القيمة العالمية الى ان التنويع الجغرافي يمكن ان يحد من اثر الصدمات المستقبلية. وان كان يرفع التكاليف في الاجل القصير.
وصرح الاقتصادي داني رودريك في مقابلة مع صحيفة الغارديان في 5 يناير/كانون الثاني بان "العولمة تدخل مرحلة جديدة حيث تتقدم السياسة على الاقتصاد". في اشارة الى ان القرارات الاقتصادية باتت اكثر ارتباطا بالاستقطاب الجيوسياسي.
من جانبه. قال لاري فينك. الرئيس التنفيذي لشركة بلاك روك. في رسالته السنوية للمستثمرين في مارس/اذار 2024 ان "العالم يشهد اعادة رسم خريطة سلاسل الامداد بسبب التوترات الجيوسياسية". مؤكدا ان التحول بات واقعا ينعكس في قرارات الاستثمار طويلة الاجل.
لا تشير البيانات الى انهيار شامل في التجارة العالمية. فقد اوضح تقرير مؤتمر الامم المتحدة للتجارة والتنمية لعام 2025 ان التجارة واصلت النمو رغم التوترات. غير ان طبيعة هذا النمو تتغير. اذ تتقدم "اقتصادات التكتلات" كنمط تنظيمي. ويترسخ نظام "التحالفات" معيارا لتحديد الشركاء الاستراتيجيين.
ولم تختف الكفاءة الاقتصادية. لكنها فقدت موقعها كمعيار اوحد. وتداخلت اعتبارات الامن القومي والسيادة التكنولوجية مع الحسابات التجارية. ما اعاد تعريف مفهوم العولمة ذاته.
وينتقل العالم اليوم من عولمة تحكمها الكفاءة الى عولمة تدار عبر الاصطفافات. حيث يظل الترابط قائما. لكن بشروط سياسية اكثر وضوحا.
وبذلك يدخل الاقتصاد العالمي مرحلة يمكن وصفها بـ"الترابط الاستراتيجي" بحسب باحثين. حيث دول مترابطة تجاريا وماليا. لكنها تعيد صياغة هذا الترابط عبر نظام تحالفات وتكتلات يعيد توزيع المخاطر والمكاسب.
ويمكن فهم هذا المسار بوصفه عملية اعادة تسعير منهجية للمخاطر الجيوسياسية داخل بنية النظام الاقتصادي العالمي.
ولم يعد السؤال ما اذا كان الترابط سيستمر. بل من يضع قواعده. وكيف تعاد هندسة شبكاته في عالم يتقدم فيه الاصطفاف على الحياد الاقتصادي.







